محطات واضاءات قيميّة في سرد سيرة نموذجية (6/10)
أهمية الشورى في تقدم المجتمعات.
بعدما تجلّت صفات وخصائص صاحبنا الأخلاقية لدى أهل "مدينة الصمت" حَيْثُ عُرِفَ عَنْهُ السّمْتُ والوقارُ وحسنُ الأُلفة والجوارُ واكتسابه لفنون النقاش وكيفية المهارة في إدارةِ الحوار والاتصّال العقلاني مع الآخر - الذي نحنُ في محطِّ ابتلاء مع هذا الآخر- إنّهُ الآخر الذي نَعِيشُ مَعَهُ على ظهرِ هذا الكوكب المليء بالصراعاتِ والتجاذبات الاجتماعيّة والسياسيّة والأثنيّة والعِرْقِيّة والدِينِيّة ...الخ.).
كانَ لصاحبنا دوراً ملحوظاً في خلقِ تحولاتٍ وتفاعلاتٍ اجتماعية مؤثّرة في وسطِ أهل مدينة الصمت وقد تمثّل هذا الدور في خلقِ صياغةٍ فكريةٍ توعوية جديدة على صعيدِ الفكرِ والمعرفة.!
لقد أُعْجِبَ الجميع من أهلِ مدينة الصمت بشخصيةِ صاحبنا وتوافدوا عليه بالسلام والاحترام والتبجيل لذاته ولمكانته العلميّة التي استهوت عقولهم وجعلتهم ينجذبون إليهِ بأن يجمعوا أمرهم على ترشيحه كوجيهٍ وكقائدٍ لشؤون حياتهم لما كان يتمتّع به من أهلّيةٍ وجدارة في كيفيةِ فَهْمِ إدارة شؤون حياة الناس واستيعابه لمفاهيم القيادة السياسية لشؤون المجتمع، يشهد على ذلك بصيرته ومعرفته للأمور ومدى علمه وحكمته البالغة في تشخيصه للواقع الاجتماعي والسياسي لأهل المدينة فهو كان دائماً سبّاقاً لمعالجة كافة القضايا المصيرية التي تُجَابِههم جرّاء المشكلات والتحديّات التي كانت اكبر هم يواجه أهل مدينة الصمت آنذاك. فالمتجمع عادةً ما يكون عرضةً للتحديات والعواصف أو للمواجهات والحوادث أو للموجات والبواعث الخارجية التي غالباً ما تكون محط ابتلاء للإنسان من هنا يقتضي عليه معرفة الحيثيات والتكهُّنات في كيفية التعامل مع الخلفيات والآثار السلبية التي قد تترتب على هذه المشكلات، وإذا كان المجتمع أو المجتمعات تتمتع بقوة وعيٍ تام حول إيجاد الكيفية أو اكتشاف الطريقة الفاعلة والمؤثرة لمجابهة تلك الأخطار فآنئذ يعتبر هذا الصنف من المجتمعات راشداً لأهدافه ومنطلقاته أو غاياته وتوجهاته الفكرية.
إنّ يقظة المجتمع وبصيرته تُحَتّمُ عليه الحذر من الوقوع في المشكلات ويجب عليه مجابهتها بالحكمة والعقل حتى يتغلّبَ عليها وأنْ لا يكون طعماً سائغاً لها تبتلعه وتقضي عليه وبالتالي يكون في مهب الرياح الجارفة التي قد تعصف به وتجعله مجتمعاً متفككاً ومتشتتاً.
لقد عُرض على صاحبنا منصباً هامّاً بأن يكون في مقام الرئاسة للمدينة ليصبح والياً على أهلها بسبب كفاءته العلمية والمعرفية في الأمور الحياتية إضافة إلى مؤهلاته التي كانت تؤهله بأن يتسنّم مثل هذه المناصب والرُّتب لكنّ صاحبُنا رَفَضَ هذا العرض من قبلِ أهلها من اجلِ بقاءه في موقع الاستشارية "المشورة" فقط فصاحبُنا لم يكن يتطلع في يوم من الأيام إلى مناصب سياسية أو مواقع دنيوية ليتقلّدها لأنه يرى في ذاته رغبةً في التفرغ للعمل من أجل خدمة الناس وإيلائهم الرشد والنصيحة وتوجيههم نحو الطريقة المثلى.(1)
عندما أصرّ الجميع على صاحبنا بأن يتقدم لترشيح نفسه لرئاسة منصب المدينة ويكون والياً على أهلها قال لهم صاحبنا إني أنصحكم بممارسة المشورة بينكم لإدارة شؤون حياتكم بأهليّة تامّة أي بقيادة ودراية تستطيعون من خلالها رسم معالم خريطتكم المصيرية التي تتمثل في ترجمة أهدافكم وغاياتكم المنشودة لبناء مستقبلكم بناءً حضارياً وثقافياً ينعم فيه الجميع بخير وسلام.
