نزيلة عاقلة في عصفورية النساء
إمبراطورية المجانين الديمقراطية العليا
تجارب قصصية ميدانية
خطيب بدلة
لازمات
ملاحظة 1:
إن المجانين الذين يُحْـتَجَزون في مشفى الأمراض العقلية أقل بكثير من المجانين الطلقاء. ولعله من المدهش حقاً أن المجانين الطلقاء يتسنمون مناصب مهمة في البلاد، وتوضع في أيديهم مصائر البشر الأسوياء!!
ملاحظة 2:
نُشرت هذه التجارب القصصية على امتداد الأعوام من 2001 و 2005، في مجلة " الشهر "، وصحيفـة " النور "، وعلى بعض المواقع الإلكترونية.
نزيلة عاقلة في عصفورية النساء
في عصر أحد الأيام، وبينما كنا نحن نزلاء العصفورية المتحدة نمارس حقنا الطبيعي في استنشاق الهواء النقي في الباحة العصفورية، إذ مرق بجوارنا أحد المجانين، بسرعة البرق، وكأنه ابن مسؤول عاقل مدلل يمتطي سيارة أبيه الفارهة، ويسير بها مسرعاً، مُشَفِّـطاً، مُعتبراً الناسَ ذبابات مِن حق أي ثور أن يهشهن بذَنَبه.. فأوقع في طريقه ثلاثة من الزملاء على الأرض، وتعرضت وجوهُهم وأكواعهم وركبهم لجروح بليغة، وأحدهم قُلعت عينه! وهرعنا جميعاً لنلحق بالمجنون المُشَفِّـط، وإذا به يقتحم مدخل جناح عصفورية النساء، يريد أن يدخل من دون إحم أو دستور، فاعترضه الحراسُ هناك، وضربوه بأعقاب البنادق، مُحدثين في جبينه عدة كدمات زرقاء، فتراجع إلى الخلف، وتراجعنا نحن وراءه، فما كان منه إلا أن تسلق السور المتداعي الذي يفصل بين العصفوريتين، الرجالية والنسائية، فتسلقنا وراءه، وأخذنا نصعد قليلاً، فنتعثر ونسقط، فنعيد الكرة، حتى أصبحنا أخيراً فوق السور، وبضمننا الزميلُ المسكين الذي قُلعت عينه قبل قليل.
قال الزميل المشفط الشبيه بابن المسؤول العاقل:
-هس. احبسوا أنفاسكم، وخبئوا أجسامكم، وتمترسوا بحيث ترون ما يجري أمامكم، ولا يراكم أحد. وقسماً بالله من يفتح فمه بحرف لأدحرجنه إلى الأسفل دون شفقة.
امتثلنا لأوامره، وشرعنا نختلس النظر إلى الأسفل، فرأينا ثلاثة من المشرفات العجائز يصطحبن امرأة تقاربهن في السن، ويخرجن بها من جناح النساء، بينما تعالت أصوات الزميلات المجنونات المتداخلة:
-خذوها.. لا نريد عاقلات بيننا.. ماذا يعني؟.. تريدون تضحكوا علينا؟.. والله عال.. ما كان ينقصنا إلا أن يلحقنا العقلاء إلى هنا!
جلست المشرفات الثلاث مع النزيلة المشتبه بها على أنها عاقلة على كرسي خشبي في الباحة، وقالت إحداهن لها: ما قصتك أنت؟
قالت النزيلة:
المجنونات اللواتي في الداخل يمتلكن الحق كله فيما ذهبن إليه. فأنا لست مجنونة، ولا أعاني أي نوع من التشوش أو (الخَضَّة) أو الجنون. كل ما في الأمر أن زوجي مات، ولدي شاب اسمه طيفور، فشل في الدراسة، وكبر وشب، وأصبح طوله يقارب المترين، وهو يعيش من دون عمل أو دخل. أخذته من يده وشرعت أدور به على أصحاب المهن الحرة. قلت في نفسي (أعلمه حرفة يعيش منها وتستره من غوائل الدهر). اصطحبته إلى منجد اللحف وطلبت منه أن يشغله عنده، فسألني: (ما عيبُه؟) فقلت له: والله يا أخي لا عيب له، سوى أنه غشيم، وعقله غير قادر على الاستيعاب بسرعة. رفض تشغيله قائلاً لي إنه لا يحتاج إلى صانع غبي. أخذته إلى النجار، فاستحلفني بالله أن أقول له الحقيقة، ففعلت. قلت له إنه غبي ولا يعرف الفارق ما بين (طه) و(أنطاكه)! اعتذر عن تشغيله لديه قائلاً لي: (لا أستطيع أن أشغله عندي يا أختي، فأنا ذكي، وهو غبي، ومؤكد أننا لن نتفق)! أخيراً اضطررت للكذب، قائلة في نفسي إنها كذبة بيضاء ولا شك في أن الله سيسامحني عليها. اخذته إلى الحداد وقلت له إن ابني طيفور شعلة من الذكاء ويلتقط الفكرة وهي طائرة في السماء، وفي كثير من الأحيان يعاني من الصداع من فرط الذكاء. هل تعرفن بماذا أجابني الحداد؟ قال لي: آسف يا أختي، ابنك ذكي جداً، وأنا غبي جداً، ومؤكد أننا لن نتفـق! المهم يا أخواتي العزيزات، أخذته إلى رجل من قريتنا يعمل في السياسة. قلت له أرجوك تدبر له عملاً يعيش منه. وافق الرجل، وأخذه معه. وغاب الولد عن عيني شهوراً. بعدها ما أرى غلا ابني طيفور يركب سيارة الحكومة الشبح، ويرتدي أجمل الثياب، ويدخن الغليون، ويضع على عينيه نظارتين سوداوين، وينظر إلى الناس من نافذة السيارة وكأنهم ذبابات من حق أي ثور أن يهشهن بذنبه. على إثر ذلك شعرت وكأن عقلي موشك على الانفجار وتقدمت بطلب لدخول العصفورية عسى أن افهم وأنا هنا ما يجري في الخارج، وأستوعب كيف سيكون حال البشر الذين يتولى أمورهم ومصالحهم واحد غبي كابني طيفور!
* ** *** ** *
صدر للمؤلف
§حكى لي الأخرس 1987
§عودة قاسم ناصيف الحق 1989
§الساخرون- (نماذج من القصة الساخرة في سورية- إعداد) 1990
§امرأة تكسر الظهر 1994
§وقت لطلاق الزوجة 1998
§حادث مرور 2002
§التداوي بالأدب 2006
كتاب عن المؤلف: تجارب جديدة في القصة السورية- (عالم خطيب بدلة السردي)، تأليف محمد محي الدين مينو 2005.
رابط إلى المجموعة الكاملة