في رثاء يسوع المسيح -
.jpg)
(إلى شهداء أعياد الفصح والقيامة والسلام في غلاسكو والعالم)
لن أترككم يتامى، بل سأعود أليكم!- (يو 14: 18)
أنا هو الراعي الصالح، والراعي الصالح يبذل نفسه من أجل خرافه!- (يو 10: 11)
(1)
في كل عام مع أول الربيع.. تتزين الطرقات وبوابات المدن.. تخرج النساء والأطفال إلى الأطراف والساحات.. يحملون في أيديهم أغصان الأشجار وسعف النخيل الأخضر.. وهم يهلّلون ويهتفون:
مبارك هو الآتي باسم الرب.. مبارك هو مخلص العالم.. تهللوا وافرحوا أيها الفقراء والمكسورون.. هوّذا ملِكُكُم يجيء راكبا على جحش ابن أتان.. مفروشةٌ له بالدموع والأغاريد كلُّ الطرقات.. افتحوا قلوبكم للملك المخلِّص.. فيجلس على عرش قلوبكم إلى الأبد.. هوشعنا.. هو شعنا!..
أعوام وعشرات أعوام ومئات بل ألوف.. لا يعرف عددها.. كانت البشرية الكادحة تنتظر عريس خلاصها ومنقذها الأبدي.. وفي كل ثقافة من ثقافات العالم.. كان ثمّة رمزٌ واسمٌ للمخلص.. سرجون وسبارتاكوس.. اوزوريس وأدوناي.. بوذا وزرادشت والاسكندر ذي القرنين.. ويسوع المسيح الناصري.. كل من سبقه لبث زمنا ومضى.. وفي كل مرّة يتهلّل الناس وتسري الأخبار: أنه هو!.. هلموا (وجدنا المسايا)..
ثم يمضي أيضا، ويستمر العالم على ما كان عليه..
*
(2)
كثير من العقائد والميثولوجيات العريقة، تضمنت فكرة (الخلاص /المخلص)، أو إشارات إليها. ونعرف أن فلك أوتونابستي ومرموزية قلقميش في الملحمة السومرية – بذات الاسم- + فكرة الثور السماوي- الثور المجنح عند الآشوريين/ نينوى القديمة- إشارة للفداء السماوي، الذي ظهر لابراهيم (تك 22: 13) في صورة الكبش العالق بالشجرة على جبل المريا، وهو مذكور كذلك في كتاب (آفستا) المقدس عند الزرادشتية، وكتاب (الفيدا) المقدس عند الهنود، ومثله عند المندائية والمانوية واليزدية.
تنبأ عنه موسى بن عمرام وداود بن يسي وسليمان بن داود وأشعياء بن أموص وحزقيال ابن بوزي ودانيال النبي وميخا المورشتي وملاخي ويوحنا المعمدان. ويحصي علماء الكتاب المقدس (365) نبوءة – على عدد أيام السنة!-، تشير للسيد المسيح، من بينها (18) مزمورا تدعى بالمزامير المسيانية.
كما استعارت كتب الأدب والفلسفة، كلماتِ السيد المسيح وشذراتِ تعاليمه وسيرته، عبر الزمن. ففي الفلسفة تأثر سيرن كيركجورد [1813- 1855م] على الخصوص بفكرة المسيح المتألم، والفيلسوف المعاصر بول تيليش [1909- 1975م]. وفي التحليل النفسي كارل يونج [1875- 1961م]. أما على صعيد الأدب: فيذكر فولغانع غوته [1749- 1832م]، ويعتبر فيدور ديستويفسكس [1821- 1881م] أبرز المتأثرين بشخصية المسيح المتألم في عديد من أعماله؛ إلى جانب كازانزاكيس [1883- 1957م] في رواياته: (المسيح يصلب من جديد) و (الإغواء الأخير للمسيح)؛ والشاعر وليم بليك [1757- 1827م]، ومن العرب بدر شاكر السياب [1926- 1964م] كما في قصيدة (المسيح بعد الصلب).
