عاصي الرحباني.. عاش حياته بين مجد فني وأحلام وطنية كبيرة لم تتحقق
في الذكرى الحادية والعشرين لرحيله
هل خدع الرحابنة الجماهير العربية الواسعة التي عشقت فنهم؟، هل قدموا صورة خيالية للبنان؟، وهل بالفعل لبنان ارض شمسها الحرية وثلجها المحبة كما تغني فيروز من أشعارهم؟،
أسئلة اثيرت مراراً وتكراراً وطرحت على الأخوين عاصي ومنصور الرحباني من قبل العديد من الصحفيين والمثقفين العرب، فكانوا يجيبون باستمرار ان لبنان رغم واقعه المأساوي وتمزقه الطائفي سيبقى وطناً للمحبة والحرية ورسالة سلام لاتنتهي، وان مايكتبونه من اغاني تمجد لبنان لا يهدف لإغراق الناس بالأوهام وانما لزراعة الأمل بلبنان جديد يقود الشرق نحو الحرية والمحبة والكرامة الإنسانية.
واليوم.. في الذكرى الحادية والعشرين لرحيل عاصي الرحباني المولود عام 1923، والذي شكل مع شقيقه منصور وزوجته السيدة فيروز ثلاثياً عبقرياً لن يمحى من ذاكرة الفن العربي، يعود الكثيرون لنفس التساؤلات السابقة خصوصاً وأن الأوضاع السياسية الحالية في لبنان تذكرنا بما مر به ذلك البلد بسبعينيات القرن الفائت، عندما اشتعلت حرب أهلية مجنونة استمرت لأكثر من خمسة عشر عاماً وعايشها الرحابنة يوماً بيوم رافضين مغادرة لبنان الذي وصفوه بوطنهم النهائي، واستمروا رغم كل الألم والدمار بنظم القصائد وتلحين الأغاني الفيروزية المتفائلة والرافضة للواقع الأليم، ومنها أغنية فيروز الشهيرة "بحبك يالبنان"، والتي تقول في أحد مقاطعها: "عندك بدي إبقى .. ويغيبوا الغياب.. إتعذب وإشقى ويا محلى العذاب".
مات عاصي المتوتر والغاضب.. ومنصور الهادىء الوديع يصارع المرض بصمت، بينما تنشغل فيروز مع ابنها زياد ومنذ سنوات بوضع نمط غنائي جديد تفاوتت آراء النقاد حوله، باختصار ذلك ما آل اليه الثلاثي الرحباني والكثير يرون ان أحلام ذلك الثلاثي الرائع انهارت مرتين الأولى كانت بفعل القدر، اي عندما توفي عاصي فانفرد زياد بفيروز وتنحّى منصور، والثانية عند نهاية الحرب الأهلية ودخول لبنان في مرحلة السلام الهش وتكريس الطائفية البغيضة باتفاقيات باركها الجميع مرغمين على ذلك ومن أجل إنهاء الصراع الدموي فقط، الأمر الذي نسف أحلام الرحابنة بوطن يتساوى فيه الجميع ويذيب كل الخلافات العرقية والطائفية التي عصفت ولازالت تعصف بالبلد الذي كان يوصف ذات يوم بسويسرا الشرق وحديقة المثقفين العرب.
كان عاصي شاعراً وملحناً استثنائياً في تاريخ الفن والثقافة العربية وقد أشار أخوه منصور في عدة لقاءات الى ان عاصي كان يرفض ان يذيِّل أي قصيدة باسمه فقط ويصر على "الأخوين رحباني" كتوقيع على جميع الأعمال الشعرية والموسيقية حتى لو ألَّفها لوحده ودون منصور، انها حالة مثالية تذوب فيها الأنا لصالح الفن والإبداع، الى هذا الحد كان عاصي مثالياً في عمله فكيف لا يكون مثالياً بعشقه للوطن وبما يصف به ارض لبنان.
رغم كل العوائق التي واجهها عاصي منذ ولوجه عالم الفن والموسيقى عام 1944 حيث قدم عدداً من المسرحيات والأغاني القصيرة لإذاعة الشرق الأدنى وإذاعة دمشق ورغم ما عرف عنه من العصبية والتوتر الا ان الفنان المرهف بداخله تغلب على كل تلك الصعوبات والمشاكل الكبرى وأهمها الفقر الذي دفعه لترك الفن مؤقتاً والعمل مع أخيه منصور في جهاز الشرطة قبل ان يتابع مشواره الفني متأثراً بسيد درويش ومحمد عبد الوهاب ويدرس الموسيقى الغربية على يد "برتران روبيار" الذي علم عاصي ومنصور أصول الموسيقى الغربية حيث مزجاها بألحان شرقية واضعين بذلك مدرسة جديدة لا يضاهيها سوى مدرسة عبد الوهاب الذي تعاون معهما بأكثر من عمل.
في العام 1952 قابل عاصي ومنصور، فيروز ولحنا لها أغنية "عتاب" وتزوجها عاصي عام 1955 لينطلقا برحلة فنية صنعت مجداً غنائياً وموسيقياً غير مسبوق ويجوبا العواصم العربية والعالمية ابتداءً من دمشق حيث مشاركتهم السنوية بمعرض دمشق الدولي ثم القاهرة وعمّان وبغداد والعواصم الخليجية والمغربية وباريس ولندن والكثير من الولايات الامريكية، وما تخلّل تلك الجولات من تقديم مسرحيات أبرزها "موسم العز" و "جبال الصوان" و "جسر القمر" و"هالة والملك"، وأخيرا مسرحية "بترا" بالعام 1977 قبل ان يدخل عاصي بغيبوبته الأخيرة عام 1984 ويموت قبل ان يشهد لبنانه الذي رغب به والمحبة والوئام الذي أراد لشعبه ان يعيش في ظلالها.
في ذكراه الحادية والعشرين نردِّد معه ومع السيدة فيروز كلماته الخالده:
"يا مينا الحبايب يابيروت ..
يا نجمة بحرية
عم تتمرجح عَ المَيِّة
يا بيروت..
يازهرة الياقوت
يابيروت"،
متمنين ان ينقذ الله لبنان واللبنانيين من مسلسل العذاب والدمار الطويل.