في رثاء يسوع المسيح (5)
موقف من العالم..
(1)
Aruru listened and heard and then created out of earth clay and divine spittle the double, The stormy-hearted other, Enkidu.
(Gilgamesh, by: David Ferry, Tablet:1: ii)
كل هذا الكلام وما يدور حوله من معرفة وماهية، يتمحور حول نقطتين: المادة والحواس. فلولا المادة، ما كان شيء مما يوجد، ولولا الحواس، ما كانت ثمة معرفة وادراك للمظاهر والاشكال والماهيات والجوهر.
فكيف توجد بغير مادة، وكيف تعقل بغير حسّ؟!.
انطلاقا من منظومات الحواس، ونظريات المعرفة، صدرت وتصدر كل معارفنا وطروحاتنا حول الوجود والحياة والماقبل والمابعد. والحواس بجملتها كائنة في المادة الجسدية، وهي لا تتحسّس غير الماديات الفيزيائية في أساسها. وبقدر ثقتنا بحواسنا، وحواس السابقين، يمكننا التعويل على معارفنا وخلاصاتنا المعرفية. ولكن..
من أين جاءت المادة؟؟.. يتساءل العقل العلمي!.
من أين جاءت المعرفة؟؟.. يتساءل الفكر الديني!..
ولكي لا نختلف، أو نسمح للجدل البيزنطي إعاقتنا، أسأل: أين نضع يسوع المسيح؟..
هل تضعه في خانة الدين؟.. أم تضعه في خانة العقل والفلسفة؟..
وضع يسوع الكلمة في خانة الدين، ودرج نسبه في أنساب الآباء والأنبياء، ينطوي على غبن وخبث... فهو أعظم وأقدم من أولئك كلهم، كما تقر الاناجيل، وانما هو خالق وصانع كل تلك وأولئك، وهو أصل كل شيء، الالف والبداية/ اللوغوس.
ولأن الخلق والابداع صفة للعقل، فيسوع الكلمة لا بد أن يكون مع العقل وللعقل وبه، وبالعقل كان ويكون الحوار. واللوغوس هو العقل أيضا. والعقل هو أصل المعارف وسحب الأفكار.
العقل يعتمد البحث والتجربة ولا يتوقف عند مسلمات أو حدود.
الدين يعتمد التخمين والتنجيم ويحوله الى يقين وتلقين.
العلم هو طريق الباحثين والمتفكرين والعقلاء، وهذا هو الطريق الضيق!
والدين يعتمد اليقينيات والتبعية والقناعات الجاهزة التي لا تحتاج إلى عقل، فهو يحظى بالأغلبية وهو طريق الجهلاء والمقلدين.
الديانات هي المنشغلة بالصراعات والمنافسات والمناكفات الأرضية وماراثون الانجاب وسلطان الهيمنة، والترويج لشعارات حظر الاجهاض و(اني مكاثر بكم الأمم) و(حزب الله هم الغالبون).
أما المستنيرون الباحثون وطلبة العقل والفلسفة وحفريات الفكر، فهم نخب أقلوية، والصفوة النادرة لكل زمن وأمة، هؤلاء حملة المشاعل، وملح الأمم.
لذلك يوجد سقراط واحد وافلاطون واحد واديسون واحد وكانت واحد ودارون واحد وديكارت واحد وانشتاين واحد.. ولكن يوجد آلاف الأنبياء وملايين رجال الدين والكهنة والسماسرة وحراس الهيكل..
العلماء والفلاسفة هم الذين وضعوا قواعد اللغة والرياضيات ونظريات الهندسة والفيزياء وأسس العمران وبناء المدن وتعبيد الشوارع واكتشفوا البخار والكهرباء والانترنت واخترعوا الثياب ونظم الطهي ووسائل المواصلات ومستلزمات التعليم والصحة والعناية بالإنسان والحياة والطبيعة..
أما الحروب والصراعات والاجتهاد في اشعال الفتن والغزوات والبحث عن الغنائم والقتل والتدمير، فتتم تحت شعارات دينية. فهل الله يأمر بالقتل والتدمير والفساد والاغتصاب وسفك الدم، وإذا كان الله ساديا دمويا فهل هو عاجز عن العمل، ليوكل أوامره لطائفة من الجهال والمهووسين؟؛ أم خلق الوجود للعناية به وتطويره والارتقاء بالحياة والمعاملات الحيوانية إلى مراتب السمو والنبل وحياة الحكمة والفضيلة!.
حيثما وجد العقل والفلسفة، سادت الفضيلة والمدنية والرقي والعمران كما في أيام سومر واليونان والرومان والمدنية الاوربية الحديثة؛ وحيثما ساد الدين شاع التحلل والفساد والكذب والرياء ومظاهر الانحطاط وانعدم الامن والاستقرار، كما هو الحال في يومنا هذا!.
خففوا الوطء، ما أظن أديم الأرض إلا من هذه الأجسادِ! (الشاعر الفيلسوف أبو العلاء المعري [973- 1057م])
وهذا هو ملح الكلام!.
(2)
"ليس أحد صعد الى السماء، إلا الذي نزل من السماء!"- (يو 3: 13)
خصوصية يسوع المسيح في كونه بمثل اللاهوت والناسوت معا، يأخذ الحديث إلى مسألتين اشكاليتين من القدم، هما نشأة الكون، وخليقة الإنسان/ الحياة. ولكن القبلهما هو (أصل المادة)، وأولوية المادة أو الطاقة في الكون.
