في رثاء يسوع المسيح (2) - (يسوع المسيح لم يكن ضعيفا)...

وديع العبيدي قرأها 1,757

في رثاء يسوع المسيح (2) - (يسوع المسيح لم يكن ضعيفا)...

(يسوع المسيح لم يكن ضعيفا)...

"من أجل دينونةٍ أتيتُ، وليكونَ لكم أفضل"!

(1)

أمام مشهد الصليب، تجمّع الشعبُ للفرجة وإطلاق التعييرات الساخرة..

-      يا هادمَ الهيكل وبانيه في ثلاثة أيام، خلِّصْ نفسَك: - (متّى 27: 40)

-      إن كنتَ ابْنَ الله، فانْزِلْ عن الصليب!- (ماى 27: 40)

-      خلَّصَ غيرَه، أما نفسُه فلا يقدرُ أن يخَلِّصَها!- (متّى 27: 42)

-      إذا كان ملكُ إسرائيل، فليَنْزِلْ عن الصليب، فنؤمنْ به!- (متّى 27: 42)

-      توكَّلَ على الله، فلْيُخَلِّصْه إذن!- (متّى 27: 43)

-      قال أنه ابن الله، فلْيُخَلِّصْه أبوه إذن!- (ماى 27: 43)

-      إن كنتَ أنتَ ملكَ إسرائيل، فخلِّصْ نفسَك!- (لو 23: 37)

-      ألستَ أنتَ المسيح، إذن خلِّصْ نفسَك وخلِّصْنا!- (لو 23: 39)

أما الضابط الروماني، قائدُ المائة، المكلَّفُ بحراسة المكان، فوحده قال:

-      بالحقيقة كان هذا الإنسان بارّاً!- (لو 23: 47)

لماذا لم يرّد يسوع الكلمة فوق الصليب، على تساؤلاتهم وتحدّياتهم السّاخرة.

فعندما ينكسر الإنسان.. عندما يقع فريسة المرض أو الشيخوخة أو المكر، يتحوّل إلى هدف للشّماتة والتجريح والانتقام، وهي جزءٌ من طبيعة الجسد الأجوف. انظر إلى المكسورين والضعفاء، المرضى والمأسورين، السجناء والمضطهدين مِن حولِكَ، وتفكّر في نظرتك إليهم وموقفك منهم، بما فيهم أولئك الكانوا رفاقَك ومن دائرة أصحابك بالأمس.. اسْألْ نفسَك ماذا فعلتَ من أجلهم، وربما ضدَّهم، واعلم.. انك لستَ أفضلَ مما حصل في مشهد الصليب!.. أرصفة المهمشين مزدحمة بالأصدقاء، والسجون مسجورة بالرفاق في الفكر والرأي أو الطريق، وأقبية الاستغلال والابتزاز حافلة بمن تعرفهم أو يعرفونك، وتتعاطف مع قضاياهم وحالاتهم الإنسانية، أنما يأخذك الحرصُ على المعيشة وحبِّ السلامة..

(أنا مش أحسن من اللي... خان وأنكر واللي باع!

فوراء كل سجين ومضطّهد ومهمّش وأسير ومقتول، شخصٌ هو الواشي والمفتري والمشتكي والقاتل.. ليس بعيدا عنك أبدا، كل ما ينقصنا هو الجرأة، والصدق مع الذات!. فالدّعة والشّبع في زمن الفساد والمظالم تهمةٌ أمام الضمير!.

لا أحد يتوقع، أن يكون الضابط الروماني قائد الحرس، المعتبَر ممثلاً للدولة، أصحى ضميرا وأصدقَ وعيا من اليهود الذين خدمهم يسوع الناصري، وأشفى مرضاهم وحرّرهم من أنواع العبودية.. وتلك هي علامة فارقة بين الغوغاء- يسمُّونهم اليوم (الرأي العام)، ويمثّلون الدمقراطية الأمريكية-، وبين النخبة المثقّفة، المقموعة والمهمّشة في مبتدأ الألفية الثالثة.

رسالة يسوع كانت مساعدة الغوغاء/ الخطاة، للرّقي والارتفاع لمستوى النخبة والأبرار. لذلك فَصَلَ الفصْلُ الأخيرُ للإنجيل بين مشهد الصليب الذي يسوده غوغاء القطيع، ومشهد العليّة الذي يمثل التلاميذ والأتباع المخلصين- وراء الأبواب المغلقة خوفا من اضطهاد اليهود. "كان التلاميذ مجتمعين في بيتٍ أغلقوا أبوابه خوفا من اليهود|!- (يو 20: 19)

والآن.. دعنا نعالجِ الأمرَ بطريقةٍ أخرى.. ماذا لو أن يسوع استجاب لتلك الاستفزازات والأسئلة، فكيف سيكون رده عليها؟!!..

بالتأكيد كان يسوع يسمع ما يقال، ويتفاعل معه.. وندرك من واقع الأحداث الإنجيلية كيف كان يهتم بأحاديثهم وما يدور في خواطرهم.. وكان الاحتمال واردا جدا، أن يرد عليهم، ولا يبقى ساكتا، وكأنه ضعيفٌ، عاجزٌ عن الرّد أو التصرّف، بما يفحمهم، كما كان يفعل من قبل.

القاسم المشترك للاستفزازات والتمنّيات تتلخّص في عبارتين ذات مدلولٍ واحد:

1-     انزَلْ عن الصليب!

2-     خلِّصْ نفسَك وخلِّصْنا!

الأولُ مظهرٌ فيزياويّ، والثاني جوهرٌ روحيٌّ نفسيّ.