لقد ركز صاحبنا في خطبه ومحاضراته على مبدأ أساس وهو تفعيل تدارس مفهوم الشورى بينهم لكي تتلاقح أفكارهم ورؤاهم نحو العمل الأمثل ويكونوا بذلك في ريادة الطليعة المؤمنة بمبادئ الإنسان وتطلعاته الدنيوية.
وإذا كانت مُحاضرات صاحبنا قد تمحورت حول مفهوم الشورى فلا بأس أن نتطرق إلى أهمية هذا الجانب الذي يشكّل لبنة أساسية في دعم تقدم الأمم والمجتمعات الإنسانية في كثيرٍ من مجالاتِ الأمور الحياتية.
"إنّ منطق الشورى يعني عدم الانفراد بالتصرف قبل معرفة ما يقدم الإنسان عليه في أي أمرٍ من الأمور وهي بطبيعتها تستلزم حصول المناقشة في الأمر والحوار فيه وتبادل وجهات النظر حوله والعناية به حتى تظهر المصلحة من خلال الحوار الذي يكون من نتائجه الاستفادة من مزايا القرائح لأنّ لكل عقل مزيّة إذ أن من طبيعة الشورى أن تتعدد الآراء وتجول فيه الخواطر والأفكار فيتذكر كل واحد من المستشارين نتاج خاطرته وفكره ثم يعرض على المستشير ما لديه من علمٍ وتجربةٍ وخبرة؛ فإنّ من خصوصيةِ الشورى أنّها نظام يشمل جميع مناحي الحياة وأن المستشير يستفيد من ثمرات العقول حسن التصرف وحسن التدبير وحسن التخطيط والتطوير، فالشورى حوار ومناقشة، وبحث عن الصواب، ومحاسبة وشكوى واستيضاح واقتراح كما أنها تدعو إلى التأنّي في الأمور وإلى الحزم وإلى الدراسة وإلى العلم وإلى ردّ الأمور إلى نصابها، وتبعث الإنسان وتحثّه على أداء الأمانات إلى أهلها، فأضعف الرأي كما قيل ما سمح للبديهة ابتداءً وأقربه إلى الصواب ما تكررت فيه الفكرة وأحكمت فيه ولهذا جاء في الحديث: «ما تشاور قوم إلا هدوا لأرشد أمورهم»، أي أن الشورى طريق هداية تعصم من الضلال قال الله في محكم كتابه الكريم: بسم الله الرحمن الرحيم {وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} فالشورى إذن هي منهج حياة حيث تعم كل الأمور الاقتصادية والسياسية والثقافية والاجتماعية في كل ما لم يرد فيه نص، فهي تُقوّي أواصر الأخوة والمودة والتعاون بين الأفراد والجماعات، وتجعل المسلم يتميّز بالحس البليغ المرهف على مصالح أمته ودينه ووطنه، وتغلق أبواب النقد والطعن والتشهير وتوحِّد صفوف الأفراد والجماعات، وتقي الدول ومؤسساتها من التمرد والانقسام والاقتتال، وتكون وقاية وحماية من مخاطر التشرذم والذل والفشل وتعصم في كثير من الحالات الإنسان من الظلم والوقوع في الخطأ، وتعود الناس على الحلم وتلقي الرأي المخالف بسعة الصدر وحسن التفهم، وتمنع أيضاً من إثارة الفتن والحروب، وهي وسيلة واقية من التخلف والاستبداد الثقافي".(1)
* المصادر:-
1- الشورى في الشريعة الإسلامية: دراسة مقارنة بالديمقراطية والنظم القانونية / حسين بن محمد المهدي ؛ تقديم عبد العزيز المقالح – 4/7/2006م