تعرض الديالكتيك – مليا- إلى مسألة أولوية المادة على الطاقة، وردّ المعارضون بأولوية الطاقة على المادة. علما ان الاغريق لم يخوضوا فيما يتجاوز التجربة والحواس، ولا يعترفون بالتخمين والاستيهام/(الوحي)، وكل ما يتجاوز المادة والكون، اصطلحوا عليه بـ(الميتافيزيكا)-[metaphysic].
ويلحظ التناظر الشديد بين لفظتي [ميتا/ ميث]- (myth). وإزاء تعفف الفلاسفة واهل العلم عن طرق الماورائيات، تبارز رجال الدين وشحذوا مخيالهم الشعبي، لادعاء القرابة مع صاحب الكون.
لكن ثمة شبه اجماع ميثولوجي عالمي قديم – ربما نتج من مصدر واحد- حول خروج المادة من الطاقة. ولأن الطقة غير مرئية وبلا شكل، وصفت بالعدم. وفي الميثولوجيا الاغريقية [Ex- Nihilos] أي (الخلق من عدم)= [creation out of Nothing].
استخدم الفكر الديني لفظة (روح) للتعبير عن القوة المُحيية، أو الطاقة المغيرة والمحركة/ الحياة. أما يسوع المسيح فقد رمز إليها بصفة (الأب)/ الأب السماوي. ولأن الروح ليست لها خصائص فيزياوية، وهي الفارق بين الجماد والحياة؛ يمكن الاستدلال على الروح بوصفها (الطاقة) في لغة الفيزياء. والطاقة قابلة للتحول والتصور. كما ان المادة عند احتراقها أو تحللها تتحول إلى طاقة.
وقد ذكر يسوع المسيح ان "الله هو روح"- (يو 4: 24)، وعليه فأن اللاهوت، هو في جوهره (روح)، مقابل كون الناسوت، هو (مادة). وقد صدرت المادة الكونية من الروح، كما أن المطلق الروحي/ اللامادي دخل في المادي المحدد/ (في 2: 7):" أخلى نفسه متخذا صورة عبد، صائرا شبيها بالبشر!".
العالم الجليلي المتصوف اسحق لوريا [1534- 1572م] يشرح كيفية انبثاق شعاع من النور الأقدس، وتحوله إلى مادة أنتجت الكون الفيزيائي، عبر عمليات ومراحل من التبلور والتطور. وفي عام (1964م) اكتشف العلم الحديث الخلفية الاشعاعية للكون، ووجد ان طيفها يتطابق مع الاشعاع الصادر من الثقوب السوداء منذ القدم.
ويمكن القول ان نظرية (الانفجار العظيم)/ [1927م- البلجيكي جورج لومتر]، تمثل القاسم المشترك بين المستويات الروحية والمادية لتفسير نشأة الكون والخليقة. ومهما يكن من أمر، فأن المغزى الاخلاقي المتعلق بعوارض المادة ودوام تقلباتها، في كل المناظير أدنى من الروح، وأدنى للتحلل والفساد والصدأ، ومطية للسوء.
ليس من فراغ، وبلا سبب، تلك النظرة الدونية للمادي والجسدي، والتي تكاد تكون موضع اتفاق أغلبية الثقافات، وملتقى الفلسفة والدين في مركز(التصوف). بل ان اتفاق كثير من العقائد والثقافات الشعبية على أمر، يؤكد عدم علاقته بتلك العقائد، قدر تعلقها جميعا بأصل واحد وفكر اجتماعي متوارث منذ القدم.
يسوع المسيح لم يتحدث عن نشأة الكون والخليقة، لم يتحدث عن شيء حصل في الماضي، وانما عنى بالمسقبل، بما سيأتي، وفرصة البشر في التغيير والخلاص، والاستمتاع بالحياة وفق مستوى سامٍ ونبيل.
"توبوا فقد اقترب ملكوت السموات!"-(متى 3: 2، مر 1: 15).
والملكوت: كناية عن حياة الفضيلة والسمو الروحي عن نزعات الجسد ومتطلبات العالم. الحياة الروحية في الملكوت، ليست في السماء، أو حياة الآخرة، كما سوّلت النفس البشرية للبعض، وانما هي هنا على الأرض.
هناك نوعان من طلبة المدارس، أو التفكير الاجتماعي، احدهما يعيش مجتهدا مخلصا في حياته اليومية ومتابعة دروسه، كأنه في كل يوم يواجه امتحانا؛ والآخر، يعيش أيامه في لهو وتسكع وتسيب، وعندما يحين وقت الامتحان، يبدأ في مراجعة دروسه والتهيؤ للامتحان، وربما يميل لسبل الحيلة والغش.
الطالب الأول/ المجتهد لا يخشى الامتحان، ويحب المدرسة، والآخر الكسول، يكره الامتحان ويلعن المدرسة، ويحضر للامتحان من أجل الوظيفة، أو خوفا من العقوبة.
وهو ما ينطبق على الشخص المستنير الفاضل عادة، والسالك دائما في سمو وفضيلة، لأنه هكذا هي جبلته وطبيعته، لا يتباهى بالتدين ويتظاهر بممارسة الفروض [الموعظة على الجبل متى 5، 6، 7].
اما العوام، المستغرقون في أسر الجسد وتبعية العالم، فلا يتورعون عن شيء، ولا يرتدعون أمام أمر، مبررين أفعالهم وأقوالهم بالجهل والضعف، وفي مواسم التدين يتسابقون للطقوس ويتصدرون المشهد الاجتماعي، ديدنهم ارضاء الناس، وليس ارضاء ضمائرهم أو الله.
