رسول حمزاتوف رسول الشعر

د. مسوح مسوح
  

كلنا سنموتُ وليس بيننا خالدونْ

هذا أمرٌ مسلَّمٌ به وليس جديدا

ولكننا نعيش لنترك أثرا

بيتاً درباً شجرة أو كلمة

لن تجف جميع السواقي

ولن يلغي الزَّمنُ جميعَ الألحان

فالسواقي تزيد قوة النهر

والأغنية تزيد عظمة مجدنا

رسول حمزاتوف إبن الشعب الأفاري الصغير، إبن داغستان الذي ا ستطاع بجدارة أن يكون أحد مشاهير الشعراء السوفييت. درس في معهد موسكو للآداب وساعده إتقانه للغة الروسية أن يتعرف على عظماء الكلاسيكيين العالميين وحقق نضوجاً ابداعياً عظيماً، إذ من الصعوبة الوصول الى مرتبة الأوائل في بلاد بلغ الشعرُ بها منذ زمن بعيد أعلى القمم.

رسول حمزاتوف، لونت جبالُ وأنهارُ ووديانُ داغستان أ شعارَه وطبعت أغانيه بطابعها أخلاقُ وشهامةُ رجال داغستان،عاش ثمانين ونيف، كتب الكثير، تميزت أعمالُه بطابع فريد بطيبته وإنسانيته .

لم تخل حياة رسول من مشاغبات لطيفة في زمن كان كل شىء فيه مؤطَّراً. استمر لأكثر من عشرين عاماً اختيارُ رسول عضواً في مجلس السوفييت الأعلى لعموم الأتحاد السوفييتي ولسنوات طوال كان يجلس في منصة حلم بها رجالٌ كثيرون .في هذه المرجعيَّات العليا سادت قوانينُ صارمة لسير الاجتماعات، وكان أحد هذه القوانين غير المدوَّنة، أن أعضاء المكتب السياسي يصلون الاجتماع متأخرين ويخرجون قبل الجميع في نهاية الاجتماع أو في فرصة الإستراحة، ويبقى الجميع جالسين في مقاعدهم الى أن تخلو القاعة من أعضاء المكتب السياسي.

مرة، ولسببٍ ما ربما كان رسول  شارداً أو تعباً أوجائعا، وإذ أُعلنت فرصة الاستراحة خرج شاعرنا قبل الجميع ليجد نفسه محاطاً بأعضاء المكتب السياسي، فاختلط بهم كمشاغب حقيقي يخرج عن المألوف.

أخذ ليونيد بريجنيف رسولاً من مرفقه وقال له : يا رسول ما أحسن لقائي بك، ابنتي تعشق

أشعارك وسوف تكون شاكرةً لك لو أهديتها أحد كتبك موقعة. بدأ رسول يؤكد لبريجنيف أنه سيوقع لها ليس كتابا واحدا وإنما .... تركه بريجنيف مبتعداً قليلاً فتحلق حينها أعضاء المكتب السياسي حوله وبادروه بعد أن أشادوا به جميعا:

_ يا رسول زوجتي تحبك.     قال أحدهم

قال آخر: رسول لقد أخذتَ عقلَ حماتي.       

ابنة أخي.....  بدأ ثالث

عندئذ بدأ رسول الكلام: وما يمنعكم أنتم أن تحبوني؟

فالتفت عندها بريجنيف وقال بلطف:

مالك يا رسول .لو لم نكن نحبك ما الذي دفعنا لاختيارك في أعلى قمم السلطة؟

أجاب رسول في الحال متوجهاً إلى بريجنيف: اعذرني يا ليونيد ايليتش كنت أظن أن الشعب هو الذي انتخبني!!

كان الجواب على قوله هذا ضحكة شديدة الحياء

هذه مقتطفاتٌ من أشعار رسول حمزاتوف (1923-2003)

 I 

كي نتجاوزَ عقباتِ الدَّربِ نحو الهدف المنشودْ

يلزَمُنا دوماً صديقٌ حقيقيٌّ

ووضعٌ نفسيٌّ حسنٌ، في جسدٍ سليم

وأغنية توجِّهنا كنجمة

 II 

كثيرا ما أفكر

أن الأرضَ كلَّها وطني .. بيتي

أينما وُجدتِ المعاركُ والنارُ ورعدُ المدافع

يحترق بيتي    يحترق بيتي

أيها القرن العشرون

لقد أصبحتَ مصيراً لجسدي

تتحارب السنينُ فيما بينها

وأينما وجدتْ رعودُ المدافع والنار والمعارك

نحترقُ واياكَ يا قلبي

III
 

 أريد إعلانَ حبي لتلك البلاد

اللتي يعيش أهلُها بسلامٍ ودفء

والتي يبدأ نشيدُها الوطني بجملة

"الحب أعلى القيم على الآرض "

