فرج الله الحلو
عز الدين المناصرة *
عرَّجتَ
تلوْتَ القَسَم الحزبيَّ لأرض النّبطية
كانت نتظر قدومَكْ
تزرع في دربكْ
شجر الأحرار المتشابكْ
كنتُ أشاهدك مساءً
تتفقد أضرحة الزرَّاع المذبوحين
وخصوصاً حسن الحايكْ.
كانت عيدان التبغ الدامي
يغسلها الدمع
وكانت اشجار البلوط تقول:
"غــداً يـأتي"
واليومَ تجيء، فقد نثروا جسدَكْ
من باب الشام الى باب القدس
كما نثروا صوتي
هكذا صرتَ أرضاً
تئنُّ من النيل حتى الفراتْ
هكذا صرتَ وجه الزّمان
الممَدَّد فينا
وصرتَ العناصر صرتَ النباتْ
كنتَ طفلاً،
ولكن عرفتُكَ من قصص الأمّهاتْ
أعلنُ منذ الآنْ
بأنَّ نداءَكَ ما زال يدوي
ويرحل في الوديانِ
الرَّاحلة إليكْ
وكنا نقول ونحكي بأنك يوماً
ستؤوبْ
ترحل في سفح الجبل الأحمر
مزروعاً ما بين الشريانِ
وبين العظم تلوبْ
في أعضاء السّمَّاق... السّرو...
ولا بد لكل غريبْ
أنْ يرجع موسوماً بصليبٍ وصليبٍ وصليبْ
أعلنُ منذ الآنَ بأني مِن حزبِكَ
حتى يزهرَ قبرُ صبايا التّبغ
وحتى تخضرَّ دروبٌ ودروبٌ ودروبْ
تنتظر قدومكَ
تنتظر قدوم المحبوبْ
اليومَ تجيء عريساً
من حولكَ يفرحُ أطفال قرانْ
وتعانقها الان
لست غريباً.. لا تخجل
وتقدم
ألفرح يقاتل أوغاد الليل..
تقدم التبغ بعادي من لا يسقيه صباح مساء ..
تقدم للدهشة أسباب..
نعرف أنك طفلٌ تُلقي أسئلةً لا تُسأل.
طفل انا..
قدمت من قرية بنب نعيم
تقع ما بين الحزن وبين الكرباج
هي أقرب أولاد البحر الميْتِ لقلبه
تناثرتُ مثلك.. لكني
تعطرتُ بدمك
طفل انا
قدمْتُ من التبغ المتراكض في وادي الجوز
شاهدتُ أهرام الجيزة
وسيدة حريصا
وآثار أقدام أجدادي فوق صخور جبل ماريا الشمالي
وأراك تركض في شارع طويل
تبحث عن ملامح وجهي
حسناً سأقول لك بعض تفاصيل:
هنا مر من هنا أشبالنا
وهناك في سفح عيبال تسكن حبيبتي
الليلة جاؤوك وما كنتَ سوى إشراقة روح الشعب،
وهذا يكفيك
الليلة جاءوك وقهقهتِ الألسنُ في سجنكْ
هذي الليلة جاؤوك
ذلك ان القتلة عرفوا ان لسانك لا ينطق إلا حين يريد
لذا قتلوك
شقوا قلبك نصفين
خلعوا عينيك
لأن الزرّاع المذبوحين
حملوا أمتعة الزمن المرّ
وطافوا
التموا في بابك
واختبأوا في العينين
ورأوا في عينيك الغابة
والبحر
ورمل الصحراء
وكذلك كانت خطوات العمال..
سواعدهم تتأرجح من طول الإرهاق.
وجاء النعي صباحاً
لا أدري
ظهراً او عصرا
فتراكض في الأجفان الدمع..
بكوك الليلة يا فرج العمال،
تهاوى، انْذبح العامل محمود
مِن أعلى برجٍ
يبنيه لسادةِ هذي المدنِ الصفراء
كتبتْ إحدى الصحف بأنَّ الموتَ طريقُ الله...
وأنَّ الموعدَ قد حانْ
فلا حولَ ولا قوّةْ
والليلةَ يافرجَ الزرَّاعْ
انْقَلبتْ شاحنةٌ تحمل عمال التبغ الأخضر،
"لم يحدث شيءْ"
قالت كل الصحف بأنَّ حليمة
أُخِذتْ غفوة
والليلةَ يافرجَ الطلابِ الثوريينْ
كنت أشاهد صورتكَ
على مقرُبةٍ منها تقعُ فلسطينْ
من يقطع بالقول بأنكَ في هذي السّنة البيضاءْ
لم تعرف أغصاناً حُرقتْ في دبِّينْ
مَن يقطع بالقول بأنكَ لم تعرف ما حدث من الذَّبح لأهلي المنفيّينْ
علَّقتُكَ في شريان القلب ولَمْلَمتُ رمادكْ
والليلةَ
يافرجَ المدنِ العطشى
يا فرجَ الطلْقةِ والسكينْ
شاهدتُك في كفْر الرّمَّانِ تُقَبِّل صورة لينينْ
وتزور خلايا الحزب العلنيّةِ والسريَّةْ،
تهتف باسْمكَ في كفْر الرمانِ
وفي وادي الجوز
وفي وادي البادانِ المطعونْ
من قاع النّهر حملتُكَ في البال سنينْ
واليومَ نُلَمْلِمُ أجساد الشهداءِ الخضراءِ
نوزِّعُ باسْمكَ للشعب نياشينْ
لا بدَّ لكل غريبٍ أن يرجعَ للساحاتْ
لا بدَّ لكل غريبٍ أن يرجعَ للساحاتِ ..
خصوصاً أنتَ
وثوارُ فلسطينْ.
أرسل هذه القصيدة الدكتور نادر ياسين مقدماً إياها إلى قراء جماليا الذين يعرفون الشاعر عزالدين المناصرة الذي غنى الفنان مارسيل خليفة الكثير من أشعاره
إقرأ أيضاً
ترنيمة ثورية لمناسبة الذكرى الخامسة والأربعين لاستشهاد
لعبقري الكلمة، الشاعر والفنان الراحل
فريد فرح يختصر تاريخ المنطقة وفكرها في كتاب