في ذكرى رحيل العبقري نجيب سْرور – نَصّ قصيدته "فرج الله والغستابو"
قصيدة كتبها في رثاء الشَّهيد فرج الله الحلو بعد عام من غيابه
فـَرَجَ الله و الغِستابو
نجيب سـرور
1960
القرنُ: يُقالُ العشرونْ
والعامُ: التاسعُ والخمسونْ
لكنْ، لا أذكرُ ما الشَّهرْ
لا أذكر حتى ما اليومْ
والسَّاعة لا أعرف كمْ
فهنــا ..
في جوف الزّنزانةْ
خلفَ الشمسْ
يجري توقيتُ الغِسْتابو
سألوني، من زمنٍ، مااسْمُكْ؟
تيلمانْ
أو شهدي
أو فوتشيك
أو قولوا الحلو
قولوا ماشئْتم .. أيَّ اسْم ِ
عسَّافٌ إسمي
عسَّاف ْ ..
جُنَّ الغِسِتابو وانفجرتْ
في وجهي آبارُ الَّدمِّ
فبصقتُ دماً
ملءَ الفمِّ
في وجه الغِستابو الجَهمِ
وأنا أضحكْ
ركْلـَه...!
زعقوا ...
- مااسْمُكْ ؟
إنسـانٌ
أيُّ إنسانْ ..
إبنُ العمَّالْ أنا
من رأسي حتى قدميْ
من أغورِ أغوارِ القلبِ
جنديٌّ في جيش الشعبِ
قربانٌ من أجل الحزبِ
في مصر أنا
في سوريَّا
في لبنانْ
في العالم في كل مكانْ
أنا وطني كلُّ القارَّاتْ
أمشي في زحف العمَّالْ
عسَّافٌ إسمي
عسَّافْ ..
وأعاد الغستابو الكرَّةْ
لا أدري
في هذي المرَّةْ
من أين الآبارُ الثـَّرَّةْ
في جسميْ
كانتْ تتدفَّقْ
حاولتُ كثيراً أن أبصُقْ
جاهدتُ
ولكنْ لم أبصُقْ
وتدورُ الأرضُ
والسَّقفُ الصَّخريُّ يدورْ
وتدورُ الجدرانُ تدورْ
ويلفُّ الأشياءَ ضبابُ
وتغيبُ وجوهُ الغستابو
وأغيبُ أنا ....
*********
القرنُ، يُقالُ العشرونْ
والعام: التاسعُ والخمسونْ
وحدي أنتظرُ الغستابو
وحدي !!
وحدي ؟؟
ومئاتٌ من حولي
ومئات ٌ من قبلي
ومئات من بعدي
وألوفُ ألوفُ العمَّالْ
في الخارج لا بل في قلبي
ورفاقي كلُّ الشُّرفاءْ
في وطني يحضنهمْ شعبي
أأنا وحدي
كنتُ أسيرْ ؟
وسْط َ دمشقْ
والسَّاعةُ .. منتصفُ اللَّيلْ
والبردُ رصاصٌ مسمومْ
والرِّيح تنوحُ كما بومْ
والشَّارع خال ٍ مِن نسْمةْ
ودمشقُ
تلفِّحُها الظُّلمةْ
واللَّيل ضريرْ ..
لم تبسمْ حتى نَجمةْ
ويجيءُ نُباحُ الغِستابو:
" يحيـا القائـدْ
هايـل الرائـدْ "
أذكرُ أذكـرْ
يذكرُ مِثلي فوتشيـكْ
يذكر تيلمانْ
" يحيـا الفوهررْ
هايـل هتلرْ "
أذكرُ أذكرْ
" يحيا الحُسنِي
والحنَّاوي
والشيشكْلي "
أضْحكُ ... أضحكْ
يضحكُ كلُّ العالمْ
تضحكُ كلُّ دمشقْ
يضحكُ كلُّ الشَّرقْ
أيـن الفوهرر ْ ؟
صِرت ُ أفكِّرْ:
أكبادي .. زوجي ..
