في رثاء يسوع المسيح (4)

وديع العبيدي قرأها 1,797

في رثاء يسوع المسيح (4)

(والكلمة صار جسدا وحلّ بيننا!)

"فكل ما تسألونه بإسمي يكون لكم!"

There is a power in the name of Jesus Christ!

(1)

معذرة يا سيدي، أنا لا أرثيك، ولكن أرثي نفسي، وأرثي العالم باسمك!..

العالم الذي لم يعرفك، ولا يريد أن يعرفك الآن..

وأعرف أنك مازلت منتظرا.. وأثر المسامير في كفيك، وخاصرتك مازالت تنزف من أثر الحربة، والابتسامة لا تفارق شفتيك، وتقول: أبتاه اغفر لهم.. أنهم لا يعرفون ما يفعلون!..

تعرف جيدا أنهم يعرفون جيدا ما يفعلون.. وليسوا كالأمس، في محدودية الفهم ووسائل الثقافة!.

ولكنهم أكثر عنادا وضراوة في محاربة كلمتك وتزويرها لفظا ومعنى..

لقد تطور (الانسان) كثيرا، وأصبح أكثر ذكاء من (الأفعى..)

لقد اصطنعت لنفسها هاته الشبكة العنكبوتية الهائلة، وابتلعت الناس في بطنها..

ويا لسعادة الناس وهم ينزلقون بين مفاتنها، الواقع أنهم يطيرون ويحلقون بخيلاء، دون أن يتحركوا من أماكنهم. العالم كله يكاد يُبتلَع داخل الشبكة الهوائية.

خرج العالم من مساكن الكونكريت والطين المسلح، وسكن البيوت الالكترونية المجوفة.

حتى الكنائس [Churchonline] وسطور الانجيل [Bible.com]، تسكن في الشبكة التي تشبه [Venus flytrap] هائلة، تبتلع البشر بسرعة قياسية، خلال ثوان.

انها تسجل أنفاسنا وتتجسس على أسرارنا وتصورنا في أوضاع مختلفة، حتى عندما ننام ونطفئ الضوء. لقد اصبحت فعلا.. (سميع بصير، عليم بذات الصدور والأذهان)، ويلعب الانتربول الأميركي دور (الملائكة) – طبعا-.

ولكن الناس أيضا يعانون الغربة يا سيد، بعد مجرد عشر سنوات من تجربة مساكنهم الالكترونية.

هذه المرة لم تكن حواء.. وليس الانسان يأكل ثمرة الشجرة..

ولكن الشجرة الوهمية التي ليس لها شكل أو أبعاد، هي التي تأكل البشر.. وتتلذذ أيضا برائحة اللحوم وشواء الأرواح.

الان.. ليس الجسد ما نشتهي الخروج منه، وانما خيمة سلطان الهواء هاته!..

لذلك فالكتابة إليك لها مبرر..

والرثاء له مبرر أيضا!..

وأنت تعرف كل شيء.

أود أيضا أن أشكر الرفيق يوحنا بن زبدي، الحبيب الذي كان يتكئ على صدرك، لأنه كشف لنا عن اسمك الحقيقي (الكلمة(Logos/ ، الذي به صارت لنا حياة، وصار بامكاننا أن نتحدث نحن أيضا، ونكتب ما يجيش داخلنا من رثاء..

رثاء أولئك الذين مازالوا ينكرون موتك.. خوفا من صليبك، وليس شفقة عليك أو حبا بك. انهم يريدونك أن تبقى بعيدا.. بعيدا.. امنحهم أنت القدرة على احتمال محبتك.. حتى لو كانت قاسية على أجسادهم، كمسامير الصليب..

امنحهم أنت تلك القدرة من الأعالي، لكي تنفتح عيونهم، فيخرجوا من الظلمة، وتسقط عنهم غشاوة الصدف، فيبصرونك!..  ولا يهلكون.

قل لهم أن كلمتك لا تنكسر..

ومن يحاول كسرها سوف ينكسر على صخرتها..

قل لهم أن كلمتك هي الصخرة، من يعثر بها يقع، ومن تسقط عليه تسحقه، ومن يبني بيته عليها ، تكون له فلكا.. فتنجيه!.

قل لهم يا سيد.. قل لهم..

(2)

لاهوت الكلمة..

"في البدء كان الكلمة، والكلمة كان عند الله، وكان الكلمة هو الله. هو كان في البدء عند الله. به تكون كل شيء،. فيه كانت الحياة، والحياة كانت نور الناس. والنور يضيء في الظلام، والظلام لا يدرك النور. (..) والكلمة صار بشرا، وحل بيننا، ونحن رأينا مجده. مجد ابن وحيد عند الأب. وهو ممتلئ بالنعمة والحق."- (يو 1: 1- 5، 14)

"انجيل الله [انجيل= الكلمة] الذي وعد الله به من قبل على ألسنة الانبياء في الكتب المقدسة. وهو يختص بابن الله الذي جاء من نسل داود من الناحية البشرية.  ومن جهة روح القداسة، تبين أنه ابن الله بالقيامة من بين الأموات. انه يسوع المسيح، الذي به ولأجل اسمه نلنا نعمة ورسالة لاطاعة الايمان بين جميع الأمم.(..) انه قدرة الله للخلاص، وفيه اعلن البرالذي يمنحه الله على أساس الايمان."- (رو 1: 1- 5، 16، 17)

"ان ما لا يرى من قدرة الله الأزلية، وألوهته ظاهر للعيان منذ خلق العالم. إذ تدركه العقول من خلال المخلوقات، حتى أن الناس باتوا بلا عذر. فمع انهم عرفوا الله لم يمجدوه حق مجده باعتباره الله، ولا شكروه، بل انحطوا بتفكيرهم إلى الحماقة، وصار قلبهم لغباوته مظلما.  وفيما يزعمون انهم حكماء، صاروا جهالا. واستبدلوا بمجد الله التماثيل والصور والاحجار والقبور. (..) وبما أنهم لم يختاروا تقوى الله، أسلمتهم معرفتهم إلى ذهن عاطل عن التمييز، دفعهم لممارسة الأمور غير اللائقة. فامتلأوا من كل إثم وجشع وشر وخبث، وشحنوا حسدا وقتلا وخصاما ومكرا ومباهاة، وهم ثرثارون، مغتابون، كارهون للحق، شتامون، متكبرون، متفاخرون، مخترعون للشرور. لا فهم عندهم، ولا أمانة، ولا حنان، ولا رحمة.- (رو 1: 20- 23، 28-31(    

"ان الانجيل الذي بشرتكم به ليس انجيلا بشريا. فلا تسلمته من انسان ولا تلقنته، بل جاءني بإعلان من يسوع المسيح."- (غل 1: 11- 12(