وعندما حلَّ (ملء الأزمنة)/ [Enuma Elish] - .. ولد الطفل مخلص العالم.. الابن السماوي البكر كما لوحيد من الأب.. دعي اسمه يسوع/ يشوع، ومعناه (يهوه يخلص). فالسرُّ الروحي في اسم يسوع هو (الخلاص). وتلتغي فاعلية الخلاص عند نكران هذا الاسم أو تحريفه وتصحيفه. وقد أكد المخلص نفسه ذلك عندما قال: [كل ما تطلبونه من الأب باسمي، يكون لكم!]- (يو 14: 14). وكل الصلوات والطلبات المسيحية ترفع وتختم (.. باسم يسوع).
يسوع المسيح الكلمة، إعجاز فريد، والتّحدي الأكبر للتاريخ والعقل البشري. بدءاً بميلاده الروحي وحياته الروحانية وفكره العميق،- كان يتكلم بسلطان-، إلى قيامته الانتصارية من الموت، حتى فعاليته وعمله الدائم في الوجود بلا حدود. لماذا يمتلك اسمُ يسوع سلطانا كونيا خارقيا على مدى الزمن، لم ولا يضارعه أي اسم أو رمز سواه؟.. ان العقل -وكل من يحمله-، عليه الإجابة على هذا السؤال، من غير لفٍّ أو دوران. والعقل الضعيف الفهم يعترف بالعجز.
هذا التّحدي لا يقوم على صراع أجساد أو أفكار، بل هو صراع في دائرة الروح. وفي دائرة الروح لا عدوَّ لروح المسيح غير ابليس. لكن سلطان ابليس محدود [يقتل/ يسرق/ يكذب/ يراوغ/ يشتكي]، أما روح المسيح فهو الروح الخالق/ المحيي/ المعين.
اعتقد رؤساء زمنه، أنه يمكنهم أن يقتلوه، وبحثوا عن شيء يتهمونه به. هذه الملاحظة تتكرر في الأناجيل وأعمال الرسل. فبعد مقتل المسيح على الصليب، واصلوا اضطهاد تلاميذه وقتلهم: "ولما سمع المجتمعون هذا الكلام، اشتد غضبهم/ وقرروا أن يقتلوا الرسل."- (أع 5: 33).
القتل، الموت لغة ابليس الوحيدة، وصفته (سلطان الهاوية). مسلسل القتل منذ فعلة قايين، مازال مستمرا في تهريق الدم، قاتلا الجسد الذي هو نفاية – بحسب الكتاب والفكر الغنوصي- محملا نفسه إصر المواجهة الرهيبة مع غضب السماء: صوت دم أخيك صارخ إليّ من الأرض. فمنذ الآن تحلُّ عليك لعنةُ الأرض التي فتحت فاها وابتلعت دم أخيك الذي سفكته يدك. عندما تفلحها لن تعطيك خيرها، وتكون شريدا وطريدا في الأرض!- (تك 4: 10- 12). -لاحظ دقة التشخيص الكتابي وملامحه في طبيعة الشرق الأوسط الاقتصادية والبشرية حتى اليوم-.
وقد اعترف ديفيد كاميرون، رئيس وزراء بريطانيا مؤخرا أن المسيحيين هم الأكثر اضطهادا في العالم، وأنه لا يكاد يمرُّ يوم بدون تسجيل حوادث، داعيا الجميع، إلى تفعيل القيم المسيحية [Christian Values]. ويأتي التشخيص الانجيلي الدقيق لما يحدث في هذه الأيام*، من اضطهاد وقتل أبناء الروح: سيأتي وقت، يظنُّ فيه من يقتلكم، أنه يؤدي خدمةً لله!- (يو 16: 2).
والكلمة يسوع يقول أيضا: لا تخافوا الذين يقتلون الجسد، ولكنهم يعجزون عن قتل النفس. بل بالأحرى، خافوا القادر أن يهلك النفس والجسد جميعا في جهنم!- (متى 10: 28). وفي مكان آخر، يقول الكلمة لبطرس: ردَّ سيفَك إلى غمده، ان الذين يأخذون بالسيف، بالسيف يؤخذون. أم تظن أني لا أقدر أن أطلب إلى أبي، فيرسل إلي أكثر من اثني عشرا جيشا من الملائكة!- (متى 26: 52- 53).