لقد ردّ على لصِّ اليمين مباشرة ردّاً روحيّاً في فحواه. وقاد الشعب في مزمور قائد المنشدين على أيّلة الصباح (مز 22).. وبقي الناس ينتظرون معجزة جديدة.. على طريقة الملاحم اليونانية وأفلام هوليود الاسطورية.. نار تلتهم مدينة.. تنّين يبتلع البحر.. رجل وطواط يرفع نصف الأرض بيده.. القصص والخرافات هي كل ما يشغل الناس: (جيل شرّير يطلب آية، ولا تنفعهم ألا آية يونان) هكذا سبق فوصفهم.

لنفترض هنا أن السيد اعتدلَ في موضعه، ونزلَ من الصليب، ووقفَ أمام الجموع.. ثم سارَ بينهم وتأمّلَهم واحدا فواحدا.. ولسانُ حاله يقول: ماذا الآن.. لقد نزلتُ عن الصليب.. كما طلبتم.. هل تؤمنون بي؟.. ما هي الخطة التالية؟..

الموضوع يتعلّق إذن بعلم نفس الجماهير.. ليس الجماهير بالمفهوم الثوري، ولكن بمعنى الغوغاء.. الجماهير البدائية المغْوية بالهرج والمرج والسلب والنهب واللعب والضحك بلا سبب ولا هدف.. الجماهير بالمفهوم الأمريكي المعاصر للتاريخ.. الجماهير العراقية التي ردّدت وسائل الاعلام العالمية حرصها على تحريرها من الدكتاتورية ونقلها إلى جنة هوليود، كما تحقّق في كابوس مارس 2003م وكما يتحقّق الآن في سوريا بالتمثيل البطيء.

إعدامُ صدام في فجر عيد الفصح/ الفطر الاسلامي هو عزفٌ على الوتر التوراتي القديم، لتقديم أضحية الشعب – الشعب الأمريكي هاتِه المرة!-. مقتل القذافي بطريقة سوقية وحشية، - تذكر بمشهد القبض على تشاوشيسكو وزوجته واعدامها من قبل الغوغاء، والمذكر بدوره بملاحقة الزعيم الثوري الايطالي موسوليني ضمن مشهد آخر، لإعادة كتابة التاريخ بالمفهوم الأمريكي غير المنفصل تماما عن النسخة الجديدة لسيناريو خلاص العالم.

كل الموضوع يتلخص بعبارة واحدة، تستحضر مشهد قيامة اليعازر (يو 11).. أو نفخة من فمه (يو 20: 22).. لكن "ابن الإنسان ما جاء ليدين، بل ليخلّص!"-  جاء ليعلم، لا ليحكم ويحاكم!. 

وعلى العموم فالعالم من بعد اعدام هؤلاء وصلبهم لم يعد أفضل، بل أكثر ضياعا وفوضى. هذه هي المفارقة في صراع الإرادات، إرادة الأرض وإرادة السماء، إرادة الغوغاء وأرادة النخب المثقفة، إرادة امبريالية المال وملكوت الحكمة والروح القدس.

(2)

ثمة مبالغة غير بريئة في ترويج الصورة الاستهلاكية الذليلة عن المسيح/ المسيحيين، ليس فقط، لتهدئة فرائص اليهود والمتهودين، وانما لتنفير شعوب الشرق الأوسط من قبول رسالة الخلاص والرّقي الإنساني. فالضعف والنعومة والتذلل تتنافى مع الطبيعة والقيم الجسدانية للمشارقة والآسيويين.

واقع الحال ليس كذلك، والشخص الذي وقف في معابد اليهود وتحدّى شيوخ زمانه بالقول والفعل لابد كان بطلا ثوريا وشجاعا مقداما، أعجزَ قدرات السنهدريم وأفشل كل مخططاتهم للايقاع به واعتقاله او اغتياله؛ هذا ليس ضعيفا أو متردّدا، ولا يمكن أن يكون.

ان القتل ليس قتلا واحدا؛ انما هو قتل مركب/ مضاعف. قتل مادي وقتل معنوي. والمحكوم بالموت كان يجري تجريده من ثيابه وحلق رأسه ووضعه على حمار بالمقلوب، والدوران به في الطرقات والأزقّة وسط الفرجة والسخرية والاعتداء عليه من قبل أولاد الشوارع. وكانت ومازالت مشاهد القتل والتعذيب الاستعراضية المجانية تجرى في الساحات العامة وعلى الملأ، لنشر الرعب والإرهاب في النفوس، ومزيد من القتل المعنوي والشماتة.

وما تزال في ثقافتنا الشرقية، تتردد عبارات وأوصاف مشينة بحق الراحلين والموتى، مبالغة في النكاية التاريخية والتسقيط الإعلامي الغوغائي، ومدّ خيوط الفتنة والانتقام عبر التاريخ. انظر الصور الاعلامية والشعبية عن يزيد بن معاوية الأموي وابن زياد والشمر بن ذي الجوشن، وما يقال عن المغول وهولاكو، وما يتبادله السنة والشيعة عن رموز الآخر وما فيه من تعريض وتجريح سوقي مخلّ بالقيم الدينية والاجتماعية عموما.

وفي ألمانيا وضع الغرب تحذيرات دستورية تمنع تداول اسم أدولف هتلر وحزبه بعد الحرب العالمية الثانية. ومنذئذ لم يجرؤ أحد على اطلاق اسم هتلر على ابنه أو متجره، وفي كل عام تقام معارض وفعاليات تندّد بممارسات هتلر النازية وتذكر بضحايا اليهود وقصص أطفالهم ضمن أدب خاص يحتلّ صدارة منشورات دور النشر.

