كتاب التائه – 15 – الهدايا الثلاث

 

التـَّائه 10018.bmp

15

الهدايا الثّلاث *

كان في مدينة بْشِرِّي مرّةً أمير عطوفٌ، محبوبٌ ومُقدَّرٌ من جميع رعاياه.

غير أنه كان ثمّةَ رجلٌ فقيرُ الحال، مُعدمُ الحال، وجعل دأبَه وديدنَه ذمَّ الأمير، والتّشهير به وتحريك لسانه أبداً ودائماً في التّشنيع عليه.

وكان الأمير يعرف ذلك، ولكنه ظل صابراً لا يحرّك في شأنه ساكناً.

وأخيراً خطر بباله أن يضع له حدّاً، وأرسل إليه في ليلة من ليالي الشتاء خادمَه، وحمّله كيس طحينٍ، وعلبةَ صابونٍ وقالب سكَّر.

قرع الخادم باب الرجل وقال: "أرسل إليك الأمير هذه الهدايا، علامةَ تذكار ودليل رعاية".

وشعر الرجل بالزّهْو وأخذه العجبُ، إذ حسب أن الهدايا تكريمٌ من الأمير له، وذهب في نشوة الكبرياء إلى المطران وأخبره بما فعل الأمير قائلاً: "ألا ترى كيف أن الأمير يطلب رضايَ؟".

ولكنّ المطران قال: "إيه! ما أحكمَ الأميرَ وما أقلَّ فِطْنَتَكَ!.. إنّه يتكلّم بالرّموز، الطّحين لمعدتِكَ الفارغة، والصّابون لقذارة سريرتِكَ، والسّكَّرُ ليحلُوَ به لسانُكَ المُرّ".

وأصبح الرّجلُ خجِلاً منذ ذلك اليوم، حتى من نفسه. واشتدّتْ كراهيّتُه للأمير كما لم تكن من قبلُ قطّ، وامتدّت هذه الكراهية للمطران الذي كشف له الأمير، وأطلعه على مقاصده.

إلا أنه سكت بعد ذلك، ولم يتعرّض للأمير بكلمة.

* مجموعة مؤلفة من 52 قصة قصيرة لجبران لم يكتب لها مقدمة وصدرت بعد وفاته (1932). ومحاور هذه القصص الإنسان مع ذاته والإنسان مع من يحيط به .. كيف يعيش وكيف يفكر وبماذا يشعر وماذا يضمر.

1- التائه

2- ملابس

3- النِّسر والقُبَّرة

4- أغنية الحٌبّ

5- دموعٌ وضحكات

6- في السُّوق

7- الأميرتان

8- وميض البرق

9- الرَّاهب والوحوش

10 - النَّبي والغُلام

11- اللُّؤلؤة

12 - جسد وروح

13 - الملك

14 – على الرمل