فالمسيح لم يهتم بالجسد في حياته الأرضية، بقدر ما جاء ليعلن السرَّ المكتوم في الزمن، ويضع حدا لتخبّط البشر في بحثهم عن الحقّ وترسيمه بحسب تصوراتهم وأمزجتهم. ولكي يغلق باب الحيرة والدوران من بعده: (إذن، أنت بلا عذر أيها الإنسان!)- (رو 2: 1).
والسؤال هنا: ألم يكن المسيح الكلمة قادرا أن يستمرّ بجسده وسلطانه على الأرض؟ الجواب بلى!
ألم يكن المسيح الكلمة قادرا أن يستخدم سلطانه الكامل على الأرض، مع الجميع، وفي كل مجال، كما فعل في أحياء الموتى وابراء الأكمة وشفاء المرضى وغير ذلك؟.. بلى يمكن!.
لما ينتهي البعض حتى اليوم عن قراءة الانجيل، ومعرفة السرّ المكنون، مكتفين بتدجيل عملاء العلماء وجهّال الفقهاء وتدليس الوعاّظ. ما الذي يجعل أبناء القرن الحادي والعشرين وثقافة الأتمتة، يحجمون عن معرفة الحقّ وينفقون حياتهم في ملاحقة الاعلانات ولهاث البورصة والصراعات الجسدية؟
يُنسب للخليفة الثاني قوله في أمر حرق كتب بلاد فارس وتغريقها - من قبل حادثة هولاكو المشهورة-: لو كان فيها علم، فقد كفانا عنها القرآن، وإن لم يكن فيها علم، فلا خير فيها!. فهل قامت الحضارة العباسية بغير كتب الإغريق والهنود، وعقول المجوس والنصاري!.
يسوع المسيح الكلمة جاء بيانا للمحبة والسلام والعطف والتآخي وبناء الأسرة البشرية السامية، منهيا عهد الاحتراب والتباغض والتحاسد والدم والذم والسرقة والكذب والخيلاء،
هذا هو معنى الزمن الجديد/ العهد الجديد، ملء الأزمنة..
فكيف حدث الارتداد للوثنية والتهود؟؟؟!
*
(3)
(ملء الأزمنة): مصطلح رمزي/ روحي، يمثل ذروة الثقافة الهللينية والهللنستية، الفاصلة بدورها، بين نهاية الحضارات والامبراطوريات القديمة [شرق المتوسط ووادي النيل]، وبين انتقال الحضارة والقوة السياسية إلى أوربا [الاغريق والرومان]، مقترنة بنقلة بشرية في العقلية والآلية.
يسوع الناصري تحدث اللغة الآرامية في حياته، بارعا في اسلوب التعليم ومنطقه الجدلي [قارن- لغة سقراط الأثيني من القرن السادس ق. م.] المفحم – سيما مع الفريسيين وقادة السنهدريم-؛ كائنا جزءاً من ثقافة عصره وبيئته.
ومما يؤسف له.. عدم الحصول على النص الآرامي (الأصلي) لتعاليمه؛ ومعه احتفظت الاناجيل بلغاتها الإغريقية وترجماتها الحية، بقوة روحية ومنطق عقلي جدلي وسحر لغوي أخّاذ. يمكن معه القول أن الفضل فيه لا يعود لكَتَبة الأناجيل، المتّضعين ثقافيا، وانما لثقافة المعلم ولغته ومنطقه وعمقه الروحي؛ كيف لا، وأسمه (الكلمة)/ لوغوس.
والواقع أنه لا يمكن التوفر على فهم حقيقي لشخصية يسوع المسيح وتعاليمه، من غير دراسةٍ حَقَّةٍ لمنابع الفلسفة الاغريقية وفهم تمرحلاتها المتدرجة من الكونيات إلى الذريات وأعماق الذّرة، حتى الاخلاقية الأفلاطونية [أفلاطون ابن الاله- سامي فريدي- موقع الحوار المتمدن- 20/ 2/ 2015].