وقد طبقت سلطات الاحتلال الأمريكي نفس الأمر في العراق الجديد بحق صدام حسين وحزب البعث. ويلتزم أركان الحكم وأتباعهم بترديد كلمات – المقبور/ الصنم- عن الرئيس العراقي الأسبق، ومثل ذلك عن حزب البعث العربي الاشتراكي الممنوع  - دستوريا- تداوله أو ترويج أفكاره. هذا هو القتل المركب والقتل المستمر المقصود منه استمرار تخدير العقلية الشعبية ومنعها من رؤية الحق والحقيقة، أو تدبُّر أمرها بعقل حرّ وإرادة مستقلة.

ما يحدث هنا هو إلتفاف على مقولة كارل ماركس في أن – الجماهير هي محرك التاريخ!-. فجماهير اليوم هي ببغاوات الإعلام والمنابر، انها (تقاد من أذنيها) بأصابع الساسة والملالي والشيوخ والفتاوي مثال ذلك: العراقي اللاجئ في غلاسكو الذي قتل  صاحب المتاجر الباكستاني أسد شاه، تطبيقا لفتوى ابي اسحق الحويني حول عدم جواز تحية أهل الكتاب ومشاركتهم أعيادهم. وكل العنف المتمادي ومضاعفاته التي تهدد الأمن العالمي والمحلي، الاجتماعي والسياسي، خلال ربع القرن الأخير، يتحمل مسؤوليته من وراءه من شيوخ المنابر والفضائيات والفتاوي المجانية، ومن يروّج لهم. وأنا أدعو إلى تفعيل أساسيات الفقه القانوني ومبادئ علم الإجرام والمحاكمات الجنائية، التي تنصّ على تجريم دوافع الجريمة وكل من يتورّط في الدعوة والحثّ والتحريض والتشجيع على مسلك يؤذي بالمجتمع والمصلحة العامة، من قريب أو بعيد، جزئيا أو كليا، فعلا أو قولا.

الجماهير – اصطلاح ثوري نابع من قاموس النضال والحركات الثورية الاجتماعية، أُفرغ من معناه وتعرّض للمسخ والنسخ في ظل الثقافة الامبريالية وثورة المعلوماتية المنفلتة، لتدمير اليسار والفكر الثوري الملتزم وحركة النخب المثقفة القائدة. والأصح علميا استخدام مصطلح – الرأي العام- أو الرأي السوقي- تساوقا مع عقلية السوق واقتصاد السوق وسوقية السياسة اليوم.

(3)

يسوع المسيح الناصري الذي جاء ثورة في وقته، قدم مفهوما جديدا للقوة والشجاعة والنضال، مختلفا ومترفعا عن مفاهيم السوق الشائعة وثقافة الجسد السائدة. أعود هنا للتأكيد على فكرة (ملء الأزمنة) التي  ظهر المسيح فيها، وأهمية فهم الذروة الهللينية والهلنستية لفهم خطاب يسوع وأدواته، والتي عنيت مدرسة الاسكندرية بدراستها وتفصيلها في القرون الثلاثة الأولى بعد المسيح.

قوة يسوع لم تعتمد على الجيش والسيف وأدوات الحكم، التي اهتم بها الحشمونيون اليهود من قبله، والمسلمون العرب من بعده، وانما اهتم ببناء الإنسان الجديد. التكوين العقلي والروحي والسلوكي للإنسان الإنسان، وتمييزه عن الإنسان الحيوان. الذي من الجسد هو جسد، والذي من الروح، هو روح وينطق من الروح. الذي هو جسد ينطق من الجسد ومرجعه الأرض التي هو منها، والذي من الروح يصدر من الروح التي مصدرها في الأعالي السماوية (أنوما إليش).

الملاحظة الأخرى، ان يسوع المسيح أول من أسّسَ وصمّمَ وهندسَ هيكلية الحركة الثورية وأدواتها ونظم عملها واستراتيجياتها. هو أول من اختار الأثني عشر وعمل على تأهيلهم وتعليمهم وإرشادهم، وأعطاهم القوة والوسيلة للعمل بين الناس وبناء الأمم، فكانوا بمثابة أركان حركته وأعضاء المكتب التنفيذي للحركة.

وبعد صعود السيد المسيح، اجتمع المكتب السياسي لحركته، وانتخب بالاجماع عضوا جديدا بدل العضو المفقود من الأثني عشر، ثم عاد واجتمع لانتخاب هيئة عملية من سبعة أشخاص (شمامسة) للاهتمام بالجانب الاجتماعي للشعب وسدّ احتياجاتهم المعيشية.

وعلى صعيد الواقع، انطلق عمل التلاميذ (الحواريين) بشكل ثنائي، فانطلق كل اثنين منهم متجهين الى بلد وشعب، للعمل بينها وبناء بذرة الشعب اليسوعي الجديد. هذا العمل المنظم والبناء بلغ أقصى أطراف المسكونة، ومن آسيا الصغرى وبلاد اليونان انتشر وعم كل أوربا الحالية. وكل ذلك بإدارة وجهود الأثني عشر من تلاميذ يسوع المسيح الناصري، وتلاميذ التلاميذ الذي تلمذوا أجيالا جديدة، ما زالت تبني ملكوت المسيح، وتواجه أعتى صنوف الطغيان وحروب الأشرار وذئاب المال والطمع والشهوات والحسد.

 يسوع المسيح بدأ عمله بطرد الصيارفة والباعة وعبيد المال من باحة الهيكل/ المعبد.. ”وإذ اقترب عيد الفصح صعد يسوع إلى أورشليم، فوجد في الهيكل باعة البقر والغنم والحمام، والصيارفة جالسين إلى موائدهم. فجدل سوطا من حبال وطردهم جميعا من الهيكل، مع الغنم والبقر، وبعثر نقود الصيارفة وقلب مناضدهم، قائلا لهم: هلموا اخرجوا من هنا، لا تجعلوا بيت أبي بيت تجارة!”- (يو2: 13- 16).