بيروتْ
وأبو زعبلْ
أكبادي في كلِّ العالمْ
يابيروتْ
مَن ماتَ ؟ ومن سوف يموتْ ؟
أو يحيا
من أجل الشَّعبْ
البردُ رصاصٌ مسمومْ
والرِّيح تنوحُ كما بومْ
والشَّارعُ خالٍ من نَسْمةْ
ودمشقُ
تلفِّحُها الظُّلمةْ
والنَّجْمة ..
تهمسُ للنَّجمةْ:
هَجْمةْ ... هَجْمـةْ
فِرِّي
قد هجمَ الغِستابو
ضربو .. ضربو ..
آه ٍ ..
لكأني أركبُ أُرجوحةْ
تعلو تهبطْ .....
تعلو
تهبطْ
غابتْ عنِّي الرُّؤيا
أسقطُ .. أسقط ْ
*********
القرنُ: يُقالُ العشرونْ
والعام: التاسعُ والخمسونْ
مطروحٌ مشلولُ الجسْمِ
أتَلَوَّى في بِركة دمِّ
بعظامي شيءٌ
بعُروقي
بكياني يجري كالسُّمِّ
نادوني باسْمي فَرَج الله !!
لكنِّي أحيا متنكِّرْ في عسَّافْ !!
عرفــوا إسمـي ؟!
مِمَّنْ عرفوه ؟
هابيلُ .. يطعنُه أخوه !!
مِِن قابيـلْ ؟ مِن قابـلْ ؟
كمْ غيري في سجن المزَّة ؟
كمْ هابيلْ ؟
كم هابيلْ ؟
قلبي يتخطَّى الأسوارْ
ويغافِلُ كلَّ الحرِّاسْ
ليعانقَ كلَّ الشُّرفاءْ
في حِضنِ دمشقْ:
< كيفْ حالكْ ياجارْ
لو تعْرِفْ شو صارْ >
هل عرفوا أنِّي في المزَّةْ
في قَعر ِ الجُبّْ ؟
هل كشفوا خنجرَ قابيـلْ َ
في ظَهر الحِزبْ ؟
*********
القرنُ:
يُقالُ العشرونْ
والعامُ:
يُقالُ الستُّونْ
وأنا في الجبّْ
عينايَ على الباب المغْلقْ
أذنايَ على الصَّمْت الأخرسْ
من بابِ فُضولْ:
ماذا في وِسْع الغِستابو ؟
خلعُ أظافرْ ؟
خلعوها من أولِّ يومِ
خرجتْ باللَّحمِ وبالدَّمْ
لن تنبتَ لي بعدُ أظافرْ ..
ماذا في وِسْع الغِستابو
فوق التعذيبِ الوحشيّْْ
فوق الكَيّْ
أو صبِّ الماءِ المغليّْ
فوقَ الباردِ
والباردِ فوقَ المغليّْ
أسناني ....!
هل بقيت سنٌ في فكَِّي؟ !
عقبُ السِّيجارة في اللَّحمِ ؟
حرقوا لحمي
هل يُغرسُ عقبٌ في العظْمِ ؟
قطْعُ لساني ؟
همْ أحوجُ مِنِّي للساني ..
ماذا في وِسْع الغِستابو
لمناضلَ غيرُ الموتْ
الموتُ لعيـنٌ ورهيبْ
لكنْ ..
في جُبِّ التَّعذيبْ
لا نخشاهْ ..
نتمنَّاهْ ..
فالموتُ لنا مثل الواحةْ
والموتُ لهم ... للغِستابو
يعْني الصَّمتْ
فالميتُ .. مِن دون لِسانْ
والحيُّ له ألفُ لسانْ
قد يضْعفُ يوماً
قد يركعْ
يتخاذلُ ... يرضخُ ... ينهارْ
ويبوحُ بتلـك الأسرارْ.
سأموتُ لكي يحيا الشَّعبْ.
حملوني فوق النَّقَّالة
هبطوا سُلَّم ْ
ساروا .. لفُّوا
دخلوا غُرفةْ
داخلَ غرفةْ .. داخلَ غرفةْ
وقفوا .. حطُّوا النَّقَّالةْ.
