في الليلة الظلماء يُفتَقَدُ البدرُ

سهيل بشروئي قرأها 12
 

غابت سلمى الحفار الكزبري

التي يتمثل بشخصيتها القادة والحكام

غابت سلمى الحفار الكزبري حين نحن في أمسِّ الحاجة الى مثلها من قادة الفكر والأدب، فَـ"في الليلة الظلماء يُفتَقَدُ البدرُ".
رحلَت عنا لتترك في لبنان والعالم العربي فراغاً يندر أن يملأه رجل أو امرأة. كانت في عصرها سيّدةً من أبرز وجوهه الأدبية والفكرية. حملت رسالتها الإنسانية والفكرية، بأيّما تواضُع، وتعالت عما يواجه المرأة العربية من حدود زائفة تنتصب في وجهها، فتغلَّبَت على كل ما يعيق نشرَ فكرها المتألق النير، وفرضت الاحترام حتى على معارضيها بذكائها اللافت وعقلها الراجح وشخصيتها الجاذبة ودماثة خلقها وأدبها العالي. وإذا الأدب فعلاً "سيّد الأخلاق"، فسلمى الحفار الكزبري سيِّدة الأدب والأخلاق معاً.
كانت "مُجاهدة" حقيقية اقتحمت بشجاعة مثلى معاقل اعتبرها بعض الرجال حكراً لهم، وحملت راية التحرر النسائي، يساندها في ذلك زوجها السفير نادر الكزبري، حملتها بأُسلوب مغاير عن أسلوب أخوات لها عربيات شططن في طلب المساواة مع الرجل مضحيات بميزات خاصة للمرأة التي وصفها جلال الدين الرومي بـ"نور الحق".
من هنا أن سلمى الحفار الكزبري كرّمت النساء جميعاً بإنجازاتها أديبة ومؤرخة وكاتبة سيرة وباحثة وروائية ومترجمة، وزوجة كريمة آزرت زوجها السفير فكان من أنجح السفراء العرب في حمل رسالتنا الحضارية الإنسانية الى العالم، وكانت أمّاً مثالية أنشأت أولادها على الإيمان والعدل والإنصاف واحترام الغير من دون تفرقة بين الأديان والشعوب.
تركت سلمى الحفار الكزبري إرثاً فكرياً غنياً، نابعاً من تراثها العربي والإسلامي، اتَحد في كتاباتها مع ما نهلته من ذاك التراث الإنساني الواحد الذي تتحد فيه المسيحية والإسلام، والغربي والشرقي، فكتبت بالعربية والفرنسية والإنكليزية والإسبانية والألمانية آثاراً توحّد بين البشر وتؤالف بين قلوبهم فتجمعها على التآلف والتعاون لخلق عالم يسوده التآخي والسلام، وتندثر فيه الأحقاد والكراهية والعداوة والصراع.
تسنى لي أن أتعاون معها في جمع رسائل جبران ومي زيادة ونشرها، وكان ذاك أول عهدي بالاطّلاع على ما أبدعته من آثار قيّمة، وكان هذا التعاون بيننا درساً تلقّيتُهُ على "أستاذة" مثلى وجدتُ فيها صفات العالمة المحققة والباحثة الدقيقة والمحللة المنصفة والكاتبة البليغة والمفكرة العميقة. بَهَرتني بذكائها المتوهِّج وأسلوبها العلمي الرصين وشاعريتها الواقعية وبجمعها "ثقافة العقل والقلب"، عناصر كان لها الفضل في انتشار كتابنا "الشعلة الزرقاء" كما يندر أن ينتشر كتاب بالعربية، فتمت ترجمته حتى الآن الى اثنتي عشرة لغة، وتتداوله الأوساط الأدبية والوسائل الإعلامية كأحد أندر النماذج في جميع اللغات لأدب التراسل.
العالم العربي مدين بالكثير لسلمى الحفار الكزبري، وها أزف الوقت الذي يقوم فيه من يكتب سيرة تاريخية للمرأة العربية وإسهاماتها منذ عصر النهضة حتى اليوم، لاستكشاف عبقرية المرأة العربية وأهمية مزاولتها حقَّها بالمشاركة في اتخاذ القرارات المصيرية في عالمها العربي، هي التي بقيت، ويا للخسارة، خارج مراكز القرار، ولم تصل امرأة عربية واحدة، بعد، الى رئاسة دولة من دولنا.
سنة 1999، وفيما كنا في جامعة ميريلاند نعقد "المؤتمر الأول للدراسات الجبرانية"، وسلمى ضيفة المؤتمر حضوراً ومشاركةً في الندوات، قال لي عميد إحدى كليات الجامعة: "لهذه السيدة قيَمٌ وفضائلُ يحتاجها القادة والحكّام".
والإرث الذي تركته لنا سلمى الحفار الكزبري يفترض بنا أن نكمل به رسالتها ونقتدي بِمُثُلها العالية، ومثالية مشاركتها المديدة زوجها السفير، مكوّنة معه ثنائياً مثالياً في الزواج والأبوة والأمومة تصح فيه مقولة: "لا تصُحّ مودّةٌ بين اثنين حتى يقول أحدهما للآخَر: يا أنا".
فإلى السفير الصديق نادر بك الكزبري وأفراد العائلة تعازيّ القلبية المضفورة بوعد أن نحفظ في ضميرنا من ملأت دنيانا نورَ محبة وضياء عمل مواظب رصين، ونبلاً أثيلاً سامياً، فلا أقلَّ من أن نخلّد ذكرها في قلوبنا، ونخلّد ذكراها في كلماتنا والكتابات.

خاص بـ"النهار"

جامعة ميريلاند – الولايات المتحدة الأميركية

* الدكتور سهيل بشروئي مؤسس "منبر جبران" في "مركز أبحاث التراث" (جامعة ميريلاند)، ومؤسس الاتحاد العالمي للدراسات الجبرانية في الجامعة نفسها. وكان سنة 1979 أصدر، اشتراكاً مع سلمى الحفار الكزبري، كتاب "الشعلة الزرقاء" - رسائل الحب بين جبران خليل جبران ومي زيادة"، ثم تتالت طبعات الكتاب وصدرت له ترجمات كثيرة الى الفرنسية والإنكليزية والإيطالية والإسبانية والألمانية والصينية والهندية.