نابغة العرب مي زيادة
نابغة العرب مي زيادة
نظام مارديني
يحاول الباحث أحمد أصفهاني في كتابه المميز "مي زيادة... صحافية"، تلمُّس ملامح المشروع النهضوي الذي سعت إلى تكريسه هذه الأديبة في مشوارها الذي أغنى الثقافة العربية، ولذلك حاول أصفهاني رصد الأساليب الصحافية التي اعتمدتها مي لإيصال رسالتها، بالإضافة إلى محاولته كشف العراقيل الذاتية والموضوعية التي وقفت في وجهها وأجهضت طموحها.
وعندما يطرح اسم مي زيادة على بساط البحث تتوارد إلى الذهن فوراً أربع صور مترابطة الأطراف شكلت في حياتها وبعد مماتها الهالة التي كونت ملامحها الأدبية والإنسانية:
الصورة الأولى: ندوة الثلاثاء التي كانت تعقد في منزلها بين 1913 و1935، وأهمية هذه الندوة في حياة مي العملية أنها جمعت أهم وأبرز الأدباء والشعراء والمفكرين والصحافيين المصريين والسوريين واللبنانيين إضافة إلى أن لقاءات الندوة كانت البيئة التي على خلفيتها نشأت بين مي وعدد من ضيوفها العلاقات الشخصية الحميمة والصداقات المتطورة.
الصورة الثانية، العلاقة الأدبية والعاطفية التي ربطت مي بجبران خليل جبران منذ أول رسالة كتبتها له في 29 آذار 1912 وحتى آخر رسالة في العام 1931 سنة وفاته. وهي علاقة معقدة وغريبة نظراً إلى أنهما لم يلتقيا أبداً. وإلى جانب ذلك فإن جبران ومي، كل واحد من جهته، استمرا في علاقات أخرى عاطفية بالرغم من تواصل المراسلة ما بين الأديبين طوال سنوات.
الصورة الثالثة، تنافس رواد ندوتها لكسب ودِّها، وهم كثيرون منهم: بالإضافة إلى جبران خليل جبران وعباس محمود العقاد، ولي الدين يكن، اسماعيل صبري، أنطون الجميل، أحمد لطفي السعيد، يعقوب صرّوف، مصطفى صادق الرفاعي. وكان من الطبيعي أن تستمتع مي بتوله الرجال بها وهي عبرت عن "متعتها" هذه للأديب عباس محمود العقاد بالقول: "... ولكن طبيعة الأنثى يلذُّ لها أن يتغاير فيها الرجال وتشعر بالازدهاء حين تراهم يتنافسون عليها".
الصورة الرابعة: هي صورة الانهيار النفسي والجسدي الذي كان قد أصابها خلال منتصف الثلاثينيات بعد وفاة والديها وجبران، ثم احتجازها في مستشفى الأمراض العقلية في إحدى ضواحي بيروت، وهذه التجربة المريرة خلّفت جروحاً عميقة في نفسها وفي جسدها مما أثر عليها، فتوفيت في 19 تشرين الأول 1941 في احد مستشفيات القاهرة.
هذه الصور الأربع لم تتكون بعد وفاة مي، وإنما نلحظ مؤشرات لها حتى في المرحلة المبكرة من حياتها حينما أطلت على الساحة الثقافية المصرية سنة 1913 لتلقي كلمة جبران خليل جبران في حفلة تكريم الشاعر خليل مطران الذي أنعم عليه الخديوي عباس بوسام رفيع المستوى. فهذا طه حسين، الكفيف، يسترجع ذكرياته عن تلك الليلة فيقول: "كان الصوت نحيلاً، وكان عذباً رائعاً، وكان لا يبلغ السمع حتى ينفذ منه في خفة إلى القلب، فيفعل فيه الأفاعيل".
أما حافظ محمود فينظر إليها من ناحية أخرى: "كانت في نفس الوقت خطيبة مثيرة. كانت من أقدر الخطيبات في عصرها على إثارة خيال الشباب، فأياً كان الموضوع الذي تعالجه في محاضراتها كان لا بد أن تمزج الكلام فيه بعبارات الحب والحسن والجمال والخيال والآمال... ولهذا لم يكن غريباً أن تسمع بين الحاضرين من يستعيض عن التصفيق بالآهات عند بعض مقاطع المحاضرة".
وهذا سلامة موسى، الذي سافر إلى أوروبا وتنعّم في أجواء انفتاحها الاجتماعي والثقافي وكان ينظر إلى ذاته بوصفه عنوان التقدم والخروج عن النمطية التقليدية البالية، لم يجد ما يقيّم به مي الأديبة إلا أنها استطاعت "أن تجعل احتراف الأدب عند الفتاة المصرية والسورية زينة أنثوية لا استرجالاً كريهاً"، بل ولم ير في نفسها إلا أنها "حلوة الوجه، مدللة اللغة والإيماءة، تتثنى كثيراً في خفة وظرف".
"كانت مي في حياة القاهرة ظاهرة من الظواهر العجيبة (...) فكان فيها أفضل ما في الرجل وخير ما في المرأة". هذه العبارة التي أطلقها الزيات قبل سنوات ما زالت تختصر نظرة الذين يتناولون حياة مي وعطاءاتها الأدبية، فإذ نحن أمام واحد من اتجاهين: إما الإيغال مجدداً في الصور الأربع المتمحورة حول حياتها الشخصية وعلاقاتها العاطفية ومأساتها الأخيرة، أو محاولة إسباغ هالة غير طبيعية على إنجازاتها الكتابية تجعلها رائدة من رواد حركة التحرر النسائي والاجتماعي في مصر خلال الربع الأول من القرن الماضي. وهذان الاتجاهان، إذا تعاملنا مع كل منهما بمعزل عن الآخر، لن ينصفا مي وسيؤديان بنا إلى رسم صورة مشوهة لمثقفة سورية لم يتردد أحد المفكرين في القول عنها "إن استعدادها النفسي ودرجة ثقافتها كانا أقوى وأرسخ من انتاجها الأدبي المعروف، أو على الأقل مما قرأت منه. ولكن كان ينقصها الحافز الموضوعي من عمل عظيم أو حدث تاريخي خطير أو فكرة فلسفية سامية. ولم يكن في أي من المواضيع التي طرقتها مي من قبل ما أبرز لنا كل مكنونات نفس هذه الأديبة الكبيرة".. لكننا نعتقد الآن بأن فترة إشراف مي على "القسم النسوي الاجتماعي" في "السياسة الأسبوعية"، والمقالات التي نشرتها فيه، تبرز لنا ملامح من "مكنونات نفسها" التي كان من الممكن أن تتحول قوة نهضوية فاعلة لولا "نوع الحياة الذي قدمه لها محيط الثقافة اللاقومية الاجتماعية المبلبلة".
الكتاب: مي زيادة... صحافية
الكاتب: أحمد أصفهاني
الناشر: دار الساقي، 2008، بيروت