التدين قد يكون موسميا، ولكن الاخلاق والقيم ليست موسمية ولا نسبية بحسب الزمان والمكان والمرحلة العمرية. والاصل في الدين هو الاخلاق، والأصل في الاخلاق هو الفضيلة، والاصل في الفضيلة، هو ترقّي الإنسان عن مرتبة الحيوان.
هؤلاء ينتظرون [last minute redemtion]، اسوة بالذين يحصلون على تذاكر اللحظة الاخيرة باعتبارها أرخص، وربما مجانا. ولا أحسب فذلكات العالم الأرضي تصلح في العالم الروحي.
هذه الفكرة تحضر في وعد المجئ الثاني أو الثالث للسيد المسيح، في رؤيا يوحنا بن زبدي، وذلك ليحضر أسباط بني اسرائيل الاثني عشر في المسيح، اولئك الذين انكروه في البدء. ولابد ان بين الشيوخ الأربعة والعشرين في (رؤيا 4: 4)، اثناعشر منهم يمثلون اليهود الذين لا يفقدون امتيازهم الابراهيمي حتى الأزل.
من أجل هاته الحيثية كانت فكرة الصليب. انه عربون مصالحة السماء مع الأرض بوساطة يسوع الكلمة. والصليب هو جسر العبور [tabernacle] منعبودية الجسد إلى الحرية الكاملة في الروح. الصليب هو شهادة الميلاد الجديدة من (آدم الثاني/ الروحي) والتحرر من تبعية آدم الأول الترابي).
رسالة يسوع الكلمة هي بكلمة واحدة (سمو) الإنسان في سلوكه وفكره ومشاعره. (سمو) من – سماء، يتسامى، يسمو-، عكس الانحطاط والابتذال. ذلك كان اشتياق الإنسان على مدى الزمن، وهو مبرر الحكمة والفضيلة والجهد الفكري والفلسفي للارتقاء الفكري والنفسي والروحي. وهذا ما جاء من أجله يسوع الناصري، بغير محاباة أو فخر.
(3)
"وَإِنَّمَا أَقُولُ: اسْلُكُوا بِالرُّوحِ فَلاَ تُكَمِّلُوا شَهْوَةَ الْجَسَدِ."- (غل 5: 16)
توجد إشارة واضحة تصف نمط حياة المعمدان: "وكان يوحنا يلبس ثوبا من وبر الجمال، ويشد وسطه بحزام من جلد، ويقتات الجراد والعسل البري"- (متى 3: 4). وكان المعمدان من جماعة الشفائيين/ الأسينيين الزهدية المتصوفة، التي تم العثور على آثارها في وادي قمران عام (1956م). ورغم كونه ابن خالة يسوع ويكبره بستة أشهر، لكنه لا ذكر لوجود صلة اجتماعية أو صوفية بينهما.
الواضح من سير الأناجيل ان الاثنين لم تكن لهما حياة اجتماعية تقليدية، ولم يكن لأي منهما بيت أو عائلة أو زوجة أو علاقات اجتماعية. انما كان لكل منهما تلاميذ وأتباع. وقد انتهت حياتهما بالاعدام في وقت متلاحق على يدي الحاكمين الرومانيين هيرودس الأدومي وبيلاطس البنطي.
انتهج يوحنا خطابا زهديا واضحا في تعليمه للجموع: "اثمروا ثمارا تليق بالتوبة. ولا تبتدئوا تقولون لنا ابراهيم ابا، لأن الله قادر ان يطلع من هذه الحجارة أولادا لابراهيم. وها ان الفأس ايضا قد وضعت على أصل الشجر/(الشريعة)، فكل شجرة لا تثمر ثمرا جيدا تقطع وتطرح في النار.
وسألته الجموع، فماذا نفعل الآن؟.. فأجابهم: من كان عنده ثوبان، فليعط احدهما من لا ثوب له!، ومن كان عنده طعام، فليعمل كذلك أيضا. وجاءه جباة ضرائب ليتعمدوا ايضا، فسألوه: يا معلم، ماذا نفعل؟.. فقال لهم: لا تجبوا اكثر مما فرض لكم. وسأله ايضا بعض الجنود: ونحن ماذا نفعل؟.. فأجابهم: لا تظلموا احدا، ولا تشتكوا كذبا على أحد، واقنعوا بأجوركم."- (لو 3: 8- 15).
لعل وصايا المعمدان هذه تمس –اليوم- المختارين في مجتمعات الشرق الأوسط المستغرقة في ماراثون المال والفساد والرشوة والقتل، حكاما ومحكومين! ناهيك ان هؤلاء المفسدين هم من القطيع الديني، محتمين بالسلطات والمآفيات الدينية، من جهة، ومتقاسمين معها ريع الدم والغنائم!.
قد لا نقرأ خطابا واضحا ليسوع المسيح حول المادة والجسد، ولكن حياته تتضمن التعليم الصريح والمفترض اتباعه أسوة حسنة من قبل أتباعه. كان يقضي نهاره ماشيا على قدميه (يجول ويعمل خيرا)، وفي الليل يأوي إلى مغارة في سفح جبل الزيتون، ويصحو باكرا.
لم يمارس عملا تجاريا، ولم يمسك بيده مالا، وثمة شواهد كثيرة بهذا الصدد في حياته، اثنان منها في الموعظة على الجبل: "لا يمكن لأحد أن يكون عبدا لسيدين، لأنه اما ان يبغض احدهما، فيحب الاخر؛ واما ان يلزم احدهما فيهجر الاخر. لا يمكنكم ان تكونوا عبيدا لله والمال معا":- (متى6: 24).