ماذا بجراب الغستابو ؟
- مَن هذا ...؟
- هل تعرفُ مَن...؟
وأشاروا للشَّخص الواقفْ
بَصَري مِن أيَّامٍ يضعفْ
لكنْ أعرفْ
أعرفُ مَن ! .. < لا ، لا أعرف >
خانَ النـَّذْلْ
قالَ:
- "وقَعْتَ.. قـد وقـَع َ الكـُل ْ .."
الخائنُ هذا قابيـلْ ..
كمْ غيري في سِجن المزَّة ؟
كم هابيـلْ ؟ كم هابيـلْ ؟
منذ متى أنت خائنْ
ياخائنْ
خذ مني هذه البصقةْ،
الخائنُ يضحكُ منِّي
يزعمُ أنِّي
أحمقْ
ينصحُ أن أستسْلمْ
قال :
- " خسِرتَ اللُّعبةْ "
< لا لم أخسـرْ ..
هذا أوَّلُ شوطْ >
- هل تتكلم ؟
فضحكْتُ .. وجُنَّ الغِستابو
وأعادوا وصلَ التيَّارْ
قالوا:
- " لا جدوى في الصَّمتْ
قلْ أو مُتْ .. لا تخجلْ قد قال الكُلّ "
< تلكَ قديمةْ
قد شاختْ حِيَلُ الغِستابو
هاتوا الأخرى
لن أتكلَّمْ... لن أتكلَّمْ >
وأعادوا وصلَ التيَّارْ
يالَلصَّدمةْ
قالوا:
- " الحكمةْ
أن تُنقِذَ نفسَكْ ..
ماكِنيةُ أعضاءِ اللَّجنة ؟
مَن يعملُ من أجل الجبهة ؟
أسماءُ بضعةِ أشخاصٍ
تلك الحِكمةْ " ..
قلبي يتخطَّى الأسوارْ
ويغافِلُ كلَّ الحرَّاسْ
ليعانق َ أعضاءَ اللجنةْ
ويقبِّل َ أنصارَ الجبهةْ:
< لا تخشَوا .. لن أتكلَّمْ
لا لن أتكلـمْ >
- لنجَرِّبْ فيه المنفاخْ
حِيَلُ الغستابو الملعونةْ
أأنا أُنفخُ كالبالونةْ ؟
أأنا أُنفخُ كالبالونة !!
*********
القرنُ: يُقالُ العشرونْ
والعامُ: يُقالُ الستُّونْ
ألألمُ يموجُ على شفتِيْ
والنَّار جحيمٌ في حلْقي
حلْقي جفّ
- إشربْ .. إشربْ
رفعوا رأسي
صبُّوا قَطرةْ
لكن لم يُعطوني الأُخرى
ياللبُخل !
نِصفي ماتْ
ويدبُّ الموتُ إلى نِصفي
لكنْ
قلبي
في صدري
ما زال يدقّ
ألشَّرقُ الشَّرق ْ
بيروتُ دمشقْ
كلُّ العالمْ
ياقلبي
يا أعندَ قلبْ
ما زلتَ تدقّ.
رفَّتْ نسْمةْ
في أعماقي
غُِنوةْ .. غُِنوةْ
تأتي مِن أحضانِ الأرزْ
قلبي في أحضانِ الأرزْ
أرزةْ ... أرزةْ
نغْمةْ ... نغْمةْ
لكنْ ..
ماكلماتُ الغِنوة ؟
ما الكلماتْ ؟
بطلُ الثورة إحْنا معاكْ !!
صمتاً صمتاً يا غِستابو
الشَّعبُ هو الثورةْ
الشَّعبُ هو الثورةْ
لكنْ ما كلمات ُ الغِنوة
أنا لا أذكرْ
أسمعُ صوتاً وزعيقاً
في الظُّلمةِ حارسْ
هايل هتلرْ، هايل هتلرْ
أسمعُ صوتَ المِزلاجْ
تيمورلنكْ
يا زكريَّا
يا سرَّاجْ
أهلاً أهلاً ..