"يسوع المسيح الذي باركنا بكل بركة روحية في العلويات السماوية.(..)  إذ كشف لنا سر مشيئته التي قصدها في نفسه، لأجل تدبير تمام الأزمنة، حين يجعل كل شيء تحت رئاسة يسوع المسيح، سواء الأشياء التي في السموات، أم الأشياء التي  على الأرض. وفي المسيح أيضا قد حصلنا على الميراث الذي سبق عيننا له (أف 1: 4- 5)، والغاية أن نكون سببا لمدح مجده بعدما وضعنا رجاءنا فيه.  وفيه أنتم أيضا وضعتم رجاءكم، إذ سمعتم كلمة الحق، أي الانجيل الذي فيه خلاصكم!- (أف1: 3، 9- 13)

"مازلنا نصلي ونتضرع لكي تمتلئوا من تمام المعرفة لمشيئة الله في كل حكمة وإدراك روحي. لكي تسلكوا سلوكا لائقا بالرب ومرضيا في كل شيء، مثمرين في كل عمل صالح، لتنموا في معرفة الرب إلى التمام.- (كو 1: 9- 10)

"إذ بالمسيح خلقت جميع الأشياء، ما في السموات وما في الأرض، ما يرى وما لا يرى. أعروشا أم سيادات أم رئاسات أم سلطات.  كل ما في الكون به قد خلق ولأجله.  هو كائن قبل كل شيء، وبه كل شيء يدوم. وهو رأس الجسد – أي الكنيسة-، هو البداءة وبكر القائمين من بين الأموت، ليكون له  المقام الأول في كل شيء. ففيه – أي يسوع المسيح- سرّ الله أن يحل بكل ملئه، وبه يصالح كل شيء مع نفسه، سواء كان في السموات، أو مما على الأرض."- (كو 1: 16- 30(

"لهذا صرت أنا خادما بموجب تدبير الله الموهوب لي من أجلكم، فأخدم كلمة الله، بإعلان السرّ الذي كان مكتوما طوال العصور والأجيال. ولكن الله كشفه الآن – عند ملء الأزمنة- لمختاريه، ليعلن لهم كم هو غنيّ هو مجد هذا السر بين الأمم، إسم يسوع المسيح، وهو رجاء المجد. هذا السرّ نعلنه نحن ، لكل انسان، معلمين في كل حكمة، لكي يحضر كل انسان (كاملا) في المسيح.(..) بغرض أن تتشجع قلوبكم، وتتحد في المحبة، لبلوغ الادراك التام بكل غناه، لمعرفة سرّ الله، أي يسوع المسيح، المخزونة فيه كل كنوز الحكمة والمعرفة كلها."- (كو1: 25- 28، 2: 2- 3)

".. الانجيل، ليس مجرد كلام، بل هو أيضا مصحوب بالقوة والروح القدس وتمام اليقين.- (1تس 1: 5) ولذلك نشكر إلهنا بلا توقف، لأنكم قبلتم البشارة، لا كأنها كلمة بشر، بل كما هي في الحقيقة، باعتبارها كلمة الله العاملة فيكم.-(1تس 2: 13)

"ان الله في الأزمنة الماضية، كلم آباءنا بلسان الأنبياء الذين نقلوا اعلانات جزئية، بطرق عديدة ومتنوعة. أما الآن، في هذا الزمن الأخير- ملء الأزمنة-، فقد كلمنا  بابنه (الكلمة المتجسد)، الذي جعله وارثا لكل شيء، وبه قد خلق الكون كله!. انه ضياء مجد الله وصورة جوهره، حافظ كل ما في الكون بكلمته القديرة. وهو الذي بعدما طهرنا  بدمه، من خطايانا، جلس في الاعالي عن يمين الأب. وهكذا أخذ مكانا أعظم من الملائكة، بما أن اسمه متفوق جدا على أسماء الملائكة جميعا.- (عب 1: 1- 4).

(3)

فلسفة اللوغوس..

 (LOGOS)   مفردة اغريقية تعني: أرضية، قاعدة أساسية، فكرة، توقع، كلمة، كلام، حساب، منطق، أو تبرير. وقد وردت لدى فلاسفة الإغريق بمعان متباينة، ولكن السوفستيين استخدموها بمعنى (نظام/ قانون). وذلك للتعبير عن القوة المركزية العظمى [Supreme Power]  المسؤولة عن الكون في نشأته وحركته وكل ما فيه ويتصل به من الماديات. وهو المبدأ المادي الذي به يدار الكون [universe] ويتقدم. ويعود استخدام المصطلح (لوغوس) للمرحلة السفسطائية [ٍSophism] في القرنين السابع والسادس ق. م.

وقد تأسس الخطاب السفسطائي – [الأصح القول: سوفي أو سوفستي]، على ثلاث آليات لغوية هي [الحوار، المنطق، البلاغة]، أما غاية السوفستية فهي [الكمال (أو) الحكمة  [Excellence, Virtue].  وكانت هذه مرغوبة ومطلوبة لدى طبقة النبلاء والسياسيين في المجتمع الأثيني العريق. ويطلق على صاحب الفلسفة، (الفيلسوف) أو (المعلم).

يعتبر الفيلسوف أو المعلم هرقليدس [535- 475 ق. م.] أكثر من ركز على اللوغوس في تعليمه، واصفا إياه بأنه: النظام الكلي للكون، والمبدأ الاساسي الذي تشتق منه كل القوانين الإساسية للوجود، وهو يسود كل الأشياء، ويكفي للكل، ويسيطر على الكل.

من الناحية التاريخية تعتبر السوفستية، مرحلة ما قبل سقراط [469- 399 ق. م.]، الذي كان نبي اليونان ومؤسس منطق الجدل، وهو الآخر كان مشاء جوالا، ينشر أفكاره بين الفقراء وبسطاء الناس وذلك عن طريق الحوار وطرح الأسئلة، وعندما يجيبه أحدهم، يستمر في مجادلته وافحامه. وصفتْهُ كاهنة دلفي أنه الرجل الأكثر حكمة في أثينا، وكان بسيطا متواضعا في حياته اليومية، يبيت في العراء، داخل صندوق – كارتون-. وكان سقراط يسخر من السوفستيين، ويتهكم على طراز حياة الأغنياء ومظاهرها الارستقراطية.

وفي كتابات افلاطون [427- 347 ق. م.] وهو تلميذ سقراط، يظهر اللوغوس بصفة (المحرك- الذي يحرك ولا يتحرك)، أو هو المحرك الأول، أو المحرك غير المتحرك، والعلة العظمى التي لا يسبقها شيء، أو لا يتمكن عقل الانسان من استكناه ما قبلها..

اما أرسطو [384- 322 ق. م.] فقد خصصها في مجال الخطاب والبلاغة [rhetoric] باعتبارها (حجة/ ذريعة) أو (قانون المنطق) / [Reasoning Discourse]

تركيز أرسطو على الخطاب وتقنيات الحوار، أكثر صلة بسقراط مؤسس منطق الجدل والمحاججة، كما سجلها افلاطون، دون أن يناغمه أو يتفق معه غالبا.