وجال يسوع المسيح الناصري في الأرض، من تخوم صور وصيدا ودمشق حتى نهر الأردن وجنوبي اليهودية، كارزا بالكلمة ومبشّرا بالملكوت: "توبوا فقد اقترب ملكوت السموات"!، مجرياً معجزاتٍ وآياتٍ كُثُراً. وقبل نهاية خدمته الأرضية جلس في معبد أورشليم أيضا/ (يو 8) معلّما الشعب ومجيبا على الأسئلة، معلنا عن نفسه ورسالته: ”أنا هو نور العالم، من يتبعني فلا يتخبّط في الظلمة بعد، بل يكون له نور الحياة"!- (يو 8: 12)، وصولا إلى ذروة مواجهته للفريسيين (الشيوخ والملالي):

“إن حرركم الابن، فبالحق تصيرون أحرارا. أنا أعرف انكم أحفاد ابراهيم، لكنكم تسعون إلى قتلي/ (قتل الكلمة السماوية)، لأن كلمتي لا تجد مكانا في قلوبكم. أنا أتكلم بما سمعته من الأب، وانتم تعملون بما سمعتم من ابيكم. لو كنتم أولاد ابراهيم لعملتم أعمال ابراهيم، ولكنكم تسعون الى قتلي، وأنا إنسان كلّمتكم بالحق الذي سمعته من الله، وهذا لم يفعله ابراهيم. أنتم تعملون أعمال ابيكم (..) لماذا لا تفهمون كلامي؟ لأنكم لا تطيقون سماع كلمتي!. انكم أولاد أبيكم ابليس، وترغبون أن تعملوا شهوات ابيكم، فهو من البدء كان قتّالا للناس، ولم يثبت في الحق، لأنه خال من الحق!..  وعندما ينطق بالكذب، فهو ينضح بما فيه، لأنه كذاب وأبو الكذاب!”- (يو 8: 36- 41، 43- 44).

وليس ثمة مواجهة صريحة مكشوفة أكثر من هاته، وماذا ينتظر الشيوخ وأدعياء الدين أكثر من أن ينكشفوا على الملأ، أنهم يفترون على الله والناس، لخدمة رغباتهم المادية والتسلطية، لإنجاز تهديد ابليس الذي توعد به الناس: [لأقعدنّ لهم صراطك المستقيم. ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجدنّ أكثرهم شاكرين. قال اخرج منها مذموما مدحورا لمن تبعك منهم لأملأن جهنَّم منكم أجمعين.]- (الأعراف 16- 18).

ان قراءة يسوع الكلمة بعقلية حرة منفتحة، بعيدا عن الاسقاطات التراثية والأفكار المسبقة، سوف تقود إلى فهم جديد وحقيقي لنور الكلمة وحقيقة التعليم الذي جاء لتغيير العالم وتحرير الإنسان من ربقة الماديات والعبوديات والعسف الدنيوي الذي مازال ينتج مزيدا من الآلام والحروب والصراعات والضحايا المغلوبٍ على أمرها.

واليوم.. يندفع الناس أكثر فأكثر في ركب المادة وأنظمة الطغيان، معتقدين أنها تحررهم من الجوع والتهميش والمظلومية.. فإذا بها تزيدهم جوعا وفقرا وألما وضياعا، وتأسرهم في فخاخ لا يستطيعون منها فكاكا.

المشكلة ان الناس – بما فيهم الفقراء والمظلومون والأسرى- يدخلون الفخاخ بإرادتهم، مخدوعين بالشعارات والعناوين والسطوح العسلية اللمّاعة، كما يحدث في شعارات الانتخابات وبرنامج تحرير العراق وسيناريوهات الربيع العربي والفوضى غير الخلاقة، وبشكلٍ جعل الشرق الاوسط منغلقا على نفسه في حال من يأس قاتم لا خلاص منه بغير كارثة!.

(4)

خالق السموات والأرضين.. هل يكون ضعيفا؟؟..

منشئ الجبال والبحار.. هل يكون ضعيفا؟..

أم أن مرسل الرياح ورافع المياه، ومطلق الأعاصير والزلازل يكون ضعيفا؟؟..

هل  يكون المخلوق أقوى من خالقه؟؟..

أم أن العبد يعلو على سيده، والتلميذ يتفوّق على المعلم؟؟!!..

هل صدق قيافا وحنانيا ومن تبعهم، أنهم صلبوا يسوعا الناصري، ليدعوا غيرهم إلى كسر صليبه؟!..

إذا كان الموت نهاية (إنسان)، فلماذا يخافون من صليبه حتى اليوم؟..

"أمرناكم بشدة، ألا تعلموا بهذا الاسم! ولكنكم قد ملأتم أورشليم بتعليمكم، وتريدون أن تحمّلونا مسؤولية سفك دمه!"- (أع 5: 28)

لماذا خاف رؤساء السنهدريم من وطأة صلب يسوع وصراخ دمه، وكأنهم يستغفلون الناس أم يستغفلون الله. أليس أولى بهم – وهم معلمو الكتاب والمعتبَرين حكماءً في نظر أنفسهم- أن يلغوا كتب أشعياء وداود أولا، ويمسحوا من بينها [أش 53، مز 22]، قبل أن يتّهموا الذئب؟!..

لماذا يمعن الفكر الاسلامي السلفي في اضطهاد أتباع المسيح الكلمة، ويمنعون الكنائس أن يذكر فيها اسم الله، ويسخرون أموالهم ومقدراتهم لتشويه رسالة المسيح وتزوير كلمته، جاعلين من أنفسهم أوصياء على رب السموات وكلمته الملقاة إلى مريم وروحه القدوس (النساء 171، آل عمران 45، البقرة 253) الحي الكائن في السماء (النساء 158، آل عمران 55)، وهو قول الحق (مريم 33)، والإنسان الوحيد على الأرض المنزّه عن شر الشيطان (آل عمران 36)، المبارك دائما وأبدا (مريم 30) والوجيه في الدنيا والآخرة ومن المقربين (آل عمران 45). وهو معلم الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل (آل عمران 48) وهو الخالق والمحيي والشافي وعالم الغيب (آل عمران 49).

