لا شيء لا أحد" .. لفاروق يوسف – تربية الجَمال
في "لا شيء لا أحد، يوميات في الشمال الاوروبي"، الصادر لدى "المؤسسة العربية للدراسات والنشر"، يلجأ الشاعر والباحث الجمالي العراقي فاروق يوسف الى كتابة يتقاطع فيها السردي مع الشعري، والشخصي مع العام، والوصفي مع الانطباعي، والتسجيلي مع التخييلي، في وحدة أسلوبية تحكمها عناصر على شيء من التنافر الظاهر. تنافر مقصود، يشي به قبل اي شيء غياب خصوصية المكان في معناها الوصفي التقليدي، لمصلحة خصوصية شعورية توحي للوهلة الاولى انها مستقلة عن المكان وتحيا خارجه، بحيث قد يبدو النص انه لا يفي دوماً بالنوع الادبي الذي يقدّم نفسه تحت لوائه، اي اليوميات، وبالمميزات التي تسم عادة هذا النوع من الكتابة الشخصية ذات الملامح الاستعادية. الا ان نظرة متأنية تُظهر علاقة اكثر تعقيداً مع الذات والمكان على السواء يقيمها شخص "يرى الاشياء من جهة تحولاته لا من جهة ثباتها".
فالمكان هنا بعناصره كافة، يكاد لا يكون اكثر من ذريعة لتنقيب جواني لا يني يفتش عن مسوّغات وجودية لحياة يتهددها موتٌ مفترَض. فهذا الشاعر العراقي الذي اختار المنفى الاسوجي، إذ يبدو انه يسعى الى التصالح مع المكان الجديد فإنه أشدّ سعياً الى التصالح مع ذات غير مؤكدة.
"لقد نجوت"، يقول في الصفحات الاولى بنبرة من يريد ان يؤكد لنفسه، قبل تأكيده لأيّ شخص آخر، هذه الحقيقة التي سيسعى على طول الكتاب الى ترسيخها. هكذا ايضاً تندرج محاولاته لفهم هذا المكان وتبنيه، من خلال العبور الى أبعاده الجمالية الاكثر تعقيداً، وهي محاولات ستعود لتصب في فهم الذات واعادة تبنّيها. والنتيجة: نص داخلي بأدوات خارجية، يضبط غنائيته الشعرية منطقٌ نقدي مرن يسائل الجمال في مظاهره المختلفة.
ينبني الكتاب الفائز بـ"جائزة ابن بطوطة لكتابة اليوميات" في دورتها الاولى (2006)، والصادر حديثاً لدى "دار السويدي" و"المؤسسة العربية للدراسات والنشر"، على مواجهة بين عالمين وثقافتين. مواجهة قائمة في الأساس على "الصدمة الجمالية" التي يعيشها "الغريب القادم من ثقافة صحراوية" مع الطبيعة الأسوجية، والتي تنتج منها خلخلة كاملة لمنظومة المفاهيم الجمالية والأخلاقية. يصير من المحتّم آذذاك "ان يتحرر المرء من أحكام حواسه المسبقة" ومن مسلّمات فكرية ظلت حتى اللحظة نقاط الاستدلال الوحيدة الى الذات والعالم المحيط: "لكي تكتسب ودّ الطبيعة على سبيل المثال، عليك ان تنضم اليها، تغيب فيها، تصبح ورقة في مؤلفها. يتطلّب الامر قدراً كبيراً من النسيان. أعتقد ان النسيان كفيل محو كل ما اكتسبناه عبر الزمن من عادات سيئة".
في الوقت نفسه، وفي توجّه موازٍ، تبرز الحاجة الى البحث في الاختبارات المعيشة بما يُعين هذا الغريب على "التعرّف" الى ما هو في مواجهته. "تعرّف" بالمعنى التكنولوجي للكلمة: أليس الانسان في شكل من الاشكال نوعاً من الكومبيوتر الذي يحتاج الى ان يكون ملقّماً ببرنامج خاص لكي يتمكن من قراءة وثيقة معينة؟.
هنا، هما الفن والدين، المرجعان الأساسيان في عملية التعرّف والاستدلال هذه، يحلاّن في معنييهما الشخصي والميتولوجي وليس الايديولوجي. تصير التساؤلات الاولى أمام الطبيعة الأسوجية المكتَشفة مستندة الى ذكرى جنّات موعودة. وهي اسئلة تراوح بين الاوّلي: "هل يقترح الله نماذج أرضية لجنّته السموية؟"، والأكثر ابتكاراً: "مطرود من الحياة الى الطبيعة بعكس آدم الذي طُرد من الطبيعة الى الحياة. بهذه المعادلة هل اكون العائد الى الجنة؟"، وصولاً الى التعامل مع الطبيعة ككيان مطلق لا يقبل التجزئة، ككلٍّ يبدأ "من اصغر ذرة رمل على الشاطئ الى الله". هذه الطبيعة التي يناجيها سعياً لالتقاط لحظة جمال زائلة، ستنعكس على صورة الله نفسه، ليصير "واقعة لم تقع بعد. واقعة تعرف كيف تتمكن من الافلات بمكر من مصيدة تشكّلها النهائي".