"لذلك اقول لكم: لا تهتموا لمعيشتكم بشأن ما تأكلون وما تشربون، ولا لأجسادكم بشأن ما تكتسون. أليست الحياة أكثر من مجرد طعام، والجسد أكثر من مجرد كساء؟. تأملوا طيور السماء، انها لا تزرع ولا تحصد، ولا تجمع في مخازن، ولكن اباكم السماوي يعولها!. أفلستم أنتم افضل منها كثيرا.
(..) تأملوا زنابق الحقل كيف تنمو، انها لا تتعب ولا تغزل، ولكني اقول لكم، انه حتى سليمان في قمة مجده لم يكتس ما يعادل واحدة منها بهاء!. فاذا كان الله هكذا يكسو الاعشاب البرية، أفلستم أنتم أحرى جدا بأن يكسوكم؟ فلا تحملوا الهم قائلين: ماذا عسانا نأكل، أو ماذا عسانا نشرب؟.. أو ما عسانا نكتسي؟.. فهذه الحاجات كلها تسعى اليها الامم، وابوكم السماوي يعلم حاجتكم الى هذه كلها!"- (متى 6: 25- 32- بتصرف).
"ولما وصلوا الى كفر ناحوم، جاء جباة ضريبة الدرهمين للهيكل، الى بطرس وقالوا: ألا يؤدي معلمكم الدرهمين؟.. فقال بطرس: بلى. (..) فقال له يسوع:.. اذهب الى البحيرة والق سنارة الصيد، وامسك السمكة التي تطلع اولا، ثم افتح فمها تجد قطعة نقد بقيمة اربعة دراهم، خذها وأدّ الضريبة عني وعنك!"- (متى 17: 24، 27).
وعندما سأله الشاب الغني عما ينبغي له ان يفعل ليتبعه، قال له يسوع: "ان اردت ان تكون كاملا، فاذهب وبع كل مالك ووزع على الفقراء، فيكون لك كنز في السموات، وتعال اتبعني!"- (متى 19: 21).
واقع الحال ان المسيحية الاولى ولدت وترعرعت في ظروف اضطهاد وارهاب صعبة، لم تتح لأتباعها فرصة الحياة العادية، او الاهتمام ببناء نظام اقتصادي وسياسي خاص بهم، اسوة باليهود عبر الزمن.
في نفس الوقت، عرف الاغريق مدارس واتجاهات عدة في مجال الزهد وحياة الفضيلة من منظور عقلي فلسفي، اكثر من الديني. ومن تلك الجماعات: الفيثاغوريون (القرن السادس ق. م.) والكلبيون (القرن الرابع ق. م.) والرواقيون (القرن الثالث ق. م.)، قبل المسيحية.
وبرد في تاريخ الاناجيل ان كتابة يوحنا بن زبدي لانجيله ورسائله الرعوية كانت للرد على تأثيرات جماعة الابيقوريين التي انتشرت في بلاد اليونان والشرق الأوسط يومئذ.
دعيت الابيقورية نسبة لمؤسسها ابيقور [341- 370 ق. م.] والذي جعل اللذة هدف الفلسفة، ورغم ان مفهوم ابيقور للذة ينبع من اللذة العقلية والتأمل الفلسفي، فقد انحرفت عن سياقها عند العامة، للذة الحسية المجردة أو الشهوانية المعلنة.
وتجمع الابيقورية بين الخطاب الديني والسياسي، بعدما تحللت من علياء فلسفة العقل، إلى دونيات اللذائذ الأرضية، واعتبرتها معنى الحياة. ويشكل الموت الجامع المشترك بين الموت والدين لدى الأبيقوريين، بوصفه أمرا عصيا على الفهم أو القياس. فالانغماس في الجسديات والماديات هو هروب من الخوف وسوط التفكير والشعور بما ينتظر الإنسان.
يمكن القول، ان الابيقورية التي سادت حوالي سبعة قرون قبل وبعد الميلاد، تعود اليوم بقوة في الشرق الأوسط، وتشكل الطابع والهدف العام لأجيال السياسيين والناشئة الطالعين [غائية المال والجنس؛ مقفابل الغاء العقل والعاطفة].
في مواجهة الضغوط والتحديات اليهودية والدنيوية، حاولت المسيحية ورجالها الأوائل، ان تتدعم بالتيارات الفلسفية والفكرية الأكثر اتفاقا مع مبادئها، مثل الرواقية، وفلسفة الاسكندرية ومبدأ ازدراء العالم.
(4)
(Contemptus mund)
"ان ابغضكم العالم، فاعلموا انه قد ابغضني من قبلكم. لو كنتم من اهل العالم، لكان العالم يحب اهله. ولكنكم لستم من أهل العالم، لذلك اخترتكم من وسط العالم، فأبغضكم العالم. "- (يو 15: 18- 19).
تطورت الفلسفة الاغريقية من الاهتمام بالكونيات والذريات والحكمة الكونية [Theosophia] إلى الاهتمام بالطبيعيات والعوامل المتحكمة، أو الاكثر تأثيرا في الطبائع البشرية والحيوانية وميولها، لما يمكن وصفه بالفضيلة والاخلاق ثم الاخلاق العملية.
لقد اعتقدت الفلسفة الاغريقية – وربما قدماء البشر من قبلهم- بوجود (سر أعظم) أو (وصفة سحرية) في صورة (مبدأ فاضل) أو (نظام تقوي) يكون في متناول كل شخص، ليحيا بموجبه حياة فاضلة تقوده الى بناء مجتمع فضيلة خال من الألم والرذيلة.