وليس مصادفةً، اعتبارُ اللغة الاغريقية – القديمة- اللغة الأصلية للأناجيل؛ ولا كون انجيل يوحنا ورسائل بولس، أعمق وأبدع النصوص الانجيلية، وبلوغ تعاليم المسيح ذروتها اللاهوتية والليتورجية، فإذا كانت الآرامية خاتمة وذروة ثقافة الشرق القديم، فإن اللغة الإغريقية هي فاتحة ورائعة ثقافة الزمن الجديد*. حيث تتبلور القواعد والأطر الفكرية للمسيحية – ليتورجيا ونظاما كنسيا- في حاضنة الثقافة الاغريقية والرومانية.
هذه المفصلية الثقافية – مفهوم ملء الأزمنة- ضرورية لتمييز وفهم الفارق بين التعليم العبراني (التناخ/ العهد القديم) و(الانجيل/ العهد الجديد). العبرية، أو (الآرامية) هي اللغة الأم لكتب التناخ (بشيتا)، مقابل اللغة اليونانية، لغة العهد الجديد. ان دارس الديانات يجد نفسه بين لغتين وثقافتين وعصرين وجغرافيتين [شرق المتوسط وشمال المتوسط]. وبقدر تعاشق أدوات الاتصال بينهما، لابدَّ من استكناهِ وتدقيقِ الفوارق المميزة بينهما. ولولا وجود الفوارق والمبررات، لعُدمت ضرورة الانتقال الثقافي والجغرافي، وأهمية التجديد.
ضمن هاته المدارسة، يظهر السؤال: من هو يسوع المسيح؟ ما هو المقصود بالمسايا؟..
ماذا لو لم يكن المسيح قد جاء؟..
يقول الكلمة: لدينونة قد أتيت إلى هذا العالم!، ليبصر العميان، ويعمى المبصرون!.
فسمع ذلك بعض الفريسين فسألوه: هل نحن عميان؟
فقال لهم: لو كنتم عميانا بالفعل، لما كانت عليكم خطيئة!.. ولكنكم تزعمون أنكم تبصرون، ولذلك، فخطيئتكم باقية!- (يو 9: 39- 41)
*
(4)
تمثل فكرة (التسامح والغفران) أعظم مآثر السيد المسيح على صعيد الفكر الاجتماعي والحياة العامة، ناهيك عن اعتمادها مبدأ أساسيا لدى علماء النفس والباحثين الاجتماعيين لأغراض العلاج.
والمدنية الغربية ومبادئ السلم المجتمعي مدينة لقيم التسامح والغفران والمشاركة ورعاية الفقراء والمعوزين.
يسوع المسيح أو يسوع الناصري في التاريخ والذاكرة الإنسانية هو رمز وذكرى لكل شيء جميل/ نبيل وسامي، وهو مثال للإنسان المتسامي، العظيم أو الإنسان السوبر. كثيرون اعجبوا به، وحاولوا تقليده في اسلوب حياته وشهادته، وهو المثال الأعظم والقدوة لعدد كبير من الفلاسفة والقديسين والسياسيين عبر الزمن، ومن شتى أطراف الأرض. ما من أحد وضع نفسه في خدمة الناس حتى الموت كما فعل يسوع، ولن يبلغ أحد تلك المحبة والتضحية المتجسدة فيه.
وصفه انجيل لوقا بابن الإنسان، وكان يدعو الله بصفة (الآب)، أما صفته بين الناس فكانت (رابي) ومعناها (معلم) بالعبرية، وفي الغالب يقال له (المعلم الصالح). كان قليل الكلام، يستخدم أقلَّ قدْرٍ من الكلمات لإيفاء المعنى، يتكلم بسلطان. أوصى تلاميذه بعدم تكرار الكلام وعدم الإلحاح في الطلب، وابتغاء الدقّة في التعبير، والتحلّي بالجدية في التعامل، والضرورة في تعاطي الشيء.
الأناجيل القانونية المعروفة والاناجيل غير القانونية (كتب الأبوكريفا) هي المصادر الوحيدة عن حياته وتعاليمه، إضافة لكتابات فيلو السكندري [25 ق. م.- 50 م] ويوسيفوس [37- 100م]، وبعض كتابات الآباء – من القرون الثلاثة الأولى بعد المسيح-.