الا ان الشاعر والناقد الفني الذي لطالما تعامل مع الجمال في صوره وتمظهراته الفنية، يواجه هنا فضاءً جمالياً من طبيعة اخرى، مفتوحاً على "بلاغة مضادة". وكما أعادت الأعمال الدادائية "تربيته جمالياً"، فإن الطبيعة الأسوجية ككيان خام يعيش حياته "بعيداً عن أية صفة خدمية"، سترغمه على إعادة النظر في مسلّماته الجمالية والفنية وحتى الأخلاقية: "ميكانيك الفضيلة كما نعرفه اخلاقياً لا يعمل هنا، فللطبيعة قوة جذب تعطّل الكثير من البوصلات الموجّهة". وهي عملية تعطيل تبلغ احياناً حدود القطيعة التامة التي تحمله على القول: "لا يمكن ان يحقق الانسان صلحاً مع الطبيعة من طريق الفن". او حتى: "هذا المكان يُغني عن الرسم والكتابة والموسيقى معاً". لذا عندما نعود ونقرأ في مكان آخر جملة من نوع: "ولأنني اثق بالرسم اكثر مما أثق بالواقع..."، تبدو كما لو انها تنتمي الى زمن ما قبل المنفى الأسوجي. ذلك الزمن المحكوم بضجيج ثقافة القبح كما يصفه، زمن البلاد التي "اثقلتها الحروب بالمتواليات: حنو الكارثة المقبلة يقلّل من الاحساس بكثافة الكارثة المقيمة. هكذا يبدو الاستسلام للقبح أمراً لا مفر منه".
اذا كانت مفردات الطبيعة دليلاً الى الذات، فإنها كذلك دليل الى الآخر، الى الانسان الأسوجي بطبائعه وسلوكياته وأساليب عيشه. عند هذا المستوى، يلعب الكاتب دور الانتروبولوجي من دون ان يتخلى عن ذاتية نظرته ونزوعها لرصد الجمال في بعده الاستيتيكي غير الكلاسيكي. ذلك انها نظرة لا تبحث عن النافل والغريب بقدر سعيها الى إضفائهما على الألفة الظاهرة للمشاهد والسلوكيات والعادات، في عملية اسقاط الغربة الداخلية على العالم المحيط. من الطبيعة بفصولها المتعاقبة وتحولاتها ومعجزاتها الصغيرة، الى تفاصيل الحياة اليومية: الصيد، الاجازة السنوية، الكسب المادي، الدين، المسافرون في القطارات. ايضاً: نوافذ المنازل، ونظام اللغة والتوقفات بين الجملة والاخرى التي هي "لحظة لغوية ايضاً". غياب الأنوثة في معناها الشرقي و"انحراف" الرجل "عن مساره العاطفي" وسواها. هذه كلها وان غلب على بعضها شيء من العمومية والتعميم، فإنها تعوّض عن ذلك بالبُعد الجمالي لطريقة مقاربتها، حيث تعمد العين الى تأويل كل ما تقع عليه لتدخله في حيّز الشخصي والحميم.
بدءاً من النصف الثاني من الكتاب يتراجع هذا المنحى لمصلحة ميل أكبر الى الشعر. وتحضر تيمات معينة في شكل أكثر تواتراً، على غرار الموت والحب والوحدة والحرب والوطن المفقود. وهي تيمات نراها تعالج في صور متوقعة في كثير من الأحيان كما يشير الى ذلك بيان الجائزة نفسه، ويغيب عن الجزء الأكبر منها عنصر الإدهاش اللازم. الا ان التيمة الأكثر تعقيداً هنا هي الوحدة، وافتقاد "الشراكة الإنسانية"، حيث لا يعود في إمكان المرء التأكد من شيء، "يحلق بأفعاله من غير ان يعثر على وسيلة لقياس أثرها. فلا يمكنه والحالة هذه ان يتمتع بفضائله، ان يعجب برقته، ان يستعرض عاطفته، ان يمعن في حنوه، ان ينكر قسوته، ان يسرف في تطرفه، ان يعلن عصيانه، ان يفاجئ بفكاهته، ان يسبغ على الاشياء لياقته"، يقول الكاتب، ثم يضيف: "حتى حريتي لا يمكنني التحقق منها". ذلك ان الحياة التي كان سبق ووصفها بالمنفى الإيجابي هي منفى أولاً وأخيراً، حياة أشبه بوقت معلّق كـ"فأس الحطّاب متكئة على جذع شجرة ستقطعه غداً ".