يختلف الإنسان عن النبات، وهو أكثر تعقيدا من الحيوان. وهو بدوره، رغم تفوقه على سواه في الطبيعة، يبقى أسير عاملين: احدهما الغريزة – حاجات الجسد الطبيعية-، والرغبة أو المزاج – الناتج النفسي أو ما يدعى بالطبع/ الطبيعة-.
الغريزة هي ديدن استمرار الكائن في الحياة، وفي حال عدم اشباعها يتعرض الكائن للموت والانقراض، وفي حال الشحة يندفع للتوحش والقتل كما يفعل الحيوان مع الفريسة.
توفير الطعام الكافي كان مهمة رئيسة للحكومات، والهدف الرئيس لبناء الجيوش وغزو مناطق الوفرة والخصب. ومع التطور تعلم الإنسان الاعتماد على نفسه لإنتاج القوت وصناعة الحرف اليدوية وبناء لبنة الاقتصاد المحلي الإنتاجي، والتحول نحو مجتمع مدني، يرتبط بغيره بعلاقات التعاون والتبادل الاقتصادي والتجاري.
لكن الاقتصاد والاشباع المادي لا يحل مشكلة النزعات النفسية وتقلبات المزاج التي تدفع الفرد/ الجماعة لأحداث الشغب وأعمال التدمير والفوضى.
الواقع ان الغريزة تعني سؤال الوجود. لكن الرغبة تعكس سؤال المعنى – معنى الوجود-. وسوف يكون بالامكان القام جوع الجسد لكائن ما وإسكاته، ولكن، ليس بالوسع إجابته أو إقناعه بمعنى وجوده!.
يعرف الفلاسفة والمعنيون ان الإنسان لا يفكر دائما في المعنى. ولا كل فرد يفكر بنفس المستوى والقوة والعمق في المسائل الوجودية. بل ان الفلسفة نفسها، بكونها وصفا عقليا لحياة التفكر والاسئلة، لا تكون الا في مجتمع ضمن متطلباته المادية، وتجاوز انماط الحياة الحيوانية والبدائية.
معنى هذا، ان بالامكان التخلّص من الفلسفة وتأجيل الاسئلة الوجودية، بعدم اشباع المتطلبات المادية والغريزية للجماعة، وتركه يصارع ويعاني من اجل لقمة الخبز واللحم والاستغراق في منازعات حيوانية.
لكن هذا الموقف السلبي الجبان، لم يكن يناسب أخلاق اليونان، وسعيها لانتاج حلول عملية لمسائل الوجود والحياة. وقد وجد ان مشكلة النفس هي التقلبات، وان المشكلة في التقلبات هو ما تسفر عنه من (حزن). والمشكلة في الحزن هو فيما ينتج عنه من (ألم)، والمشكلة في الألم، هو ما يقود إليه من (ايذاء) – للذات أو الآخر.
هنا ظهرت البذور الأولية لفلسفة التشاؤم، التي تعكس موقف اليأس والإحباط من معنى الوجود، وتربّص الموت -التفسّخ والتحلّل- الذي تتساوى فيه كل المخلوقات، الإنسان والحيوان والنبات.
بعض الفلاسفة – على شاكلة الفكر الديني- اعتقد ان الطبيعة مثالية، وصورة للكمال في كل شيء. وهذا يعني ان الافكار والمشاعر السلبية – الحزن، الألم، الغيرة، الطمع- هي أحكام أو مسنخلصات خاطئة للشخص. والإنسان الفاضل أو الحكيم يترفع وينأى بنفسه عن الاحكام الخاطئة.
من هنا كان تأكيد الرواقية على ضرورة فهم قوانين الطبيعة، بحيث يكون قادرا ان يسلك بموجبها، وبشكل يتحقق معه حالة التناغم والانسجام بين سلوك الإنسان وعمل الطبيعة. وإزاء قدرة الطبيعة على التأثير على حياة البشر، فبإمكان النشاط الفردي – قولا أو عملا- ان يؤثر في الطبيعة. وهذا الأخير يقتضي من الفرد/ الحكيم/ الفاضل/ البار التحسب في كل أقواله وأفعاله.
من الممكن قراءة فحوى هذه الأفكار في السلوك الديني – لاحقا- في صورة الصلوات والطلبات الشفاعية، أو ممارسة أعمال السحر والشعوذة، وما يفترضه هذا الغرض من تكنيك معين من بينه التكرار أو التنغيم أو اشتراك عد معين من الافراد في الكورس.
الحكمة التي خلص اليها فلاسفة الرواقية هي قمع الغرائز والرغبات، وعدم الاستجابة لها. وأن الحكيم هو من لا يترك غريزة جسدية أو نزعة نفسية أو رغبة عاطفية تستحوذ عليه، ويعرف على الدوام المحافظة على رباطة جأشه ومزاجه وسعادته العقلية، فتكون طابعا عاما لشخصيته.
يمكن ملاحظة أنه في عرفنا الاجتماعي لليوم، يقدم الشخص الغريزي المضطرب، أو العاطفي المنفعل أو حتى المزاجي المتقلب، صورة سلبية أمام المجتمع. ورباطة الجأش وكظم الغيظ وقمع العواطف والرغبات، نقاط قوة الشخصية الاجتماعية.
