اليوم العالمي للتطهير

خطيب بدلة قرأها 77
 

إمبراطورية المجانين الديمقراطية العليا

تجارب قصصية ميدانية

خطيب بدلة

لازمات

 ملاحظة 1:

إن المجانين الذين يُحْـتَجَزون في مشفى الأمراض العقلية أقل بكثير من المجانين الطلقاء. ولعله من المدهش حقاً أن المجانين الطلقاء  يتسنمون مناصب مهمة في البلاد، وتوضع في أيديهم مصائر البشر الأسوياء!!

ملاحظة 2:

نُشرت هذه التجارب القصصية على امتداد الأعوام من 2001 و 2005، في  مجلة " الشهر "، وصحيفـة " النور "، وعلى بعض المواقع الإلكترونية.

  

اليوم العالمي للتطهير

شهدت العصفورية المتحدة، في هذا اليوم الأغر، نشاطاً محموماً، لم نعرف له نحن المجانين سبباً أو تفسيراً،.. ففجأة، ومن دون سابق إنذار، شرعنا نرى السيارات الفارهة ذات البلور الأسود تمر من قربنا مرورَ البعوضة الجائعة بجوار الأذن وهي تقول: وززز.. وززز، ورأينا المديرَ العام، وكبارَ الأطباء، وجماعة المفرزة الأمنية، يذهبون ويرجعون ويصدرون أوامرهم إلى العمال والموظفين والأذنة، وهؤلاء بدورهم يقولون: (حاضر) ويذهبون في أحد الاتجاهات كالبرق.

قال زميلنا أبو عبدو الطَّشَنة، وعلائم الخوف بادية على وجهه:

-    أنتم يا حضرات المجانين، بهايم،.. علي الطلاق إن الضرب بالصبابيط على وجوهكم قليل عليكـم!

قال بَرَّام أبو الخيلة، وقد امتلأ غيظاً منه:

-    بشرفي، وأولادي، وما أرتجيه من الله، لا يوجد بهيمة ودب وطَشَنة غيرك يا طشنة الكلب. على أي أساس قاعد تبهدلنا ولاك؟

قال الطشنة: على أساس أني أرى الماء يجري من تحتنا نحن المجانين، ولا يوجد أخو أخته منكم يحرك ساكناً.

قال أبو نبيرة: هذا دليل آخر على كونك تشبه الكرّ المسن ذا الأذنين المتهدلتين أكثر مما تشبه الجحش الصغير يا سيد أبو عبدو الطشنة، ولك خيو الشغلة-كما يقولون- بالعقل، فنحن أولاً مجانين، وثانياً عُزَّل، يعني إذا ارتأت إدارة العصفورية أن تعبئنا في سيارات "تاترا" وترسلنا إلى المسلخ، وتأمر القصابين بذبحنا بدل الخراف، أو تأتي بالمداحل وتدحلنا مثلما يُدْحَلُ الزفت في الشوارع، أو توعز إلى فصيل الإعدام أن يصفونا على الحائط ويرشونا برصاص البواريد الروسية الكلاشينكوف، أيش يطلع بيدنا أن نفعله؟

قال حسون القشطة متدخلاً:

-    يطلع بيدنا شيء واحد هو أن ندعو الله أن يرأف بحالنا.

قال الطشنة: يا حسون، الدعاء لغة الضعفاء والمستسلمين.. أنا أرى..

وقبل أن يكمل أبو عبدو الطشنة عبارته رأينا الفَرَجَ يخرج لنا من قلب الضيق، واتضح لنا أن ما كان يجري من تحضيرات واستعدادات لم تكن الغايةُ منه إيذاءنا نحن المجانين، كما تكهن الطشنة، بل على العكس، فقد أراد الشباب، كما أفهمنا المدير العام للعصفورية، أن يعلمونا، ويثقفونا، وينورونا، عسى أن ينزل نورُ العقل على قلوبنا، فنشفى، ونخرج من هنا، لنعيش ما تبقى من أعمارنا كما يعيش الناس الأوادم الذين يمشون بجوار الحائط ويقولون (يا رب سترك).. ولأجل هذا كله، فقد نُصبت منصة كبيرة، خلف المبنى الإداري، واستدعونا إلى هناك، فذهبنا متدافعين، فرحين بمرور الخطر مرور الكرام، وبمجرد ما رندح الطبل والزمر نصبنا دبكة، وصفقنا، وزلغطنا، عيشنا الضيف الكبير، الموفد من قبل القيادة الحكيمة، (وقد زودنا عناصرُ المفرزة باسمه وألقابه)، وصفقنا له طويلاً حتى صعد إلى المنصة، وباشر بالخطابات. وحقيقة أننا لم نفهم كل ما قاله الرجل، فنحن مجانين، كما تعلمون، وهو رجل مليان وفهمان وضليع، ولكن أكثر ما علق في ذهننا حديثه عن التطهير، حيث قال:

-    ولتعلموا أيها الرفاق، أننا لن نقف مكتوفي الأيدي لقاء ما يتعرض له وطننا من مؤامرات ومخططات وهجمات شرسة، وسوف نطهر فلسطين والقدس وجبل الشيخ ومزارع شبعا من رجز الصهاينة، وسنطهر الضفة الغربية قطاع غزة من المستوطنات، وسنطهر مجتمعنا من الرجعية والانتهازية ومنتديات الحوار التي تبخ السم في عقول الناس، وسنطهره من جماعة المجتمع المدني الذين يريدون أن يسلموا بلادنا لقمة سائغة للأعداء، وسنطهر..

لم نستطع أن نكمل إصغاءنا إلى الخطابة، ذلك أن زميلنا نواف الحكولة كان قد أمضى وقت الخطابة كله وهو ممسك بوسطه، متقوقعاً على نفسه،.. وفي هذه اللحظة سقط على الأرض، وتدحرج كالخنفساء، فسارعنا إلى حمله إلى مستوصف العصفورية، ولحق بنا الدكتور الذي عانى هو والممرضون والمرافقون الأمرَّين في سبيل فك يديه عن وسطه دون جدوى، ووقتها اضطر إلى تخديره، وفك يديه، وانتظر أكثر من ساعتين حتى زال مفعول المخدر عنه، والحمد لله.

فتح نواف الدحكولة عينيه ليجد المدير العام والممرضين وجماعة المفرزة، وكل أصحاب الصلة بمثل هذا الأمر المريب، متحلقين حوله، وسارعوا إلى سؤاله عما ألم به، فقال لهم وهو يرتجف من الخوف:

-    المشكلة أن أبي رحمة الله عليه طهرني مذ كنت طفلاً صغيراً، وقد خشيت أن يصل الرفيق الذي كان يخطب عن التطهير إلي، ويطهرني مرة أخرى، وأنتم خير من يعلم ماذا يعني التطهير للمرة الثانية!! 

* ** *** ** *

صدر للمؤلف

§        حكى لي الأخرس 1987

§        عودة قاسم ناصيف الحق 1989

§        الساخرون- (نماذج من القصة الساخرة في سورية- إعداد) 1990

§        امرأة تكسر الظهر 1994

§        وقت لطلاق الزوجة 1998

§        حادث مرور 2002

§        التداوي بالأدب 2006

كتاب عن المؤلف: تجارب جديدة في القصة السورية- (عالم خطيب بدلة السردي)، تأليف محمد محي الدين مينو 2005.

رابط إلى المجموعة الكاملة