صحيح أن ارسطو أنزل الفلسفة من علياء الكليات/ الكونيات عند السوفستيين وأنكساغوراس [510- 428 ق.م.] وهرقليدس إلى مجال الأرضيات والاجتماع البشري، وهو أمر يعود في معظمه لأفلاطون معلم أرسطو، في مصنفاته الشهيرة عن (الأخلاق) بمفهومها الأوسع وسيما في (الجمهورية..). انما مساهمة أرسطو الرئيسة تتمثل في تبدية اللغة وتقنيات الخطاب وفنونه [الشعر والدراما]. ولهذا السبب، كان أرسطو موضع أهتمام المشارقة [علم الكلام]، بل مصدرهم الأساسي ومنظرهم الأكبر.

فيما تركز أهتمام الأوربيين على جملة الإرث الإغريقي، يتصدّره أفلاطون. وفي حين كانت مدرسة الاسكندرية – في عهد البطالمة- في عهديها الإغريقي والمسيحي، امتدادا لإرث الإغريق الفلسفي، كانت مدرسة البصرة – في صدر الدولة العباسية- امتدادا لأفكار أرسطو وتطبيق نظرياته في اللغة والمنطق وعلم الحيوان. مع الأخذ بنظر الاعتبار، الامتداد المتصل لمدرسة الاسكندرية بفلسفة الإغريق، والامتداد المنقطع زمنيا بين فكر أرسطو ومدرسة البصرة في القرن الثامن الميلادي، بنحو ألف عام تقريبا من تاريخها.

ذكر هاته الثيمة، ينفع في بيان سبب عدم رواج الفكر المسيحي في شرق المتوسط، مقابل الميل والانحياز للغة (العضلية) وفنون البلاغة والمجادلة والمفاخرة. يقارن العلماء في هذا الصدد بين العقلية الألمانية الفلسفية، وبين العقلية الانجليزية الأكثر ميلا لمجالات الفكر والتاريخ. مما يترتب عليه اختلاف في مجالات التفكير وتعاطي مسائل الحياة والسياسة. وهذا ينطبق في المقارنة بين العقلية الغرب متوسطية الفلسفية التحليلية، وبين العقلية الشرق متوسطية اليقينية التلقينية.

تقدم زينو الكيتومي [334- 262 ق. م.] مؤسس الفلسفة الرواقية، بفكرة المبدأ الأساسي للكون خطوات أبعد، قائلا انه لما كانت أصول كل شيء كامنة في اللوغوس/ المبدأ الأساسي للكون/ الخليقة، فأنه يمكن استنباط واشتقاق المبادئ والانظمة البشرية من قوانين الطبيعة، مؤكدا ان ثمة صلة وتأثيرا متبادلا بين سلوك البشر والظواهر الكونية.

فالفكرة – بحسبه- ليست مجرد كلمات وقوالب لفظية يجري ترديدها، وانما هي سلوك وسيرة يومية. وتعتبر فلسفته جوهر الهللينستية التي راجت منذ القرن الثالث قبل الميلاد.  

أما فيلو السكندري [25 ق. م.- 50م] فقد اعتبر ان اللوغوس هو العقل الالهي، وهو الوسيط بين الله والكون المادي.

*

خطبة الاريوباغوس في أثينا

"بينما كنت أتجول في مدينتكم وجدت معبدا مكتوبا عليه (إلى الاله المجهول)، فبهذا الاله المجهول الذي تعبدونه، ولا تعرفونه، أبشركم أنا!.

انه الله الذي خلق الكون وكل ما فيه. انه لا يسكن في معابد بنتها أيدي البشر، ولا يحتاج إلى خدمة يقدمها له الناس. فهو يهب جميع الناس الحياة والنفس وكل شيء.

وقد أخرج الشعوب جميعا من اصل واحد، وأسكنهم بلاد الأرض كلها، وحدد مسبقا أزمنة وجودهم وحدود أوطانهم، لكي يبحثوا عن الله لعلهم يلتمسونه فيهتدوا اليه. انه ليس بعيدا عن كل واحد منا. لأننا به نحيا ونتحرك ونوجد. وكما قال أحد شعرائكم: نحن أيضا ذريته!. فما دمنا نحن ذرية الله، فلا ينبغي أن ننظر إلى الالوهة كأنها صنم، نصنعه بأيدينا كما نتخيل!.

ان الله يدعو جميع الناس في كل مكان، أن يعودوا إليه تائبين، متغاضيا عن أزمنة الجهل التي مرت، لأنه حدد يوما يدين فيه العالم، على يد رجل اختاره لذلك، هو يسوع المسيح، وقد قدم به برهانا للجميع، إذ أقامه من بين الأموات!- (أع 17: 23- 31)

من هذا النص نخلص لملاحظتين على قدر من الأهمية..

1-               ادراك التلاميذ والأتباع  وكتبة الاناجيل لحقيقة لاهوت يسوع المسيح الكلمة، باعتبار ان لوقا الطبيب هو أيضا محرر سفر أعمال الرسل.

2-               ادراك بولس الطرسوسي لحقيقة وجوهر لاهوت المسيح كما يبين من هذا النص أعلاه، أو رسائله الأربعة عشر، والتي يسبق تاريخ وضع معظمها تاريخ كتابة الاناجيل؛ سيما انجيل يوحنا المنسوب لتسعينيات القرن الأول، بعد موت جميع الرسل.

لكن يوحنا بن زبدي الذي عاش ربع القرن الأخير من حياته منفيا في جزيرة بطمس اليونانية في بحر ايجه، له الفضل الأكبر في اعلان لاهوت اللوغوس بلغته الإغريقية، متفوقا على بولس الطرسوسي في جرأته وشجاعته الأدبية واخلاصه البطولي والروحي لايمانه الثوري بلاهوت وفداء معلمه ومخلصه المسيح الكلمة، فأبى، إلا أن يسطر ويوثق ما أمكنه من بيان وحكمة وتعليم.

يذكر ان الامبراطور الروماني دومنيان الذي حكم بين [81- 96م] كان قد أمر بالقاء الرسول يوحنا بن زبدي في قدر فيه ماء يغلي، لكنه عدل عنه وأمر بنفيه إلى بطمس. لقد أوردت الاناجيل الثلاثة الأولى اشارات وافية من تعليم يسوع الذي يعلن فيه عن لاهوته وصلته الجوهرية بالأب. ان عبارة (الأب/ أبي) التي ترددت في أحاديثه، فيها ما يكفي السامع، ناهيك عن معجزاته الخارقية. ومع ذلك، يتميز انجيل مرقس عن سفري متى ولوقا باستهلاله المهيب: “هذه بداية انجيل يسوع المسيح ابن الله!”- (مر 1: 1).