وبينما يقر القرآن فرادة المسيح وامتياز أتباعه المختارين عند الله" إذ قال الله يا عيسى اني متوفيك ورافعك إليّ ومطهِّرك من الذين كفروا، وجاعل الذين اتّبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة"- (آل عمران 55)؛ يظهر بعد ذلك من يحكم عليهم بخلافه، وينسب لهم ما يصعب قبوله أو تأكيده – والمسيح هو الكلمة ورسول البينات!-. وصولا لقصص الاسلام الشعبي – من خارج القرآن- مما يبدو من تراث وخرافات وهرطقات غير مسؤولة من مخلفات جماعات وثنية، تسيء للصورة الرسمية المتعارفة عبر الزمن للمسيح والصليب والقيامة. 

الواقع، أنه كان أحرى بمسلمي القرن الواحد والعشرين – المتطرّفين منهم، والمقيمين في أجواء الغرب خاصة- أن يتصفّحوا الكتب بعين العقل والتدقيق، ويفصلوا بين الفكر الكتابي الواضح وبين التعليم الديني الشعبي المختلط بالخرافات والبدع والشعوذات. ولا يستسلمون – من باب النّبذ والترفّع عند العلمانيين، أو الخوف والعبودية عند المتدينين- لبضاعة السوق الشائعة، فيكونون من أتباع قيافا، جاعلين أنفسهم تحت وزر سواهم!..

(5)

الصليب.. [Tabernacle]

"المسيح قد أرسلني، لا لأعمّد بل لأبشر بالإنجيل، غير معتمد على حكمة الكلام، لئلا يصير صليب المسيح كأنه بلا نفع. لأن البشارة بالصليب جهالة عند الهالكين، وأما عندنا، نحن المخلصين، فهي قدرة الله. فإنه مكتوب، سأبيد حكمة الحكماء، وأزيل فهم الفهماء! إذن أين الحكيم، وأين الكاتب؟.. وأين المجادل في هذا الزمان؟ ألم يقلب الله حكمة هذا العالم إلى جهالة؟.. فبما ان العالم لم يعرف الله عن طريق الحكمة، فقد سر الله ان يستخدم جهالة الصليب لتخليص الذين يؤمنون!"- (1 كو 1: 17- 21)

قائل هذا الكلام هو بولس الطرسوسي، الذي جعل (العرب) باكورة ارساليته، وعاش بينهم ثلاث سنوات في البادية السورية (غل 1: 17). وتعتبر البشارة بالصليب أبرز خصائص كرازة بولس: "نحن نبشر بالمسيح مصلوبا"- (1 كو 1: 23)، "كنت عازما ألا أعرف شيئا بينكم، إلا يسوع المسيح، وأن أعرفه مصلوبا!"- (1 كو 2: 2). "ولنا بدمه الفداء، أي غفران الخطايا"- (أف 1: 7)، وهو صاحب المقولة الشهيرة: "الحياة عندي هي المسيح، والموت ربح لي:!- (في 1: 21).

والمفارقة التاريخية، أن يكون العرب في رأس منكري الصليب ومقتل المسيح" (النساء 157)، رغم الاقرار بموته (مريم 32). والمعروف – انه لا غفران خطايا بغير الصليب الذي هو الكفارة ومعنى الفداء. وبذلك تستمر الخطية في العالم، وتستمر عبودية البشر لابليس – أصل كل خطية- . بل ان اختصاص بولس ببشارة الصليب، وراء كراهية العرب المسلمين لبولس، واتهامه بتزوير الإنجيل.

أما موت المسيح، -بحسب اللاهوت المسيحي-، فهو دفن الخطية وهزيمة ابليس في قيامة المسيح من الموت. فحيث لا قيامة بغير موت، ينتفي فعل القيامة الذي يجسد معنى الحياة الأبدية. والفكر الاسلامي يؤمن بالآخرة والحياة الثانية، ولكنه في نفس الوقت، ينكر قيامة السيد المسيح المشروطة بموته الكفاري.    

القيامة من الموت هي دالّة الحياة الثانية والأبدية بحسب الفكر الديني السامي عموما. لكن العبور إلى القيامة يحتاج إلى (جسر)، يبرّر الانتقال للحياة الثانية. وهذا الجسر هو (الصليب) الذي تم مرّة واحدة وقدّم كفّارة أبدية عن كل خطايا العالم، والفداء المعلن لكل من يؤمن به. الصليب هو (السلّم) [Tabernacle]

فكرة العبور غير واضحة أو مجسدة في اليهودية والاسلام، وقد تنعدم لدى البعض. ولعل هذا ما صور الحياة الثانية في الاسلام استمرارا للحياة الأرضية، بنفس الأطايب والملذات الجسدية، مما يتنافى مع القداسة.