فالإنسان لا يستطيع ان يلغي الجسد، وانما لا يسمح لجسده ومتطلباته السيطرة عليه. ولعل هذا هو جوهر التعليم المسيحي للسيطرة على البغض والحسد والشر والمفاخرة، وغيرها من المظاهر النفسية والاجتماعية المدمرة. وترويض النفس على المحبة والخير والصدق.
والصليب بهذا المعنى – الرمزي- هو صلب للغرائز الحيوانية والنزعات والرغبات الوحشية، والانتقال لحياة الصفاء والسلام والفضيلة.
إزاء هذا التيار العقلي العقلاني المتدرج في البحث والتأمل، كان ثمة تيار آخر، هو امتداد للتشاؤمية والكلبية، تطور إلى موقف عام سلبي من المجتمع والعالم، تمثل في مخالفة واستعداء المظاهر الاجتماعية، وصولا إلى حالة متطرفة لدى البعض في ازدراء العالم.
(5)
لا تخلو اليهودية من أفكار الزهد والتقوى، وإن لم تكن أصلية في شريعة موسى. وقد تطورت مع الزمن إلى موقف على درجة من التطرف نحو العالم، سيما غير اليهودي. لكن أبرز مظاهر التطرف اليهودي تظهر في الموقف من المرأة والجنس عموما.
لم يكن مقبولا في المجتمع اليهودي أن يبقى الرجل بغير زواج، مدة طويلة. وهو عرف كان سائدا في مجتمعاتنا حتى أواسط القرن العشرين. لكن القرون السابقة للميلاد انتجت ظاهرة عامة لانتباذ الزواج أو الاتصال بالمرأة، وإن، في مجال الدين فحسب.
ان الإخلاص لله، عنى أيضا تخصيص كامل الوقت للعبادة، والانصراف عن كل ما هو أرضي أو دنيوي، كما في حالتي المعمدان والمسيح. وإن لم يكونا وحيدين بذلك يومذاك.
لكن الفكرة وجدت لها أرضا أخصب في الحياة المسيحية، وتعاليمها المؤكدة على الحياة الروحية، وليس العبادة الروحية فحسب. هذا التأكيد على انتباذ الماديات والدنيويات، -ربما- كان وراء اعتبار (المسيحية) طائفة يهودية متصوفة، على غرار جماعة قمران.
لكن الأمر سوف يتطور عمليا من خلال رموز مدرسة الاسكندرية الاغريقية، وحالة مزج بعض التعاليم المسيحية مع ملامح فلسفة ازدراء العالم، والتي ستشهد تطبيقات أكثر تطرفا في المسيحية الأوربية.
ان شيوع مظاهر وممارسات معينة في مكان ما، قد لا يعني بالضرورة النقل أو النسخ من مكان بعينه. بقدر ما يمثل تناظر تشوفات البشر في غير مكان وتقارب تطلعاتهم وأسئلتهم الوجودية والاجتماعية.
ليس من الضرورة أن تكون (مسيحيا)، لتكون متصوفا، ولا من الضرورة أن تكون (كلبيا)، عندما يكون لك موقف في ازدراء العالم. بل ان المجتمع البشري، في أسئلته/ وهواجسه وعذاباته، هو عائلة انسانية واحدة، بغض النظر عن عوامل الزمان والمكان.
ولكن ما أريد تأكيده، هو القرابة الفكرية والعقلية البالغة، بين تعاليم المسيح، وجانب من تعاليم وأفكار الفلسفة الاغريقية، وان المسافة بين (العقل) و(الروح) ليست بعيدة على الاطلاق، عند الأخذ بتفاصيل اللغة الاغريقية التي توحد بينهما.
فليست كل اللغات- على غرار العربية/ الانجليزية- من اللغات الأحدث عهدا، تتمتع بمترادفات ومصطلحات مستقلة لكل شيء. ونحن ما نزال نسأل، أين مكان (الروح)، هل هي في القلب، أم العقل، أم هي في ساق المرأة!..
في اللغة الالمانية، يجري استخدام مفردة [Geist]، بمعنى (عقل) ومعنى (روح) في نفس الوقت. وفي اللاتينية تستتخدم (soul) ومعناها (نفس) بمعنى (روح) وفي الالمانية [Ghost]، وتأتي أيضا بمعنى (شبح).
ان المعارف تقوم على لغاتها الأصلية، واللغات تقوم على الألفاظ، والمترادفات. ونحن عندما نعالج فكرة ما ذات منشأ غير عربي، نرتكب جناية حين نسقط عليها أفهامنا وثقافاتنا وأنظمتنا اللغوية والتعبيرية، وهو ما حصل حتى الان، مع كل منتجات الفلسفة الاغريقية والحداثة الغربية، دون أن نرتاب في مؤهلاتنا ومصداقيتنا!.
فهل نستطيع ضمن نفس السياق، فهم وتقييم المسيحبية الواردة أصولها باللغة الاغريقية، المختلفة قواعدها وأسسها عن اللغة العربية والآرامية؟.
لقد وثقت الثقافة العربية والمعاصرة أكثر من اللزوم، بالترجمة. والترجمة لا يمكن وصفها بالدقة والاخلاص مطلقا، وبالتالي، لا توجد ترجمة علمية، باعتبار أن – الدقة- سمة للعلمية لا يمكن التنازل عنها.
(6)
[] وصايا اخلاقية..
-" من يرفع نفسه يوضع، ومن يتضع يُرفع!"- (متى 23: 12)
-"من أراد ان يخلص نفسه، يخسرها. ولكن من يخسر نفسه لأجلي/ (الكلمة)، يجدها.
