انخطاف
لم يعد يشغلني سوى الزمن، إذ فجأة وجدتُ نفسي أنسحبُ عشرين عاماً إلى الوراء حينالتقينا صدفة في قاعة المؤتمرات، بلهفة صادقة اندفعنا نتصافح، ونتأمل بعضنا بنظرةمتفحصة لنقدّر تأثير الزمن علينا.. فرحتُ لأنه لم يتغير كثيراً، غزا شيب خفيف شعره، وارتسمت تجاعيد ناعمة حول عينيه، لكنه لا يزال يتمتع بالنظرة الصافية المتأملةذاتها.
قاللي: هذه أنتِ، يا إلهي لم تتغيري! بالله عليك أخبريني كيف حافظتِ على وزنك ذاته..
أسرعتُ أكمل عبارته: تقصد وزني ذاته قبل عشرين عاماً.
هزّ رأسه متأملاً العبارة المُخيفة: عشرون عاماً.. أحقاً لم نلتق طوال تلك السنوات! فجأة عصف بي شعور غامض، لكنه زلزل أعماقي، تجلىّ الماضي بيني وبينه بكل ندوبه، ودون أن أحتاج إلى مرآة كي أتفحّص وجهي، أحسستُ كيف تنفلت من عيني نظرة حزنٍ يائس إلىحدٍ غريب! أحياناً يكون الحزن مثل ألسنة لهب طالعة من الروح، هذا ما أحسسته تماماً، وتكشف لي بلحظة ذلك الشعور الغامض العاصف: النَدَم.
أكانيجب أن ألتقيه صدفة وبعد عشرين عاماً، كي أدرك كم أنا نادمة عليه، وكيف أن ذكراه محفورة في روحي إلى الأبد كندبة.
انقضَعليّ رعبٌ أخرس منعني من الكلام، ترى ما فائدة الكلام وكل تلك المشاعر تضطرم فيروحي، كنتُ أصغي لكلامه، مستمتعة بنغمة ذلك الصوت الدافئ القادم من الماضي، قال: إنه سعيد بنجاحاتي، وإنه كان متأكداً من موهبتي في الكتابة.. غريبٌ أمري، لا أعرفلِمَ انغرس كلامه كسكين في قلبي، لكن ماذا سيقول لي بعد عشرين عاماً من انفصالنا.
بداوقع تلك الكلمة (انفصال) غريب، ولا يطاق، تخيّلتُ سلسلة فضية أنيقة، تتعانق حلقاتها، قطعت بيدٍ وحشية. قلّبت الكلمة في خيالي، ألفظها كل مرة بطريقة مختلفة.. رشحت عيناه بدموع لم يتبينها، وهمستُ لنفسي: هذا يعني أننا كنا معاً ذات يوم.
منحسن الحظ أنه يستلم زمام الحديث، حدثني عن زوجته وأولاده، قرّب شاشة الموبايل من وجهي، وضغط زراً صغيراً، فتتابعت صور زوجته وأولاده أمام نظري، وجدتني أقارن بينيوبين تلك المرأة التي حاولتُ جاهدة أن أجعلها خاسرة مقارنةً معي.
ضحكتُمدارية اضطرابي وألمي.. سألني، لِمَ تضحكين.
قلتُ: منذ عشرين عاماً لم يكن الموبايل موجوداً.
بدتعبارتي تافهة ولا علاقة لها بسياق الحديث.
كنا نتحدث قرب بوابة زجاجية عريضة تطل على شرفة واسعة، ملأني ضوء الشمس الدافئة برغبةجامحة بالمغامرة، بتحدي كل الحصانة العقلية والاجتماعية الزائفة التي نتصرف وفقها.
كم رغبتُ أن أضمّه وأقبله. تذكرتُ كيف كانت نظرته إليّ، لم يكن يستطيع أن ينظر إليّ إلا بِوَلَه، يعجزُ عن السيطرة عليه وتمويهه..
نَظْرتُهلي فضحته، كل من حولنا عرف كم يحبني. وكنتُ أصرخ به متذمرة:
ياإلهي، كفّ عن النظر إليّ بتلك الطريقة أمام الناس؟
فيردمحتجاً: لا أستطيع التحكم بنظرتي، صدقيني.
فأردبنزق: كيف لا تستطيع، النظر إلي بشكل عادي.
ـ لكنقولي لي، كيف أبدو وأنا أنظر إليك.
ـأوف، كيف سأقول، كما لو أن عينيك تشعان.
تمنيتُ بكل طاقة روحي لو تشع عيناه لبرهة، يا للندم يخزني كإبرتنغرس في مسامي، كانت نظرته لي، رغم مودتها وفرحها بلقائي، باردة، ليس في قلبها ذرةدفء.