في نفس السياق ينكر الفكر الاسلامي فكرة (الكهانة) المرتبطة بفكرة (الكفارة) وتقديم (الذبائح والأضاحي) المذكورة تفاصيلها في التوراة، والتي انتفت فعاليتها في صليب المسيح (عب9: 11- 12). فتقدمات البشر /(الحكمة الأرضية) ودماء الحيوانات "لا تستطيع أن تطهر قلوب البشر، الذين يتقربون بها إلى الله، ولا توصلهم إلى الكمال فتريح ضمائرهم. إذ أن نظام (الشريعة) قد اقتصر على تحريم بعض المأكولات والمشروبات وتحليل غيرها، وعلى وضع النظم المختصة بطقوس الاغتسال المختلفة، بل أن كل ما ضمّه ذلك النظام كان قوانين جسدية، انتهى عملها حين جاء وقت الإصلاح/ (ملء الأزمنة). ذلك ان البركات السماوية قد تحقّقت في المسيح. فهو الآن كاهننا الأعلى، الذي يؤدي مهمته في الخيمة السماوية، وهي أعظم وأكمل من الخيمة الأرضية."- (عب 9: ذ0- 12).

في عام (70 م) تمَّ هدْمُ معبد أورشليم بحسب نبوءة السيد المسيح وهو في طريقه للجلجلة (لو 19: 43- 44)، وانتفت مراسمم العبادة الجسدية وطقوس تقديم القرابين، لتبدأ العبادة بالروح (يو 4: 23). ولكن ما حصل، ان (الاسلام) استحيا شريعة الفرائض الجسدية، وعيّن (الكعبة) مركزا لتقديم الذبائح والتقرب لله، دون اعتبار لما حصل مع الديانة اليهودية ومعبد اورشليم؛ وكأن السيد المسيح لم يأتِ، ويحل العبادة المباشرة بالروح، محل العبادات الجسدية، والتقرب لله بالوسائط الأرضية.

(6)

ما هو المقصود بالمملكة؟.. ما معنى الدولة؟..

في الإنجيل تتردّد لفظتان متقاربتان هما: [ملكوت، مملكة] ولها جذر لغوي واحد، مشتقٌّ من الثلاثي المجرّد (م ل ك). ويستخدم البعض لفظة (ملكوت) للدلالة على ملك سماوي روحي، بينما تؤول (مملكة) دالة لدولة أرضية سياسية. وربما لعبت الترجمة دورها في المداخلة بين اللفظين والدالتين.

ولو كان يسوع قائد دنيويا مثل الاسكندر أو موسى وداود، لصحت لفظة (مملكة) هنا.

أما وإنّ (يسوع): (صورة الله الذي لا يرى)- (كو 1: 15) و(الله الظاهر في الجسد)- (1تي 3: 16 ) و (ضياء مجد الله وصورة جوهره)-(عب 1: 3)، فإن المفردة المناسبة هي (ملكوت). لتكون العبارة (ملكوتي ليس من هذا العالم).

"ليست مملكتي من هذا العالم، ولو كانت مملكتي من هذا العالم، لكان حراسي يجاهدون لكي لا أسلّم- (يو 18: 36). ان أحدا في مثل تلك الورطة، لن تنقصه الحيلة والوسيلة للتخلّص من وشاية أعدائه، والهروب خارج اليهودية في أقل تقدير. أليس يسوع الناصري قد جاء بنفسه من مقاطعة الجليل إلى أورشليم لمواجهة الصليب.

فما معنى أن يضحّي شخصٌ بنفسه ويسلّم نفسه للموت، وهو في مقتبل الثلاثين؟.. أليس غرض كل مخلوق التعلّق بالحياة وتملّق سلاطين الأرض والمال؟.. فلماذا يكون يسوع الناصري، استثناء من أبناء الأرض؟.. وإذا كان يسوع يهدف لغرض دنيوي أو مجد بشري ينافس به قادة اليهود، وقادة الحكم الروماني، فما يعوقه عن ذلك؟.. هل تعوزه الفطنة، أم الحيلة، أم الجيوش؟..

كان ليوحنا المعمدان أتباع أقوياء، وكان ثمة جماعة الغيورون (الغيوريون) الذين لا يمشون بغير سلاح، وكان دم سمعان الحشموني (67 ق. م.) ما يزال طريا في الذاكرة الشعبية. وكل أولئك، بما فيهم قادة السنهدريم، كانوا ينتظرون القائد العسكري الذي يبني المملكة، ويخلصهم من حكم الرومان. فلِم لَم يستغل يسوع الناصري تلك الفرص والامكانات التي تنتظره، لتحقيق أغراضه الشخصية وأحلام شعبه سوية؟..

ان الذين لعبوا تلك الأدوار عبر التاريخ، كانوا أقل من يسوع في كل شيء، ولكنهم نجحوا في انشاء جيوش وقيادة معارك وانشاء دول وممالك، وتمتعوا بسلطان وجاه دنيوي. أولئك، لم تكن لهم مقدرة على احياء الموتى، ولا شفاء المرضى، ولا علاج الأكمة والمفلوج، ولا السيطرة على واحدة من شهوات الجسد، ولكنهم صاروا ملوكا وتبعهم كثيرون، فلم قصر يسوع عن بلوغ ما بلغوا؟..

 "مملكتي ليست من هذا العالم"! تلخّص الإشكالية التاريخية واللاهوتية في فهم يسوع من قبل معاصريه ومناوئيه. لو كان يسوع من هذا العالم – على شاكلة الناس-، ومملكته من هذا العالم – حكم أرضي-، لما عارضه اليهود في حينه، وقاومه مقلدو اليهود حتى اليوم،

"يظن الذي يقتلكم أنه يقدم خدمة لله"!- (يو 16: 2)، وهذه هي المشكلة، هؤلاء هم مركز المشكلة: خدام الله، وخدمة الله!.. ففي غرّة العقل، يحسب الذين يعبدون الله، ان الله عاجز عن خدمة نفسه، وبلوغ خطته، إلا بمعونتهم وفضلهم عليه. فالذي خلق الكون والأجرام وقوى الجاذبية والرياح ونفس الإنسان التي ما هي سوى نفخة، يكون عاجزا أمام عضلات جسد بشري مخلوق، لا يصبر على طعام او شراب أو رغبة! أو ألم سن!..