ماذا في وِسْعِ الغِستابو
لمناضلَ غيرُ الموتْ
الآنَ تذَكَّرتُ الكلماتْ:
< نحنا ودياب الغاباتْ رْبينا
باللِّيل الدَّاجي العتْماتْ مْشينا
للغاب لْيالينا .. للرِّيح غْنانينا
هيك .. هيك .. نحنا هيك رْبينا >
*********
صوت:
ماتَ بالأمس فرجْ
أيُّها العمَّالُ في كل مكانْ
منذ أنْ كانوا وكنَّا
منذ كان العبدُ يعملُ ثمَّ لا يأكلْ
والسيَّدُ يأكلْ
منذ كان القِنُّ يعملُ ثمَّ لا يأكلْ
والمالكُ يأكلْ
منذ صارتْ قوةُ العاملِ سِلعةْ
تضمنُ الرِّبحَ لربِّ الرَّأسِمالْ
قد أرادوها
إبادةْ ؟
حسناً ...
مِلْيـاً خذوها
لا هوادةْ !
أيُّها العمًّالُ في كل مكانْ
أيُّها العمَّال
كونوا يقظينْ
صوت:
ماتَ مِن قبلي وقبلِكْ
ماتَ مِن أجلي وأجلِكْ
ماتَ من أجل الملايين التي حولي وحولَكْ
مات ْ .. مات َ فرج الله
صوت :
لا تقـُلْ ماتَ فرجْ ..
هو في قلبي وقلبِكْ
هو في كلِّ الملايين التي حولي وحولَكْ
في المصانعْ
والمـزارعْ
والشـوارعْ
في الملايين التي تزحفْ
وتزحفْ
قُدُماً لا تتوقَّفْ
هي كالأمواج صفٌّ بعد صفْ:
كلَّما ماتتْ على الصخرة موجةْ
عاجلتْها ألفُ موجةْ
هكذا البحرُ عنيدْ
أينما كان غنيٌّ بالرَّصيدْ ..
بألـوفٍ كفـرجْ
لا تقلْ ماتَ فرجْ
صوت :
قالَها فوتشيكُ قبلَكْ:
" نحن حبَّاتُ البذارْ
نحن لا ننمو جميعاً عندما يأتي الربيعْ
بعضُنا يَهْلُكُ مِن هَولِ الصَّقيعْ
وتدوسُ البعضَ مِنَّا الأحذيةْ
ويموتُ البعضُ مِنَّا في ظلام الأقْبيةْ
غيرَ أنَّا كلَّنا لسنا نموتْ
نحن حبَّاتُ البِذارْ
نحن يا هتلرَ ... يا فرعونَ
نعلمْ
أن أطلالَ القبورْ
ستُغطِّى ذاتَ يومٍ بالسَّنابلْ
وسينْسى النَّاس أحزانَ القرونْ
وسينسون السَّلاسلَ والمقاصلْ
والمنافي والسُّجونْ
وسنكسو الأرضَ يوماً بالزُّهورْ
وستأسو الفرحةُ الكبرى جراحاً في الصُّدورْ
عندما يأتي الربيعْ
نحن إن نحيا فمِن أجل الربيعْ
حكمةُ التاريخ أن يغتالَ هِتلرْ
ألفَ حبَّةْ
ألفَ شهدي وفرجْ
ألفَ فوتشيكْ
ألفَ تيلمانَ وأكثرْ
قبل أن يسقُطَ هِتلرْ
غير أن الزَّرع يوماً سيقولْ:
باسْمِ حبَّاتِ البذارْ
باسْم ِ كلِّ الشُّهداءْ
يضحكُ التاريخُ مِن هِتلرْ
ويضحكُ
ثم يصمتْ:
عـاش للشعب فـرجْ
مات للشعـب فـرجْ
مات فليحيـا فـرجْ
لا تقـلْ مات فـرجْ
إعداد: مفيد مسُّوح – موسكو 1982