لكن الأكثر أبهة وجرأة ووقارا هو انجيل يوحنا بن زبدي، بدء من استهلاله المدوي

“في البدء كان الكلمة، وكان الكلمة عند الله، وكان الكلمة هو الله. هو كان في البدء عند الله. به تكون كل شيء، وبغيره لم يتكون شيء مما تكون. فيه كانت الحياة، والحياة هذه كانت نور الناس.”- (يو 1: 1-4). ولا يكاد يخلو اصحاح من اصحاحاته الاحدى وعشرين من اعلان – واضح صريح- وصفة لاهوتية جديدة كابن الله والخبز السماوي والماء الحي، وصولا إلى الذروة الروحية واللاهوتية في الاصحاحات [15، 16، 17] والتي تقدم اعلانا صريحا واضحا: أنا والأب واحد، أنا في الأب والأب في، كونوا واحدا كما أنا والأب واحد، خرجت من عند الأب وها انا أعود إلى الأب، مجدني بالمجد الذي كان لي عندك قبل تكوين العالم!.

لكن الانجيل الذي يعترف يوحنا بن زبدي انه لم يستطع أن يجمع فيه كل معرفته في المسيح (يو20: 30- 31، 21: 25)؛ فيعود ويضيف ثلاث رسائل رعوية تبلغ الذروة في اعلان (لاهوت المحبة): كل من يبغض أخا له فهو ليس من الله، كل من يبغض أخا له فهو في الظلام، وباق في الموت، كل من يبغض أخا له فهو قاتل، مثل قاين!، وهذا يعني بالنتيجة، انه لا يستحق أن يكون تلميذا للمسيح.

والواقع.. ان سفر الرؤيا اللاهوتي، هو بمثابة انجيل آخر، وإعلان عن لاهوت المسيح السماوي والأزلي: الكائن والذي كان والذي سيأتي، أنا الألف والياء، البداية والنهاية!-(رؤ1: 4، 8). أنا الأول والآخر، أنا الحي، كنت ميتا، وها أنا الآن حي إلى أبد الآبدين، ولي مفاتيح الموت والهاوية (رؤ1: 17- 18). انني أنا الذي أفحص الافكار والقلوب، وأجازي كل واحد بحسب أعماله (رؤ2: 23).

لاهوتيا هو الكلمة المقدسة، الخبر، العقل، القصد، السبب، الحساب، وهو الحق. ولدى آباء مدرسة الاسكندرية- القرون الثلاثة الاولى للمسيحية- الكلمة هو (الابن)، لوصف الصلة ، بين [الابن- الأب]، الواحد في الذات والجوهر. ولما كان كلمة الله والله واحدا لا يقبل التجزئة أو الانفصال، فهو والله واحد، وهو في الله غير خارج عنه- (يو 17: 21).

وفي قول المسيح الكلمة: “خرجت من عند الأب، واتيت إلى العالم، وها أنا أترك العالم، وأعود إلى الأب!”- (يو 16: 28)؛ يقول العلامة أوريجانوس [185- 254م] أنه: كما تخرج الكلمة من العقل دون أن تمزقه أو تكون منفصلة أو منقسمة عن طبيعة العقل، هكذا هي صلة الابن بالأب الذي هو صورته أو صورة جوهره. فذات الله وجوهره واحد غير منفصل، وكذلك الكلمة/ الابن غير منفصل عن الله في الذات والجوهر.

ويذكر ان العلامة كليمندس السكندري [150- 215م] وهو معلم أوريجان وزميله في مدرسة الاسكندرية، قد جعل اللوغوس محور تعليمه اللاهوتي.

ولما كان الله أزلي في ادراكه، كذلك الكلمة الابن أزلي (يو 17: 5).

ويضيف العلامة باسيليوس [330- 379م] ان المسيح هو قدرة الله وحكمة الله، وهما صفتان أزليتان، لأن الله لا يكون بغير قدرة أو حكمة!.

(4)

المدرج اللاهوتي..

نخلص مما فات، أن ثمة اتفاقا وتطابقا كبيرا بين مفهوم اللوغوس الإغريقي، ومفهوم/ طبيعة لاهوت المسيح الكلمة. وأن السوفستيين وفي مقدمتهم هيرقليدس، قدموا التصور الكامل، لنشأة الكون وسيرورته بواسطة الكلمة/ المبدأ/ القانون/ النظام/ القوة الفاعلة والمدبرة/ والأصل الذي لا يتقدمه شيء ولا يتفوق عليه!.

وقد أشار يسوع المسيح الناصري لذلك بصور وتعابير وأفعال متعددة، ولعل فكرة (البنوة المقدسة) هي القاسم المشترك الذي اتفقت عليه الكتابات الانجيلية. فهل أدرك الكتاب والمعلمون الأنجيليون مغزى العبارة؟.. 

 واقع الحال، ان فكرة البنوة المقدسة، أو البنوة السماوية- بتعبير أوسع- لم تكن جديدة، في المخيال الشعبي لحوض المتوسط، ويمكن رؤية شواهدها في مختلف الميثولوجيات العالمية وأقدمها، أي لدى سومر وفينقيا والهند والفراعنة وفارس والإغريق واللاتين من بعدهم.

وكانت بابل الكلدانيين [Babylonia] منذ أصولها السومرية والأكدية، حتى سقوطها النهائي بين القرنين الخامس والثالث قبل الميلاد، الجامعة الثقافية للأفكار والعقائد الماورائية الشائعة في زمانها. وبانتهاء الحاضرة الامبراطورية وتكالب الغزاة، خرجت منها موجات الهجرة وحملة الأفكار والعقائد والمعتقدات كالمجوسية والمندائية والأزدية واليهودية والحنفية الحرانية لاحقا. وجوهرها اللاهوتي المشترك هو:

[ان الاله المجهول الذي تعبدونه ولا تعرفونه، ليس بعيدا عنكم، انه قريب منكم وفي داخلكم، فهو الحياة والنور والحكمة!].

هذا المشترك الأعظم، يتكامل في مفهوم اللوغوس السوفستي (هرقليدس)، ويجد تجسده وشخصانيته المباشرة في شخص يسوع الناصري الجليلي.

حاول البابليون وأتباعهم تشخيص تلك الفكرة في صور ومنحوتات – حجر وخشب- وأشخاص، وتوسلوها بمعابد ومدرجات [زقورات] وقرابين وأعطيات، ووضعت فيها الملاحم والقصائد والصلوات والأدعية الكثيرة بحسب ثقافة كل شعب ومرحلة.

ثمة إشارتان بليغتان في كتب التناخ تقتربان بالمعنى من الغاية. أولاهما الواردة في نهاية سفر حسقيال ابن بوزي الذي كان (عند جوار نهر خابور في ديار الكلدانيين)- (حز 1: 3)، ومفادها: "ويكون اسم المدينة من ذلك اليوم: (يهوه شما) ومعناها: (يهوه هناك).- (حز 48: 35).

فكرة (الهناك/ شما) ليست بعيدة وراء الغيب، انما هي (هناك) على مرمى البصر، قابلة للتصور والتحاور. هذا التدرج في المسافة والمنظور، يتصل بمفهومه في قصة الخليقة البابلية (انوما اليش)- [عندما (أو- الذي) في الأعالي].

