آكلو البطاطا.. كما صوّرهم فان غوغ
عندما قرر فانسنت فان غوغ (1853- 1890م) التفرغ نهائياً للفن في عام 1880 بعد حياة ملأى بالتشرد والتنقل ابتدأ بوضع رسوم ومخططات سريعة ، حاول فيها التعبير عن البؤس وعن مشاركته للآخرين بأحزانهم، عامداً إلى نسخ لوحات فنية لكبار الفنانين ومعظمهم من معاصريه أمثال: مينيه، وكورو، وروسو، ودوميه، لتصويرهم حياة الشعب ومالهم من نزعة واقعية راغباً في الوقت نفسه بنسخ اللوحات الدينية. لكن مرحلة الإنتاج الحقيقي في فن فان غوغ لم تبدأ إلا في "نوين" خلال السنتين اللتين قضاها عند أهله فقد أنجز مالا يقل عن خمسمائة عمل بين رسم ومائيات ولوحات زيتية "1884-1885" حيث رسم عدداً من اللوحات الهامة التي تعد دراسات جيدة للتأليف بين اللون والنور، وقد ظهر واضحاً تأثره بالفنان الهولندي رامبرانت الذي كان يتميز بقدرته العبقرية على تصوير النور وكأنه ينبع من الألوان والحجوم. لقد فضّل فان غوغ رسم القرويين وعمال النسيج وعمال المناجم واستقى مواضيع لوحاته من حياة الشعب، رافضاً أن يرسم حياة المدن التي عرفها عندما عاش في باريس ولندن. كانت رسومه الأولى تتناول الأكواخ التي يسكنها العمال البؤساء والطرقات التي يسلكها الفلاحون ووجوه النساء والشيوخ. ونراه يؤكد في رسائله إلى أخيه تيو على ذلك* قائلاً: "رسمت خمس مرات فلاحاً يحمل المنجل .. حفاراً بأوضاع مختلفة.. مرتين رجلاً يبذر.. مرتين فتاة تكَنس ثم امرأة وأخيراً عجوزاً يجلس قرب الموقد ورأسه بين يديه ".. ".. القروي بين الحقول وفي ثياب العمل أجمل منه يوم الأحد عندما يقصد الكنيسة بثياب أنيقة".
ويقول كذلك: "لا، لابد من تصوير القرويين كما لو كان المرء واحداً منهم شاعراً ومفكراً مثلهم "... "لم أصور حتى الآن رأساً كما لو أنه صّور بالتراب لكنك ستجد الكثير منها الآن فصاعداً ".
ومن رسالة أخرى نقرأ: "لكنني أفضل تصوير عيون الإنسان أكثر من الكاتدرائيات لأن في العيون ما لا تجده في الكاتدرائيات مهما كانت فخمة".
من أهم لوحات هذه المرحلة نرى (عامل النسيج 1884)، (ممر في الخريف 1885)، (مقبرة الفنانين 1885)، (آكلو البطاطا 1885). صوًر في أعماله تلك شخصيات مجهولة الهوية، ومجّد فيها حياة القروي والعامل المقهورة فأبدع فناً نابعاً من الشعب وإلى الشعب مبتعداً عن رسم شخصيات لأبطال تاريخيين عائدين من انتصاراتهم. في لوحته الشهيرة آكلو البطاطا (زيت على قماش قياس 82× 114 سم، محفوظة في متحفه في أمستردام). يصوّر فان غوغ شعور التضامن والفقر الذي يعيشه هؤلاء الأشخاص الخمسة وهم يتناولون قطع البطاطا بأيديهم نفسها التي حرثت الأرض، يكتب إلى أخيه تيو: "أردت واعياً التعبير عن الفكرة التالية: إن أيدي الناس الذين يأكلون البطاطا تحت الفانوس، هي الأيدي ذاتها التي عملت في الأرض لتقوم لوحتي بالتالي بتمثيل العمل اليدوي، وذلك الطعام الذي كسبوه بشرف، أردت لها أن تكون دعوة للتفكير في حياة مختلفة تماماً عن حياتنا نحن المتمدنين، لهذا لا أود أبداً أن يجدها البعض جميلة أو حسنة. ولكن المشاهد الذي يرغب في رؤية الفلاحين بمظهر أكثر نعومة له أن يفكر ما يشاء، من جانبي أنا مقتنع بأن تصويرهم بكل خشونتهم والاستمرار قي ذلك يمكن الحصول على نتائج أفضل". *
أظهر فان غوغ تآخي وتعاطف هؤلاء الأشخاص فيما بينهم والتفافهم حول المائدة المتواضعة كما أضاء وجوههم بشعاع داخلي عميق بدا على الملامح المنارة بضوء الفانوس المعلق في الوسط، مما سمح للأصفر على الانتشار قليلاً بين المساحات البنية القاتمة التي طغت على اللوحة، وبفعل اللطخات القليلة من اللون الأصفر هذا ظهر تأثير الضوء جلياً على الخلفية البنية إن تمرد فان غوغ على كل الأساليب التقليدية للقواعد الفنية وتضامنه مع الفقراء والكادحين دفعاه إلى خلق أسلوب جديد للتعبير وصار الفن بالنسبة لديه وسيلة تعبير فردية، وغدت مفاهيم الجمال والقبح بالنسبة إليه معايير فردية خاصة أيضاً، ممهداً بذلك لجيل هام من الفنانين سموا أنفسهم بالتعبيريين وتمثلوا فان غوغ في أخلاقه ومبادئه واعتبروه المؤسس الأول لهذا الفن ( التعبيرية ).
* "عزيزي تيو" - رسائل فان غوغ إلى أخيه تيو/ اعداد وتقديم عاصم الباشا،
منشورات وزارة الثقافة السورية 1982"