في غفلة من الزمن، يعجز الله عن استخدام القوات السماوية وجيوش الملائكة وكل قوى الطبيعة، ليوكل بالمهمة لفرق من الشذّاذ وناقصي الأهلية الاجتماعية والإنسانية!..

ان رسالة الحضارة والمدنية وتطور المعارف والعلوم، هي إيقاظ العقل وتفتيح الأمخاخ للتمييز بين الخير والشر، الحسن والقبيح، البر والعهر، السماوي والأرضي، الله والشيطان، (تعرفون الحق والحق يحرّركم!)- (يو 8: 32)/ (فتِّشوا الكتب، فأنها تشهد لي)- (يو 5: 39)!. .

لكن التمييز يحتاج إلى معيار، وقد اختار البشر معيار المال، وسعر البورصة، للتمييز بين الخير والشر، والله والشيطان، ما ينفعهم وما يضرهم!.. 

وكل ما يدر المال فهو يشبع حاجاتهم الجسدية، ويملأ فراغات أنفسهم وأنواتهم.  الله بالنسبة لكثرة عباد الديانات اليوم، هو الغني الكريم، القوي الشافي- صاحب مؤسسات خيرية لاشباع حاجات الناس وأطماعهم مجانا وبأسهل وأسرع الطرق. هذا ما تقدمه العيادات الدينية وحذلقات ببغاوات الدين وأيديهم المفتوحة لتسلم التبرعات والعطايا وصكوك الخمس والعشر والزكاة والصدقة، ولو كانت من غنائم الرشاء والسرقات والجرائم. لصوص يتشاركون مع لصوص، وعميان يقودون عميان.

الفكر السياسي القديم اعتبر الملك الأرضي خلافة ووكالة للملك السماوي.

لكن الحكم الأرضي، وإن لم يكن متشابها ومتقاربا بين الشعوب والثقافات، توزع بين قاصرين وخائنين للأمانة السماوية.

الإنسان وكيل السماء في الإشراف والعناية بالبيئة الطبيعية، ولكن هذا اختار أن يكون سارقا وقاتلا على ملّة قايين، يفسد ويسفك الدماء.

وجعل الملوك والحكام وكلاءَ للسماء في إدارة البشر وتنظيم أمور الحياة بينهم، فاختلفت الرياسات من واحد لآخر، حتى كان الاستبداد أمرهم. وتلك هي شكوى عبد الرحمن الكواكبي في رسالته (أهوال الاستبداد) التي مازالت ترهب سلاطين العرب وترعد فرائصهم، وستبقى كذلك، طالما استأثروا ديانة المال وسياسة الشر.     

أين مكان العلم والفضيلة الاخلاقية بين ذلك؟..

الضمير والأخلاق والقيم والله الحق نفسه يبقى في إجازة، طالما الإنسان مجتهد (بالفهلوة)، ليس على الناس، وانما على رب العالمين، وباسمه أيضا. أليس طريفا أن السارق والقاتل وهو يبدأ عمله الإجرامي يدعو باسم الله!.. ابليس وحده يجعل الله الحق شريكا له في مكره.

ما اشبه هذه الدوامة الإشكالية، بدوامة سيد قطب وهو يتحدث عن (الحاكمية الالهية) مستخدما كل ما بحوزته من فذلكات اللغة، وينسى – ويجعل قارئه ينسى معه- انه يفسر الماء بالماء. ويدعو لتكفير الحكومات الأرضية، لأن قادتها (بشر)، فمن يتولى أمور (الحاكمية الالهية) سوى (بشر) ملتحين. فالنتيجة ان (البشر) هم هم، في كل الحكومات الأرضية، دينية، سياسية، اقتصادية، مافيات تهريب وتجار رقيق، وكل هؤلاء هدفهم المال، وأداتهم العنف والسرقة.

المال والله لا يجتمعان/ (متّى 6: 24). و(رأس المال) من تأليف ماركس [1818- 1883م]، وليس وحيا سماويا، وماركس هو أبو المادية التاريخية. لكن ماركس أخلاقي أيضا، شأن معظم الفلاسفة والاقتصاديين؛ وهذا أمر لا يفهمه ببغاوات الدين.

أما العنف، الذي تحذق به بعض الديانات، وتنافس فيه جنكيز خان وأحفاد هولاكو، فليس الله في لزومه. لأنه بنفخة يمكنه تغيير مسارات العالم. بنفخة من نفخات الهاريكان يمكنه أن يجعل أمريكا أثرا بعد عين. وبنفخة تسونامي يمسح جنوبي غربي أسيا بقضها وقضيضها. أم حسبوا الله عاجزا عن مدّ سلطانه في وقته.

لكل شيء تحت السموات وقت/ (جا 3: 1). وظيفة الوقت، هي انتظار الحصاد. والعاقل من يتحسس عقله، ويتوب ويستعفف، ويحمل نفسه لطريق الحق، الكائن والذي كان وسيكون/(رؤ 1: 8) .

ومن كان لديه سيف من خشب ينفعه في التدفئة، ومن جمع بضعة دولارات دينفطية، سوف تنفعه في سفر.

"يا بني (اسماعيل)، حذار أن تنفذوا ما تنوون أن تعملوه بهؤلاء الرجال! فمنذ مدة قصيرة قام توداس، وادعى أنه شخص عظيم، وتبعه نحو أربعمائة رجل، ولكنه قتل وتمزق أمره. ثم قام يهوذا الجليلي في زمن الاحصاء، واستمال عددا كثيرا من الناس ليتبعوه، ولكنه هلك أيضا وتشتّت أتباعه. فالآن أنصحكم: أن تبتعدوا عن هؤلاء الرجال، وتتركوهم وشأنهم!. فإن كان هذا العمل من عند الناس فلا بد أن يتهدم، ولكن إن كان من عند الله، فلن تتمكنوا أبدا من الوقوف في وجهه. وإلا جعلتم من أنفسكم أعداء لله أيضا!"- (أع 5: 35- 39).