 الأعالي: هي العلويات المتعالية فوق بعضها، وليس مستوى علويا واحدا. وهو كناية عن (الغيب) وغير المنظور، والعصي على ادراك الحواس، والأبعد عن تصورات البشر. وقد ارتجع القرآن هذه الصورة المتعالية للرب الأله، ووصف الأعالي بالسموات، وجعلها صفة شخصية يكررها المسلم تلقائيا: الله سبحانه وتعالى!.

وفي إطار هذا التدرج الفكري/ اللاهوتي، تتحول فكرة (الهناك) الى (هنا) لدى أشعياء بن آموص: (لكن السيد (الاله) نفسه يعطيكم آية، ها العذراء تحبل وتلد ابنا، وتدعو اسمه (عمانوئيل): أي (الرب معنا!).)- (أش 7: 14). –ويمكن مراجعة النص بتفصيل في انجيل لوقا 1: 26- 38)- وفيه: (ها أنت ستحبلين وتلدين ابنا وتسمينه يسوع (يهوه يخلص). انه يكون عظيما، وابن العلي يدعى، ولن يكون لحكمه نهاية.)- (لو1: 31- 32).

المدرج اللاهوتي بحسبه: [أنوما اليش- يهوه شما- عمانوئيل- يسوع- أنا هو!]. 

ثمة أمران، انتقصا (لوغوس هرقليدس) ليتطابق مع لوغوس المسيح يسوع،..

1-               فكرة الروح، أو (العدم) بالمفهوم المادي. فقد انصب الفكر الإغريقي على دراسة المادة، وفهم الكون المادي.

2-               فكرة تشخيص الفكرة أو تجسدها: (الكلمة أخذ جسدا وعاش بيننا)- (يو 1: 14).

ومن هنا نفهم مغزى وأهمية خطبة بولس الطرسوسي في معبد الأريوباغوس. وبقليل من اعادة تحرير النص يمكن القول: ان اللوغوس الذي تعرفونه، قد تجسد في شخص يسوع المسيح – الكلمة-، الذي به كل شيء تكون واليه يرجع كل أمر، وأنا ابشركم باسمه!.

(5)

مدرسة الاسكندرية..

مدرسة الاسكندرية، لا تكاد تذكر في التعليم المسيحي. ومن النادر ان يعرف الشخص المسيحي شيئا عنها. أما تلاميذ كليات اللاهوت، فلا يتعلمون- أو يطلعون- على غير المرحلة الأخيرة منها، بعد تحولها لتعليم اللاهوت المسيحي، وايمان بعض أعلامها بشخص يسوع المسيح.

(اسكندرية) نسبة لاسم الاسكندر المقدوني الذي دخل مصر عام (332 ق. م.) وأنشأ مدينة باسمه، على الطراز اليوناني في موقع قرية (راكوده) الواقعة بين بحيرة مريوط وجزيرة فاروس القريبة من شاطئ المتوسط. وقد ازدهرت كثيرا في عهد البطالمة [330- 30 ق. م.] الذين نقلوا إليها مظاهر الحضارة الإغريقية وفنونها بوصفها عاصمة لهم.

بطليموس الاول كان مهتما بالثقافة والعمران، وأنشأ فيها مكتبة ضخمة جمعت أدبيات العالم القديم المستنسخة على ورق البردي، وقدرت بنصف مليون مخطوط. هذه المكتبة العالمية الثرة، لا تتكون من غير حياة وحركة ثقافية وعلمية ناشطة.

 عرفت الاسكندرية مدارس عدة، بحسب تعدد اتجاهاتها واهتمام القائمين عليها أو مؤسسيها. ومن أقدم تلك المدارس: (الموزيم) التي أنشأها بطليموس الاول، يتم فيها تدريس العلوم والفنون واتجاهات الأفكار والطروحات الفلسفية، التي انتقلت اليها من أثينا وسرعان ما حلت مكانها.

إلى جانب الموزيم، كانت مدارس فلسفية أخرى مثل: (سيرابيوم) و (سيباستيون) نسبة لمؤسسيها. مدشنة بذلك مرحلة جديدة من عمر الثقافة الإغريقية، المشهورة بالهللنستية – مزيج الثقافة الإغريقية الهللينية مع الثقافات الشرقية المحلية.

على مدى سبعة قرون كانت الاسكندرية مركزاً للاشعاع الحضاري والفلسفي، ذلك الاشعاع الذي لم ينفطع بانقضاء حكم البطالمة، والحكم الروماني المباشر لمصر، فالى جانب كون الاسكندرية قبلة الأغارقة والرومان المتوجهين الى مصر، كانت موئلا للعلماء والفلاسفة وطلبة العلوم والفنون والخطابة من كل مكان في العالم.

فانتشار أفكار الفلسفة الإغريقية وطروحات افلاطون وارسطو، يعود بدرجة لا يستهان بها، لامتداداتها الاسكندرية وانعكاساتها منها نحو العالم، شرقا وغربا.

المرحلة الاسكندرية هاته، شهدت ثلاثة تيارات فكرية قوية، تجاوزت ما سبقها في المكان والزمان، واستمرت آثارها لليوم؛ وتينك هي: الغنوصية، الرواقية، الهللنستية. وفي ظل هاته الثلاثة ظهرت تعليمات المعلم يسوع المسيح الناصري، آخذين بنظر الاعتبار، زاوية المثلث (حجر الزاوية) الذي مثلته (فلسطين) مع زاويتي المثلث في (أثينا) و (الاسكندرية).

 الأمر الآخر الجدير بالتنويه في فهم فكرة المسيح هي الزمن. الزمن، المعوم عادة في حياة الشرق عموما، والمعوم أكثر في التعليم المسيحي ودراسة المسيحية. وللدقة أضع الأمر في نقاط:

1-               الدعوة للمسيحية، وصياغة التعليم/ الفكر المسيحي بدأ عقب موت المسيح  أي ما بعد العقد الثالث/ منتصف الثلث الثاني من القرن الأول الميلادي.

2-               الدعوة للمسيحية ارتبطت -بالمنظور التاريخي- بكرازة بولس الطرسوسي، والتي بدأت رحلته الكرازية الاولى في عام (50م) وكانت وجهتها آسيا الصغرى.

3-               صياغة الاناجيل – بوصفها إطارا تاريخيا وفكريا لسيرة المسيح وأفكاره- كان في النصف الثاني من القرن الأول.

4-               الصياغة الفكرية والفلسفية للاهوت المسيح وتعاليم المسيحية- بضمنها دراسة الاناجيل وتدقيقها وشروحها- ارتبطت بمدرسة الاسكندرية (آباء الاسكندرية) وذلك في القرون الثلاثة الأولى للميلاد بالتاريخ الرسمي، وعمليا في القرن الثاني والثالث للميلاد.