سألني: هل ترغبين بشرب القهوة؟
فيالواقع لا أعرف بمَ أرغب، لكني قلتُ نعم. تأملته يبتعد بقامته النحيلة ومشيتهالمتأنية، هوى قلبي، وتسارعت أنفاسي يا إلهي إنه هو، هو ذاته الرجل الرائع الذيخسرته، وعدتُ أستحضر بخيالي صورة زوجته شاعرةً بغيظٍ شديد، كما لو أنها تعدّتعليّ.
أتراهيحبها؟! هل تزوج عن حبٍ؟ أهو سعيد معها. وأتاني صوته من نفق ضبابي معتم: لن أحبسواك مدى الحياة.
هلأذكره بما قاله لي! هل أذكره بذلك اليوم الرائع حين كذبنا على أهلنا، وادعينا أنناندرس عند أصدقاء، وسافرنا إلى حلب، تهنا في شوارعها، وتوّجنا يوم الحرية بزيارةقلعة سمعان، كنتُ أقفز وأضحك من السعادة وأنا أصرخ بفرح: ياه، أتمنى لو أعيش فيقلعة. ما رأيك؟!..
وحدهاحجارة الزمن كانت شاهدة علينا، حين احتضنني بقوة وجسده يرتعش حباً يرجوني ألا أتخلَّىعنه، وأن أصون علاقتنا، قبلته قبلة يهوذا عارفة ـ رغم حبي له ـ أني لن أجرؤ علىالزواج منه، لأن أبي سيموت إن تزوجت رجلاً من غير ملّتي.
أبيمريضٌ في قلبه، فهل أقتله؟!..
عاديحمل كأسين من القهوة، تعّلق نظري به كأنه نبع الحقيقة، كان كياني من الداخل يتداعى وينهار، لا، أنا لا أتحطم، لكن ما ينهار ويتداعى هو السنوات، الآن انخطفت عشرينعاماً إلى الوراء لألتقي الرجل الذي خسرته لأني جبانة، ولا أملك شجاعة الدفاع عن الحب. وجدتني أدرك بلحظة كم أحبني هذا الرجل. إنه الآن من ألمع الشخصيات العلمية، والأهم، إن أخلاقه المهنية ممتازة. عدتُ أبحثُ باستماتة عن شيء من دفء نظرته. لكنفي قاع عينيه هوّةً عمرها عشرون عاماً معتمة وباردة.
وجدتني رغم تشويش ذهني أرغب أن أذكره بالماضي الجميل، لكني لم أنجح بتذكر شيء، ذهني مرضوض من الألم، فكرّتُ أني أشعر الآن بالألم ذاته الذي سببته لهحين تخليتُ عنه.
عجباً، كيف أقنعتُ نفسي أني يمكن أن أحب رجلاً آخر، لكنه من ديني!
كيفأقنعوني وزرعوا أفكارهم في دماغي. كم أكره تلك الوجوه التي تدعّي حبي وحمايتيومصلحتي.
تحدثنا بمواضيع عديدة ونحن نرشف القهوة التي لها طعم المرارة والخيبة، كانت روحي منفصلة عني، تهيم هناك في أروقة ماض بعيد بعيد، ماض اعتقدتُ أنهمات..
اندفعتْ دموع حارقة إلى عيني ورغبتُ لو أصرخ في قلب القاعة الغاصةبالشخصيات العلمية المرموقة: أدفع عمري ثمناً ليرجع الزمن عشرين سنة.
لأتزوج هذا الرجل، وأنجب أطفالاً..... أطفال الحب.
ياه.. أيةجريمة أني خسرته! من أحبني مثله!
كنتُأتذوق نغمة صوته، فأحس الصوت يتحول إلى راحةٍ من حنان تمسح جلدي اليابس...
امرأةتتسوّل دفء الماضي... دفء رجل لم تعد تعني له شيئاً...
ياه،يا لألسنة اللهب الطالعة من روحي، خجلتُ، إذ أدركتُ أن تنفسي مسموع... أتراه يشعربلهاث أشواقي يلفح وجهه.
حاصرنا الأصدقاء والمعارف، وتحلق حوله طلابه يسألونه... اعتذرَلانشغاله، مدّ يده ليصافحني مودعاً... متمنياً أن نلتقي دوماً في المؤتمرات.
تجسّدتْبيني وبينه صورة قلعة سمعان الساحرة، وذلك العناق الأشبه بالذوبان، والذي دام دهراًكما أحسسنا.
ضغطتُعلى يده، اليد ذاتها التي طالما داعبتْ وجنتيَّ بحنان آسر...
اندفعتْ دموع إلى عيني، دموع مباغتة، مُحرجة، وقبل أن يسألني، ما بك،أسرعت أقول: هكذا أنا دوماً، أتحسَّس من الدخان في الأجواء المغلقة...
ابتسم، ثم استدار مديراً ظهره للماضي، تاركاً امرأة تتفرّج على حطامأحلامها.
الأسبوع الأدبي