فماذا ينتفع الإنسان لو ريح العالم كله، وخسر نفسه!. أو ماذا يقدم الإنسان فداء عن نفسه؟.- (متى 16: 25- 26).
-"للثعالب أوجار، وللطيور أوكار، أما ابن الإنسان، فليس له مكان يسند اليه رأسه!"- (متى 8: 20)
-" تقدم إلى يسوع بعض الكتبة والفريسيين من اورشليم وسألوه: لماذا لا يغسل تلاميذك ايديهم قبل أن يأكلوا؟.."- (متى 15: 2)
-" ليس ما يدخل الفم ينجس الإنسان، بل ما يخرج من الفم!"- (متى 15: 11)
-" ليكن كلامكم (نعم)، ان كان –نعم-، و(لا)، ان كان –لا-وكل ما زاد عن ذلك فهو من الشرير!"- (متى 5: 37)
-"عينك هي مصباح الجسد، فعندما تكون عينك سليمة، يكون جسدك كله منورا، أما عندما تكون عينك شريرة، فجسدك يكون مظلما!."(لو11: 34).
[] علاقات عامة..
-"كل ما تريدون ان يعاملكم الناس به، فعاملوهم انتم به ايضا"- (متى 7" 12)
-"لا تدينوا، لئلا تدانوا!"- (متى 7: 1)
-" لا تقابل الشر بمثله"- (متى 5: 39).
- "كل من يغضب على أخيه، يستحق المحاكمة!"- (متى 5: 22)
-"أحبوا أعداءكم، باركوا لاعنيكم، احسنوا للذين يبغضونكم، وصلّوا لأجل الذين يسيئون اليكم ويضطهدونكم!"- (متى 5: 44)
-"اعطوا ما للقيصر للقيصر، وما لله لله!"- (ماى 22: 21)
[] الزواج والعائلة..
-"منذ البدء جعل الخالق الإنسان ذكرا وانثى، لذلك يترك الرجل اباه وأمه ويتحد بزوجته، فيصير الاثنان جسدا واحدا. فليسا بعد اثنين، بل جسدا واحدا. فلا يفرقن الإنسان ما قد جمعه الله!."- (متى 19: 4-6)
-"من استطاع ان يقبل (عدم الزواج) هذا فليقبله!"- (متى 19: 12)
-"طوبى للعواقر اللواتي ما حملت بطونهن ولا أرضعت أثداؤهن!"- (لو 23: 29).
-" كل من اشتهى امرأة، فقد زنى بها في قلبه!"- (متى 5: 28)
(7)
مسيح واحد، ملكوت واحد، شعب واحد!..
"ليكن الجميع واحدا، أيها الأب، كما أنك أنت فيّ، وأنا فيك، ليكونوا هم ايضا واحدا فينا. ليكونوا واحدا كما نحن واحد. انا فيهم، وأنت في، ليكتملوا فيصيروا واحدا."(يو 17: 21- 24/ بتصرف!).
"أتوسل اليكم ايها الاخوة، أن يكون لجميعكم صوت واحد، وأن لا يكون بينكم اي انقسام، وانما كونوا جميعا موحدي الفكر والرأي."- (1كو 1: 10)
اعتقد ان كل قارئ للانجيل،-لابدّ أن-، يتوقف مليا، عند مشهد الصلب وصورة يسوع المسيح على الخشبة. وسوف يلاحظ حرص الكاتب، وتأكيده على ممارسة شائعة يومئذ، هي كسر سيقان المصلوب، للتعجيل في موته.
لكن ذلك لم يحصل مع يسوع المصلوب، لأنه كان قد مات قبل غروب الشمس. وتم التأكيد على موته، بطعنة الحربة في خاصرته.
هنا تنوقف عند دلالات كل ذلك. فالمسيح ليس أي شخص، وجسد يسوع المسيح ليس أي جسد آخر. وبالتالي، فثمة دلالة روحية بليغة – رمزيا وحرفيا-، لما بعد الصلب. وسوف يأتي بولس الطرسوسي ليعلن أن جسد يسوع المسيح هو (الكنيسة)، وأن سلطات الجحيم لن تقدر عليها.
الكنيسة هي (شعب) المسيح، أبناؤه وأولاده المولودون بالروح. يقول بطرس الرسول:" من فرط رحمته العظيمة ولدنا ولادة ثانية. (معطيا ايانا حياة جديدة) مليئة بالرجاء على أساس قيامة يسوع المسيح من بين الأموات!."- (1بط 1: 3).
والولادة الثانية لها دلالات وسمات وشروط لابد منها، وبدونها لا تكون. فتبعية اليسوعية أو أخوية المسيح الكلمة ليس مجرد كلام، ولا تزكية كاهن، ولا رشم أبوين بالجسد. الإنسان يعيش بالجسد، والمجتمع يعتمد على المزاعم، ولكن الملكوت الروحي، يقوم بالاختبارات الروحية والصلة المتصلة بالعلْويات عبر الروح القدس.
معلمو الفلسفة ووعّاظ الدين يصدرون وصايا اخلاقية ومناهج عملية لا تتعدّى قوالب اللغة وفنون البلاغة في أحسن الاحوال. لكن وصايا يسوع المسيح هي أكثر من ذلك، اكثر من مجرّد فلسفة، وأعظم من مجرد دين. (الكلام الذي اكلمكم به هو روح وحياة!)- (يو 6: 63). و(الروح هي التي تعطي الحياة)-(يو 6: 63).