5-               التاريخ الرسمي المعلن لتقرير الصياغة النهائية للأسفار والعقيدة المسيحية هو الاجتماع العالمي/ المسكوني المعروف بمجمع نيقية عام (325م) والذي انتهى باقرار قانون الايمان. [The Creed].

ولما كانت مدارس الاسكندرية، تتدارس الاتجاهات الفكرية المتنوعة للفسلفة الإغريقية، ومنها الاتجاهات والمدارس الحديثة وفي صدارتها الرواقية والغنوصية والهللنستية. فوصول المسيحية للاسكندرية، شكل مواجهة فكرية وفلسفية ودينية بينها وبين الاتجاهات والطروحات السائدة فيها.

هذا الالتقاء/ المواجهة كان امتحانا للطرفين في مواجهة الآخر، اقتضى معلمين ومدافعين من الكفاءة والأهلية واللباقة، في كل جانب، ما يجعله أهلا وكفؤا لتقديم أفكاره بجدارة ومن غير زيغ أو مراوغة.

وإذا كان أساتذة الاسكندرية معروفين بباعهم وانحدارهم العريق من ذرية فلاسفة الإغريق الكبار، فمن هم معلمو المسيحية من ذوي الباع والخطاب الفلسفي الموازي لأساتذة الاسكندرية.

لقد برز من الاسكندرية اعداد من المتعلمين الأغارقة واليهود والمسيحيين لاحقا، منهم أساتذة وعلماء وسحرة وقادة حركات اجتماعية. سفر أعمال الرسل، يشير إلى بعض أولئك (أع 6: 9)، ومنهم أبلوس "اسكندري المولد، فصيح اللسان، خبير في الكتاب."-(أع 18: 24). يضاف لذلك أثر الاسكندرية في الحياة المصرية عامة، وفي صفوف رجال الدين  الذين يقودون الكنيسة المصرية.

لكننا نعرف أيضا أن عدداً من أساتذة الاسكندرية قبلوا الايمان المسيحي، وشكلوا واجهة له، أمثال أثينا غوراس [133- 190م]، بنتينوس الذي اعتنق المسيحية عام (181م)، كلمندس السكندري [150- 215م] وأورجانوس [185- 254م]. وتعرف هاته المرحلة بالفكر الآبائي أو آباء الاسكندرية.

ولابد للقارئ –أخيرا-، من التمييز والفصل بين المقصود بمدرسة الاسكندرية الإغريقية، ومدرسة الاسكندرية اللاهوتية التي ترد غالبا في الكتابات القبطية المصرية وينسب تأسيسها للمار مرقس الرسول. أما مدرسة الاسكندرية فالمقصود بها مدرسة الموزيم (المتحف) التي أنشأها بطليموس الأول.

(6)

تقنين الايمان..

لم تصل المسيحية إلى أروقة مدرسة الاسكندرية عن طريق الدعاة والمبشرين، وانما فلاسفة الاسكندرية اهتموا بها وبمناقشتها، ضمن اهتمامهم بحركة الافكار وما يستجد بين الناس. وهكذا وجدت المسيحية نفسها مباشرة بين أيدي الفلاسفة – الوثنيين- قبل أن يتسلح أصحابها بالعدة الفكرية اللازمة لمواجهة الجدل الفلسفي. ونسجل هنا، ان الشخص الوحيد المؤهل لهاته المهمة هو بولس الطرسوسي الذي حصر كرازته في شمال المتوسط، بين الإغريق والرومان، ولم يصل إلى مصر، أو يتدخل في ما يجري فيها. وبحسب التقليد الكنسي، تولّى مرقس الكرازة للمسيح في أرض النيل. وهو الذي أستهل انجيله بعبارة (يسوع المسيح ابن الله) كما تقدم.  لكننا لا نعرف عنه أكثر من ذلك من ناحية التعليم، وهو من مرافقي بطرس الرسول.

ويبدو أنه، في مرحلة البدء، صدرت كتابات وطروحات عنيفة من مدرسة الاسكندرية، من الرواقيين أو الغنوصيين، تهاجم المسيحية أو تفنّد بعض طوانبها. وكان ذلك موجعا للكنائس المسيحية الحديثة في مصر.

ولا ننسى النظرة الدينية التقليدية للأمم من غير اليهود، والتي استعارتها المسيحية الأولى، وموقفها من (الوثنيين)، وازدراء العاملين بالفلسفة بوصفهم حكماء أرضيين/ علمانيين، والشائعة لليوم في تكفير العلمانيين ووصف الفلاسفة بالزنادقة.

الكتبات المسيحية عامة تشير للفلسفات الغنوصية ووغيرها بوصفها (هرطقات) ليست خارجة عن (الايمان) وانما تهدده. هذه النظرة اليهودية القديمة انتقلت للمسيحية ومنها إلى الاسلام. كما أفرز نوعا من العدائية أو الانفصال بين العقل والدين، وبين الثقافة والايمان.

حل الاشكالية سوف يظهر من داخل مدرسة الاسكندرية نفسها، بقبول أثينا غوراس للايمان المسيحي وتسجيله سلسلة من رسائل الدفاعيات عن الايمان المسيحي، والذي ينتقل الى تلميذه بنتينوس ومنه إلى كلمندس ومنه إلى اوريجانوس، في سلسلة سوف يكون لها شأن بارز في تأسيس الفلسفة المسيحية، وتترك إرثا غنيا من الدفاعيات والمساجلات الفلسفية والايمانية، ناهيك عن الشروح والتفاسير والحلول الفكرية واللاهوتية لعديد من اشكاليات ذلك الحين.

صحيح ان الكنيسة المصرية تحررت من حرج نسبي، ازاء التحول الفكري لبعض أركان مدرسة الاسكندرية، لكنها لم ترفع عنهم نظرة الازدراء، ولم تعترف بكتاباتهم الابائية ضمن أدبيات الكنيسة المصرية.

وسوف يتم لاحقا انشاء مدرسة لاهوتية في الاسكندرية، تصادر تسمية مدرسة الموزيم الأساسية وأدبياتها، في حرب باردة لمواجهة (الأجنبي) تحت يافطة الدين، ومسبة الهرطقات المتعاقبة لتأثير مدرسة الاسكندرية. رغم ان (الهرطقات) كانت في أكثر من بلد، غير الاسكندرية، وذلك بناء على تعريف (الهرطقة) بأنه كل ما لا يوافق الكنيسة المصرية (د. يوسف زيدان)، حسب القاعدة الدينية الخطيرة: (كل من ليس معي فهو ضدي)!.

ثمة اشكاليتان جوهريتان في هذا الصدد، تتمحوران حول فكرة (الكنيسة الوطنية):

أولا: الموقف من الأجنبي وجودا وفكرا  على أرضي!.

ثانيا: الموقف من الكنائس الوطنية الأخرى!.