"دفع إلي كل سلطان في السماء وعلى الأرض، فاذهبوا وتلمذوا جميع الأمم، وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس، وعلموهم بكل ما أوصيتكم به، وها أنا معكم كل الأيام، إلى انتهاء الزمان!"- (متّى 28: 18- 20).

(7)

[Tabermackle]

المقصود بها هو مدلولها الاستعمالي عند الكابالاه، أي المدرج أو السلم الروحي الموصل للسماء أو روح الحق. وأول إشارة تطبيقية له وردت كالتالي: "توجه يعقوب من بئر سبع نحو حاران، وصادف موضعا، قضى فيه ليلته، لأن الشمس كانت قد غابت. فأخذ بعض حجارة الموضع، وتوسّدها وبات هناك. ورأى حلما شاهد فيه سلّما، قائمة على الأرض، ورأسها في السماء. وملائكة الله تنزل وتصعد عليها.  والرب نفسه واقف فوقها يقول: أنا هو الرب إله أبيك ابراهيم وإله اسحق، ان الأرض التي ترقد عليها الآن، اعطيها لك ولذريتك. التي ستكون كتراب الأرض. وتمتد شرقا وغربا، وشمالا وجنوبا، وتتبارك بك وبذريّتك جميع شعوب الأرض. ها أنا معك وأرعاك، حيثما تذهب. وأردُّك إلى هذه الأرض. ولن أتركك، إلى أن أفي بكل ما وعدتك به!" – (تك 28: 10- 15)

وقد وردت في بداية خطاب سوع الكلمة قائلا لتلاميذه: "من الآن ترون السماء مفتوحة، وملائكة السماء يصعدون وينزلون على ابن الإنسان!- (يو 1: 51) وعلى جبل التجربة نقرأ (ماى 4: 11): وإذا الملائكة قد جاؤوا إليه وأخذوا يخدمونه!. ولدى محاكمته من قبل قادة السنهدريم رد عليم: من الآن ترون ابن الإنسان جالسا عن يمين القدرة، ثم آتيا على سحب السماء!- (متّى 26: 64).

فالصليب في دلالته الصورية، هو ذلك المدرج المثبت رأسه في السماء وقاعدته على الأرض، أداة المصالحة بين السماء والأرض، بين الله والإنسان بدم فداء المسيح، الذي بذل نفسه من اجل خلاص الإنسان وإعادته الى الوضع الطبيعي الحقيقي الأول، قبل سقوطه في الخطيئة.

الصليب هو رمز العذاب ومعاناة الإنسان الأرضية، والموت هو مصير كل مخلوق بالجسد، والقيامة هي الولادة الثانية بالروح. وفصح الفداء هو المسافة بين موت الجسد (الناسوت)، وقيامة الروح (اللاهوت) المجتمعين في شخص يسوع الكلمة (يو 1: 1- 5، 14).

*

العقل والوعي والموقف، ثلاثة أشياء تنبغي لكل اسان، لكن مكانها ليس في البراد، ولا مجرد لوحة على الحائط!.

* كارل ماركس [1818- 1883م] فيلسوف ومفكر اقتصادي بارز من القرن التاسع عشر، كان من تلاميذ هيجل وخالفه في تفسير حركة التاريخ. أثر ماركس لم يقتصر بالدور الاجتماعي للاقتصاد، واعتبار معاناة العمال والطبقات الكادحة (بروليتاريا) في صناعة التاريخ، وانما تفعيل دورهما في النظام السياسي وتوجيه حركة المجتمع والدولة. لقد حرر الفلسفة من الرؤية الجمالية والنخبوية الاخلاقية الكلاسيكية، كما حرر الاقتصاد ورأس المال من هيمنة الطبقة الارستقراطية السياسية، ليقلب النظام الفكري للمجتمع السياسي، ويؤسس بفكره الأطر والرؤى العامة لمدرسة فرانكفورت في الاقتصاد السياسي.  نزل كارل ماركس من منصات الأكاديميا إلى حركة الشارع والقاعدة الاجتماعية العمالية في ماكنة الرأسمال. كما ساهم بدور فاعل مع رفيقه فردريك انجلز [1820- 1895م] والنخب المثقفة في المانيا وفرنسا وانجلترا في تنظيم مظاهرات العمال التاريخية 1848م، وكتب بالمشاركة مع انجلز بيانها السياسي المشهور بالـ"مانفستو" الشيوعي الخالد، والذي كان من مقرراته وثماره اصدار قانون تنظيم العمل والحوافز الاجتماعية للعمال وعوائلهم، والمتضمنة في الرعاية الصحية والتعليم ووقت الفراغ [8 × 3 = 24] أي" ثمانية ساعات عمل، ثمانية ساعات نوم، ثمانية ساعات راحة واستجمام.  على الصعيد الشخصي، ينحدر ماركس من عائلة المانية يهودية سبق لها اعتناق البروتستانتية، شأن كثير من يهود القرون الوسطى،  انتقل إلى لندن حيث مركز الثورة الصناعية، وفيها أنجز مؤلفه التاريخي (رأس المال) وفيها مثواه. وهو من أكثر المفكرين المعاصرين تأثيرا في العالم وحياة الإنسان اليومية وقيمه الفكرية والاخلاقية، رغم أنه يواجه عداء سافرا من النظام الرأسمالي والاقطاع الديني.  

***

اقرؤوا أيضاً:

في رثاء يسوع المسيح (1)

وديع العبيدي