لماذا تقدمت أوروبا.. وتراجعنا؟
أسئلة عديدة يطرحها كتاب "الانسداد التاريخي، لماذا فشل مشروع التنوير في العالم العربي؟" للباحث هاشم صالح، الصادر عن "دار الساقي"، ولكن قمة هذه
الأسئلة: كيف يمكن تحرير الروح العربية الإسلامية من عقالها؟ وهل تحرير الروح الداخلي يسبق التحرير الخارجي؟
هذا السؤال يأتي، ولا يزال العلماء حائرون في سبب انهيار الحضارة العربية ـ الاسلامية الكلاسيكية بعد فترة ازدهار. فالبعض منهم يقدم أسباباً داخلية، والآخر خارجية، ولكن الشيء المؤكد هو أن هذه الحضارة كانت مشرقة طوال القرون الأولى ثم انتكست علي نحو مفاجئ يدعو الى الاستغراب فعلاً. ففي ذلك الوقت "ما كان الإنسان مثقفاً إن لم يكن يعرف العربية" على حد قول المستشرق مارتن كريمر، الذي يرى أيضاً "لو أن جائزة نوبل كانت موجودة في ذلك الزمان لكانت الغالبية العظمى ينالونها هم من المسلمين". ولكن الآن إذا لم تكن تتقن إحدى اللغات الأوروبية الحديثة، يمكن اعتبارك أمياً من قبل مراكز البحوث العالمية.
وبالرغم من العوامل الخارجية التي أدت الى ذبول الحضارة العربية ـ الإسلامية كالغزو المغولي، وتحول الخطوط التجارية عنا الى أوروبا. ثم اكتشاف أميركا على يد كريستوفر كولومبوس الذي فتح صفحة جديدة في التاريخ العالمي، أدت الى إغناء أوروبا وتهميش العالم الإسلامي أكثر فأكثر. وكلما ازداد الأوروبيون صعوداً في سلم الحضارة ازددنا نزولاً. بعدما كنا مزدهرين في مجال العلوم الدينية، والفلسفة، والعلم الطبيعي، وكأننا ختمنا العلم الآن ولم نعد بحاجة الى بحث أو تساؤل! بل أصبح البحث العلمي عندنا بمنزلة تطاول على الله في خلقه!
وفي كل الثورات والانقلابات التي حصلت منذ القرن الخامس عشر والسادس عشر، حصلت وهي بمنأى عن العالم العربي والإسلامي الذي كان يغط في نوم "أهل الكهف" لمدة ستة قرون، في حين كانت أوروبا تشهد عصر النهضة والإصلاح الديني في القرن السادس عشر، ثم الثورة الحديثة على يد غاليليور وكيبلر وديكارت ونيوتن في القرن السابع عشر، ثم فلسفة التنوير في القرن الثامن عشر. وهي الفلسفة التي أدت الى نقد الدوغماتية المسيحية المتحجرة وفتح ثغرة في جدار التاريخ المسدود. وشهدت في القرن السابع عشر الثورة الصناعية التي تواصلت إنجازاتها في القرن العشرين، ونتساءل كيف يمكن للعرب، أو للمسلمين بشكل عام، أن يدخلوا التاريخ مرة أخرى؟
قبل المطالبة بدخول التاريخ يجب تسليط أضواء المناهج العلمية على التراث العربي والإسلامي ليتجلى بكل تاريخيته. ويحررنا من عراقيله وتراكماته وأوهامه.
ولفهم ما يجري في العالم العربي عموماً وفي المشرق العربي خصوصاً، يلزمنا تحليل فلسفي يصل الى أعمق الأمور أو جذورها الدفينة كما حاول بذلك الباحث هاشم صالح الذي يستشهد بما قاله فرويد بأن: "كل ما كتب على مدار التاريخ سوف يستيقظ يوماً ما، وينفجر كما تتفجر البراكين من أعماق الأرض ويطالب بحقه في الوجود والتعبير عن نفسه. وسوف ينتقم لنفسه ممن كبتوه وظلموه". ولكن كيف يمكن تطبيق هذا الكلام على الواقع العربي؟ الجواب ليس صعباً على الباحث صالح الذي يعاكس الوجدان العربي، ويرى أن التدخل الأميركي ـ الانكليزي في العراق وعلى الرغم من ضحاياه البريئة وتجاوزاته إلا أنه ليس سبب اندلاع المشكلة الطائفية والعرقية هناك وفي المنطقة برمتها. فهذه المشكلة لها جذور عميقة في الذاكرة الجماعية... وتعود الى مئات السنين. كل ما فعله التدخل الأجنبي هو أنه حرر الطاقات المكبوتة والأصوات المخنوقة والفئات المضطهدة على مدار التاريخ.
لا شك أن أي باحث أو مفكر يحاول النبش عن قانون الهيمنة المخفي وإخراجه الى السطح وجعله عرضة للنقاش والمراجعة، يدرك، أنه سوف يواجه فوراً بالرد الحازم من أجل قطع الطريق عليه وإطالة أمد قانون الهيمنة الى أجل غير مسمى. فالإنسان المهيمن صاحب الامتيازات يحب الوضع القائم ولا يشعر بوجود أي مشكلة. ولكن هل يمكن لأي قانون هيمنة واستعلاء أن يستمر الى الأبد؟
من ينظر الى ما وصلت إليه أوروبا، سيعرف كيف استطاعت أن تتجاوز المرحلة اللاهوتية الطائفية القديمة وتتوصل الى المرحلة العلمية والفلسفية الحديثة التي لا تقيم الإنسان إلا طبقاً لإمكاناته وكفاءاته وميزاته الشخصية ولأن العالم العربي لم يتوصل الى هذه المرحلة بعد فإن الطائفية أو المذهبية أو العرقية سوف تظل منتعشة، وسوف تظل هي المعيار الأساسي لتقييم الناس.
أخيراً لا بد من التوقف أمام إشارة الباحث في معرض حديثه عن أهمية تفكيك العصبيات الطائفية والمذهبية والقبلية كشرط مسبق وضروري لتشكيل مجتمع مدني متماسك ومنسجم، معتبراً أن هذا العمل لم يتحقق حتى الآن ولم يجرؤ عليه أي حزب سياسي أو حتى أي مفكر ذي وزن... لا شك أن في هذا الكلام إجحاف بحق مفكر كبير، بل و"ذي وزن"، هو أنطون سعادة، الذي يعتبر أول من أطلق الحداثة في العالم العربي، وحرر الناس من الطائفية والمذهبية والقبلية من خلال وضعه مبادئ إصلاحية تطالب بفصل الدين عن الدولة، وإلغاء الحواجز بين الناس، وعدم تدخل رجال الدين في السياسة والقضاء، وذلك منذ العام 1932. والسؤال الذي كان لا بد من طرحه (كما يطرحه جميع الماركسيون) كيف استطاع سعادة حل المسألة الطائفية عند أتباع حركته، وهو ما لم يستطع عليه المفكر الماركسي وأتباعه؟
تحدث الباحث في الصفحة 26 ـ 27 عن خصوصية مشروعة للأقاليم العربية (المغرب الكبير، وشبه الجزيرة العربية، وادي النيل، بلاد الشام والعراق) وأهمية المحافظة على العناصر المتنوعة. أليس هذا الطرح هو الذي أودى بحياة سعادة بعدما طرحت بريطانيا مشروع الجامعة العربية... والوحدة العربية!
![]()