لقد قدم التاريخ خدمة مجانية عمياء بتصفية كنيسة أورشليم بعد دمار المدينة عام (70م) وتهجير أهليها من العودة إليها، يهودا ومسيحيين وسواهم. ونقرأ في أعمال الرسل (أع 11: 19)، خبر انتشار التلاميذ وأتباع المسيح في الأمصار.

أما كنيسة انطاكية والكنائس السورية والعراقية فقد كانت ضحية الصراع والحروب المتبادلة بين الفرس والرومان، مما منع ازدهارها واشتداد عودها، ناهيك عن خضوعها المستمر للاحتلال وغياب الحكم الوطني المحلي القوي.

وجاء قيام امبراطورية بيزنطة [323- 1550م] ومركزها القسطنطينية، ليفتح باب التنافس والصراع المميت والغبي بين باوبوية روما/ (روم كاثوليك)، وبطرياركية القسطنطينية/ (أغريق أرثوذكس).

كل هذه التغيرات والظروف المضطربة والبعيدة عن الاستقرار والثبات، هيأت للكنيسة المصرية حالة استثنائية، من البعد عن مواقع الحصار، والاستقرار داخل حدودها الوطنية، وبالتالي للتمتع بخطاب ثابت ومستقر، قادر على التواؤم مع الحكام والحكومات الطارئة على وادي النيل.

في ظل مثل تلك الظروف السياسية القلقة، انعقد مؤتمر نيقية (325م) لابطال هرطقة أريوس السكندري، ونجاح رسل الكنيسة المصرية في السيطرة على الموقف وتصدره بتقديم مسودة قانون الايمان واقراره من قبل المجمع، والمعروف بقانون أثناسيوس الذي كان شماسا يومها، قبل ترقيته الى بطرك لاحقا.    

موقف الكنيسة المصرية/(أقباط أرثوذكس) كان سلبيا من الأغارقة والرومان، كما هو من غيرهم، بدعاوى تتصل بصفاء الايمان، أو الهرطقات الوثنية؛ لكنها وظفت لنفسها ظاهرة الهللنستية، ليس في الجانب الإغريقي فحسب، وانما في تمصير المسيحية أيضا.

وعندما تتردد فكرة (وحدة الكنيسة) في غير بلد ومنها مصر، تظهر فكرة المرجعية الوطنية ومقولة (الكنيسة الأم) لاحتواء/ ابتلاع الطوائف المسيحية المصرية من كاثوليك وبروتستانت.

قانون الايمان من الناحية التاريخية، اقترن بنهاية عصر الاضطهاد والاستشهاد المسيحي، وتحول المسيحية إلى ديانة رسمية للامبراطورية الرومانية والبيزنطية. ومع تقنين الايمان، بدأت كل كنيسة وطائفة بتقنين الصلوات والتسابيح وجملة طقوس وفرائض جامدة، يرددها أتباع الديانة، بغير وعي أو ايمان، بقدر ما هو انتماء ديني قومي/ قبلي/ ديني، تمييزا عن ابناء الأقوام والبلدان والديانات والطوائف الأخرى.

الواقع ان رجال الدين ما كانوا في لزوم للهللنستية لمزاوجة فكرة الايمان الجديد بالتقاليد القومية والمحلية المتوارثة، لأن طبقة الاقطاع الديني كانت على الدوام تمثل السلطة الحاكمة الثانية إلى جانب الفرعون في مصر، أو القيصر في روما. وبالتالي، ما كان رجال الدين على استعداد للتنازل عن سلطة دنيوية متوارثة، والاندماج في صفوف الشعب/ القطيع، وخسران جملة الامتيازات والمكاسب والجاهات التقليدية الموروثة.

عندما كان الإغريق يحكمون مصر، زاوج الكهنوت المصري تراثه مع أفكار وتقاليد العبادة الإغريقية، والواضحة ليوم في اللغة وكتب الصلوات والأدعية والرموز المتشابهة بينهما. وعندما حل الرومان محل الإغريق في حكم مصر، بدأ تزاوج المسيحية مع التراث الديني المصري المعهود، وبشكل يحفظ لطبقة الاقطاع الكهنوتي مكانتها في النظام السياسي والديني الجديد. ويمكن ملاحظة وتتبع نفس التقنيات مع ظهور قمر الاسلام في مكة، والحكم العربي اللاحق لمصر، دون فقدان الكهنوت الديني التقليدي مكانته الاجتماعية والسياسية.

وعلى الجانب الآخر من الأوقيانوس/ البحر المتوسط، كان يحدث الأمر ذاته في روما، قبل أن يحين موعد انقسام الكنيسة إلى شرقية وغربية، في مجمع خلقيدونيه عام (455م).

وبموجب تمكن سلطة الكهنوت ونظامه التعسفي في المسيحية، جرى احتكار مفاتيح الملكوت في أيدي طبقة الكليروس، وتحويل نعمة الحق والفداء إلى جملة (أسرار مقننة) محتكرة بأيدي وكلاء الملكوت، وتباع للناس في صورة كوبونات وصكوك، ولقاء أموال وعبوديات اقطاعية.

ولا غرو ان يعلن لاهوتي كبير من القرن الرابع الميلادي،- قرن نهاية الحرية في المسيح، وبدء الاقطاع الكليروسي- هو يوحنا الدمشقي ذهبي الفم [347- 407م]، ان الكنائس المنتشرة في الأرض والمحتشدة بالناس، خالية من المسيح!.

ان خطورة فكرة الكهنوت، غير الأصلية في الانجيل، تتمثل في انفصال طبقة رجال الكهنوت/ المعلمين والقادة الكنسيين، عن طبقة شعب الكنيسة. ولما كان شعب الكنيسة هو جسد المسيح في الفكر الانجيلي؛ فقد فصل قادة الكنيسة أنفسهم – عمدا واصرارا- أنفسهم عن جسد المسيح. وفي حين يدعون أنفسهم أوصياء على الشعب، - أي: جسد المسيح-، يجعلون أنفسهم – بإرادتهم خارج جسد المسيح، وبالتالي، خارج ملكوت المسيح.

خريطة الخلافات الدينية والصراعات الكنسية العالمية والوطنية والمحلية، وانعكاساتها السياسية والاجتماعية، تتحمل المسؤولية المباشرة، إلى جانب الجمود الفكري والتردي الثقافي، في ظهور الاسلام/ (الدكتور اكرام لمعي).

(وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا)-(البقرة 253)

على الصعيد الثقافي والفكري، سجل نهاية عصر الفلسفة والثقافة الإغريقية، بداية عصر الجمود الكنسي، حيث تبدأ الحرب ضد الفلسفة، ممثلا بترتليان الليبي [155- 240م] وأثناسيوس [296- 373م]، – بوصفها باب الهرطقات-، ويمتنع باب التأليف والاضافة من أوغسطين الجزائري [354- 430م]، حتى ظهور توما الاكويني [1225- 1274م]، وهي الحقبة التي فيها بدأت الدولة العربية الاسلامية بالظهور حتى نهايتها على أيدي المغول (632- 1256م).