المسيح الكلمة الذي أخذ جسدا (يو 1: 14)، ما جاء ليكسر الجسد، ولا سمح لاتباع الشرير بذلك. فالمدلول الرمزي لجسد المسيح هو شعب الخلاص، والصليب هو سفينة الخلاص، وسلم الصعود والعبور من الأرضيات للعلويات السمويات. وكما دخل الكلمة الجسد الواحد في طبيعته وجوهره إلى العالم، يعود كذلك، مع شعبه ومختاريه بالنعمة والرجاء.
كل الميثولوجيات والعقائد تجمع على أن الرقم (واحد) هو بدء كل الأشياء، الكون والخليقة. الذرة الأولى والبيضة الأولى والإنسان الأول والعائلة الأولى والاجتماع البشري الأول، هو واحد. وبالواحد يصير الكل واحدا (يو 17: 24) كما كان ذلك في البدء.
الذين نجوا في سفينة نوح، كانوا عائلة واحدة متحدة. أما العوائل المشتتة المنقسمة، فمضت في الطوفان. الشعب الواحد هو الذي يسود ويدوم، والشعوب المنقسمة على ذاتها والمتشرذمة في طوائف وعصبيات هي مطية الأطماع والتبعيات الأجنبية.
كل شيء يبدأ بالرقم واحد، الجسد الواحد والقلب الواحد والرأي والفكر الواحد والمحبة الواحدة والرباط الروحي الواحد، والواحد ينمو ويكتمل ولا ينتهي، فهو البداية والنهاية، الألف والياء، ألفا وميغا. وفي الرياضيات، يوجد طريق واحد، هو أقصر مستقيم بين نقطتين!. وهذا الخط هو الصليب، صليب يسوع المسيح الحي الأزلي!.
لكن يسوع المسيح صُلِبَ مرة واحد فقط وفي مكان واحد، وفي نقطة تمام الأزمنة.
والذي رُفِعَ على الخشبة هو جسد واحد ليسوع المسيح، والذي قام في اليوم الثالث هو الواحد يسوع الكلمة بجسده الواحد في الطبيعة والجوهر، وبه وحده الخلاص، ومنه وله وبه كل شيء.
إذن ثمة جسد واحد، ويسوع مسيح واحد، وكنيسة ولحدة وفكر واحد لا غير.
كيف انقسمت الكنيسة إلى شرقية وغربية، وانقسم الفكر واختلف التعليم، وتعددت السلطات، وتغيرت صورة المسيح، ومتى ألتغى صليب المسيح وقيامته، ليعود -قدس الأقداس- وهيكلية المعبد اليهودي في غفلة عن الروح القدس وألسنة النار الخمسينية.
ان كل من يزعم نفسه من تبعية يسوع المسيح المصلوب والقائم في اليوم الثالث – ولمناسبة ذكرى قيامته هاته الأيام- ملزم بالجواب عن الأسئلة السالفة!.
كيف يتم احتفال القيامة في كنيسة/ معبد يهودي يتوسطه حجاب الهيكل؟..
وهل يكفي الفصل الزمني بين فصح المسيح وفصح اليهود، لذر غبار الخديعة في أعين الملأ، وادعاء انتفاء -تهويد- الكنيسة، العاملة بحسب نظام العبادات والطقوس اليهودية في كتب موسى!.. كنت انتظر قرارا أكثر جرأة وثورية، لحل اشكالية غبّرت عليها العصور، ونام عليها المدعوون مسيحيين.
عندما ظهر مارتن لوثر [1483- 1546م] اعتقد البعض ان الاصلاح يخصّ كنيسة روما فحسب. اليوم.. تم الالتفاف على دعوات لوثر، وعمّ الفساد كل الكنائس والطوائف، التقليدية والمحدثة، وصارت الحاجة إلى مارتن لوثر جديد، أكثر قوة وراديكالية!.
بغير ثورة لوثرية مسكونية جديدة وعارمة، لن تكون المسيحية وكنائسها غير ديانة طقسية خائبة، لا علاقة لها بيسوع المسيح، غير الادّعاء والافتراء.
ليس العالم بحاجة إلى ألعاب ضوئية وطقوس سحرية، لاقناع الجمهور باستعلانات – العذراء- أو عمل الروح القدس!!.
فالروح القدس ليس خاليا من الحكمة، وما يحتاجه الشعب، بل البشرية هو أكثر من اعلانات ضوئية، تروج أساسا لديانة (الأم المقدسة) ، ولا صلة لها بيسوع الكلمة.
ان قادة الكنائس، ومعلمي – ما يدعى بالمسيحية- هم الفريسيون والكتبة الذين ندد بهم يسوع المسيح (متى 23، لو 11و20)، ولابد من اعادة قراءة تعاليم الانجيل وتعليمها، وفق منظور التهود والتهويد الجاري في الكنائس التقليدية والمحدثة.
كيف يتم الاحتفال بقيامة المسيح/ مع انكار صلبه وقوة صليبه؟.. فالصليب ليس خشبة ميتة، ولا – صولجانا- بيد الكاهن، يلوح به أمام الوجوه. ان الصليب هو قدرة الله، وقوة حياة وشفاء وسلاح في المعركة ضد الشرير.
ليكن هذا العيد.. عيد صحوة، واستنارة بالروح القدس، وإعادة بناء كنيسة المسيح الصحيحة، بالمسيح وصليبه فقط لا غير!. وتقديم التعليم اليسوعي وفق الانجيل، والانجيل وحده لا غير!.
والمسيح الحي وصليب قيامته من وراء القصد!.
***