وليغنِّ هذا النشيدَ الرائع جميعُ الناس وقوفاً

ولتطِر هذه الأغنية لتملأ السماء

وليُصكَّ شعارُ هذه الدولة

أيادٍ متماسكة الواحدة بالأخرى

وفي علَم هذه الدوله

لتَدخلْ جميعُ ألوان الأرض

وليدخل بين هذه الألوان

اللقاء والفراق، القوة والضعف

أريد من جميع قبائل هذه الأرض

أن تطلبَ اللجوءَ الى بلاد الحب هذه

IV

لو أن ألفَ رجل في هذا العالم 

لو جهز في هذا العالم ألفُ رجل

ليرسلون اليك طالبين يدَك

اعْلمي أن من بين أولئك الرجال

سأكون أنا رسول حمزاتوف

لو أسَرَ حبُّك منذ زمن

مئة رجل جاعلاً دماءَهم تغلي

ليس من الصعب ولا يحتاج عبقرية

العثور بينهم على جبلي يدعى رسول

لو عشِقَكِ عشرةٌ من الرجال

الحقيقين الذين لا يخفون نارَ قلوبهم

بينهم، متلوياً متحسِّراً

سأكون أنا رسول حمزاتوف

لو وجد شخصٌ واحد

فاقدٌ غقله بسببكِ

اعْلمي أنه في القمم الملتفة بالغيوم

الجبليُّ المدعو رسول

لو لم يكن أحدٌ يعشقُكِ

وتعانين من الوحدة

سيعني هذا أنه تحت اللوحات الصخرية الباردة

مقبور في الجبال رسول حمزاتوف 

V 

كنت قد أصبحت يافعاً

حين ولدت

كنت حينها أعرف كل حدائق الحي

وكنت أذهب الى الصف الأول

وعندما كانت أمُّكِ

تنشغل لسبب ما

كانت تدعوني كي أهتم بكِ

ومع أنها لقاءَ هذا

كانت تقدم لي الهدايا

أذكر جيدا أنني حينها

كنت أموت ضجَراً أمام سريركِ

ركضت السنين

ومرة أخرى عدت الى قريتي الحبيبة

ما أجمل جدائلكِ

كم كبرنا سريعاً

وها أنذا كما في الطفولة أنتظر

أن تدخل والدتُك

وللاهتمام بك

تدعوني ثانية كالسَّابق

لكنت بنفسي الآن

سأحمل لها الهدايا التي تشتهي

أنا أنتظر.. فلتفتح الباب فقط

يا لروعة اهتمامي بك الان

VI

 اللقالق

 يبدو لي أحياناً أن الجنود

الذين لم يعودوا من الحقول المغطاة بالدم

لم يدفنوا في أرضنا حينذاك

بل تحوَّلوا الى لقالقَ بيضاء

وحتى هذه اللحظات، ومنذ ذلك الزمن البعيد

يطيرون ويرسلون لنا الأصوات

أليس لهذا، غالباً وبحزنٍ،

ننظر صامتين إلى السماء

واليوم، وقبل الغروب

أرى هذه اللقالق في الضباب

تطير بتشكيلتها المعهودة

كما كانت تسير على الأرض حين كانت بشراً

تطير لتقطع طريقها الطويل

وتصرخ بأسماءٍ ما

أليس من أصوات اللقالق

وخلال القرون تجمَّعت اللغة الآفارية *

يطير ويطير عابراً السَّماءَ هذا السَّهمُ التَّعب

يا أصدقاءَ الماضي ويا أحبائي

إن في تشكيلتهم هذه فراغاً ضيقاً

لعله مكانٌ مخصَّصٌ لي

سيأتي يوم ومع سربُ اللقالق

سأطير في لحظات كهذه

ومن السماء العالية سأصرخ كالطيور

لكم جميعا

يا من تركتكم على الأرض

_________________________________________ 

* اللغة الآفارية: اللغة الأم للشاعر رسول حمزاتوف

__________________________________________

أقوالٌ مأثورة للشاعر رسول حمزاتوف: (إضافة قارىء)

·        ما مِن أمٍّ لا تجيد الغناء

·        لا يحلم حَقود بحبيبة حتى في منامه

·        ليس من حقِّ مَن لا يعشقُ كتابةُ الأشعار