(7)

اللوغوس الاسلامي..

(واذ قالت الملائكة يا مريم ان الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسي ابن مريم وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين) )- آل عمران 45(

(انما المسيح عيسي ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها الي مريم وروح منه) - )النساء 170( .

ها هو (القرآن) يقر بعقيدة اللوغوس الإغريقية وتشخيصها الانجيلي، بل ويضيف إليها البعد الروحي المتجسد في المسيح. وبهذا الاقرار المبدأي يخطو بشكل منسجم مع العقائد والأفكار الأصيلة قي نشأة الكون وخليقة البشر: (به تكون كل شيء ولأجله كان!).

لكن هذا الفهم، في الواقع هو قطع واقتباس جزئي لا ينسجم مع سياق النص المتمثل في (أسباب النزول) من جهة، وجملة الخطاب القرآني في الموضوع.

فالمقصود هنا ليس (مبدأ) اللوغوس ولا شخص المسيح، وانما هو لا يتحدث عن المسيح عموما، قدر ما يتحدث ويعني بشخص مريم البتول. والتوقير الفائق لمريم (سورة مريم المكية، وسورة آل عمران بعد الهجرة)، والمستند أدبيا لانجيل البتولية ومصادر ابوكريفية/ غير قانونية في الأدب المسيحي، تنسجم ظاهريا مع صورة العبادة الأرثوذكسية والكاثوليكية (قانون أثناسيوس المصري) التي تتوجه إلى (مريم أم الاله!) في طقوسها وصلواتها وأدعيتها وتسابيحها وطلباتها؛ بدل التوجه المباشر للوغوس المتجسد وأصل كل شيء وصاحب كل سلطان في الأرض وفي السماء.

ولا يخفى قوة عرى التجارة والتبادل بين العرابيا وأهل الحجاز، مع المصريين من جهة، ومع البيزنطيين والرومان في نفس الوقت. كما لا يغفل البعد السيكولوجي والاجتماعي لبيئة النص، وراء التركيز على قصة مريم المركزية في القرآن، وذلك لتقديم أجوبة وأشارات غير مباشرة بطريق الاستعارة والاستعاضة؛ وصولا لمعيارية التقابل والتبادل والتناظر الزمني بين [عيسى ابن مريم] وبين (محمد بن آمنة).

ولدى قراءة جملة النص السابق: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ، إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ)- (النساء 171). نستشف ان عبارة (لا تقولوا الا الحق)= (القول الحق) وهي من أسماء المسيح (مريم 34).

وما الفارق بين (كلمة الله) و(قول الحق) إلا أن يكون هو نفسه شخص المسيح. فالمسيح هو (الحق) أي المبدأ  أو الأصل أو فكر الله، عقل الله، قصد الله، المشيئة الالهية، أذن الله- الواردة في القرآن – انظر التناظر الحرفي واللفظي بين: (اذن: ابن/ باذنه: بابنه!). وهو كلمة الله، اللوغوس، المنشئ، الخالق، المحيي.  وكل ذلك هو: المسيح الكلمة.

أما (أهل الكتاب) فهم (اليهود) حصرا، أتباع التلمود. ولعل هذا من الأسباب التي جعلت (محمد) شديدا على اليهود (خيبر ويثرب)؛ بينما اشتد أتباعه من بعده على المسيحيين، كما هو الأمر حتى اليوم، مقابل مداهنة اليهود.

ان دلالة (كلمة الله) تتراجع وتبدو هامشية/ عديمة المعنى، لدى القراءة التفسيرية، بجانب (روح الله) الأكثر هيمنة على السياق. وقد فسر الرازي [1149- 1209م] (روح منه) بقوله: "انه روح الله لانه واهب الحياة للعالم "، مما يتصل بتكوين الخليقة. فيما يفسرها البيضاوي[؟ - 1286م] بقوله "سمي روحا لأنه كان يحيي الأموات وقلوب البشر"، مشيرا إلى معجزات يسوع المسيح الانجيلية.

(الكلمة) في الخطاب القرآني هو كناية عن (الوحي/ جبريل)، فيما (روح) هي (دالة النبوة) الاعجازية أو (روح النبوة/ النبوءة) كما ترد في البايبل. وبعد حادثة الجمع العثماني [575- 656م] للقرآن، تم أضافة بعض التقاليد القرائية، منها وصف القرآن بأنه (كلام الله) والدلالة عليه بالقول: (قال تعالى)، وإضافة عبارة (صدق الله العظيم) عقب القراءة أو الاقتباس. 

وإذا كان المسيح الكلمة هو المعجزة في ولادته وقيامته، فإن (الكلمة) هو المعجزة والاعجاز، الذي يصف المسلم به (القرآن) بطريق الاستعاضة/ الاستعارة، عقب وصف (القرآن) بأنه: (كلمة الله/ كلام الله). مع الفارق الجوهري المتمثل باللاهوت السرمدي. فالمسيح حي أزلي، وسلطانه أزلي مستمر من دور فدور، وهو ما زال يحيي ويشفي ويعمل وله حضور في حياة الكثيرين وفي حركة الزمن، وإليه يعود أصل الأشياء وأمرها في المنتهى، المخلص والديان ومعيد التكوين.

أما القرآن، فهو كلام مجرد، وأبنية لفظية بلا روح أو حياة أو فاعلية وتأثير. وتبعا لهذه المقايسة، استبدل (علماء) الاسلام المصطلح العالمي (اللاهوت) بعبارة (علم الكلام) الأكثر إحالة على أرسطو ومنطقه الذرائعي.

فكما التفت الكنائس التقليدية، الشرقية والغربية، على لوغوس المسيح، بعقيدة (أم الاله)، جاء الاسلام في نفس السياق التاريخي والديني، لتجريد لوغوس المسيح من جوهره اللاهوتي وقدرته الكفارية الخلاصية والإحيائية، مؤكدا تصنيم الطقوس والفرائض والعبادات وتقديس الغرائز والرغبات الأرضية والجسدية. وكما استعارت الكنائس التقليدية صورة المعبد وهيكل العبادات والطقوس والمدرج الكهنوتي من الديانة اليهودية، خلافا لحكمة يسوع المسيح في انقضاض الهيكل (لو 21: 5- 6) والعبادة بالروح والحق (يو 4: 21- 24). استحيى الاسلام شريعة الفرائض الجسدية وأحل الكعبة المكية محل هيكل أورشليم المنقض.

فمن نتبع الآن، هل نتبع لوغوس هيرقليدس أم منطق أرسطو؟؟..

هل نتبع أفلاطون في جمهوريته، أم نتبع ملكوت المسيح الأول والآخر، البداية والنهاية؟؟..

قفل الكلام.. الكلمة تحيي.. الكلمة تخلص.. الكلمة تغير!..

به.. ولأجله.. وإليه.. كل شيء كان ويكون.