لكن كل تلك لا تعكس من حقيقة الأمر غير القليل والقليل جدا من آثار ومأثورات يسوع المسيح الذي تتّفق المصادر أن مجموع سنينه الأرضية كانت (ثلاثة وثلاثون عاما ونيف). يصفها امرؤ القيس الكندي النصراني [525- 565م] بأنها: ثلاثون حولا في ثلاثة أحوال!.
وفي آخر انجيل يوحنا بن يونا عبارة وجيزة ذات دلالة فحواها: وهناك أمور أخرى كثيرة عملها يسوع، أظن لو أنها دوّنت واحدة فواحدة، لما كان العالم كله يسع ما دوّن من كتب!- (يو 21: 25)، وهو اعتذار رقيق عن قصوره في هذا المجال.
ولادة وحياة يسوع المسيح الناصري دالّة على التواضع الشديد، بل أشده. وأعتقد أن كتابات بولس الطرسوسي هي أفضل من توفّرت على فهمه وايصاله إلينا، إذ يقول في رسالته إلى أهل فيلبي: إذ أنه، وهو الكائن في هيئة الله، لم يعتبر مساواته لله خِلسةً، أو غنيمةً يتمسك بها. بل أخلى نفسه، متّخذا صورة عبد، صائرا شبيها بالبشر، وإذ ظهر بهيئة إنسان، أمعن في الاتضاع. وكان طائعا حتى الموت، موت الصليب. لذلك أيضا رفعه الله عاليا، وأعطاه الاسم الذي يفوق كل إسم!- (فيلبي 2: 6- 9).
ولادته كانت في مذود، في قرية بيت لحم افراته، وسنواته الأخيرة عاشها في مغارة في جبل الزيتون، في مدينة أورشليم، لم يتزوج ولم يكن له أطفال أو عائلة، وحدث صلبه ودفنه في بستان جثسيماني القريب من جبل الزيتون. وقد توزّعت حياته بين مقاطعة الجليل الخاضعة للحاكم الروماني هيرودس الأدومي الابن – الذي أعدم يوحنا المعمدان في عام 27م-، وكانت حدودها تصل إلى صيدا اللبنانية اليوم، وبعض تلاميذه من بيت صيدا، وقد أجرى هناك معجزات كثيرة، من بينها تحويله الماء خمرا في قرية قانا الجليلية وموقعها في الجنوب اللبناني اليوم، وللشاعر سعيد عقل [1911- 2014م] قصيدة مأثورة عن قانا التاريخ والراهن. أما المقاطعة الأخرى فهي اليهودية وحاكمها يومذاك بيلاطس البنطي.
*
(5)
لماذا لم يكن يسوع عراقيا، أو مصريا، سوريا أو إغريقيا في – ولادته-؟
لماذا جاء فلسطينيا، من حوض المتوسط التابع والخاضع للنفوذ السياسي والثقافي للأغريق والرومان وبيزنطة – منذ بدايات التاريخ، حتى القرن الرابع عشر الميلادي؟.
إشكالية هذا السؤال، انعكست في دائرة المعارف الكتابية عامة، وجعلت معلمي المسيحية، يصرّون على الربط بين التناخ والانجيل في التعليم، وجمع العهدين في مجلد واحد تحت مسمى: الكتاب المقدس [The Bible]. ما دفع – بالضرورة [Jaroslav Pelikan] للتساؤل: [Whose Bible Is It?]. هل هو كتاب العبرانيين؟ أم هو كتاب الكاثوليك والأرثوذكس؟ أم كتب البروتستانت؟.. هل هو كتاب شريعة وفرائض، أم هو كتاب نعمة وحرية (يو 1: 17)؟.. غير ذلكم.. ثمة الكنائس الحبشية والروسية وشهود يهوه والمورمون، ممن تزيد كتبهم عن ذلك وقد تختلف جزئيا أو كليا، تفسيرا أو تأويلا. وكلها تنسب نفسها للمسيحية. حتى الاحمدية تتحدث عن مسيح (اسلامي)!.
المسيح، يسوع الناصري شخصية عظيمة وفريدة، وهو موضع توقير واعجاب الجميع، ولكن ما يحصل باسمه، خارج المعقول، وينتهي إلى خلافه. وقد حذّر المسيح في تعاليمه، من روح ضد المسيح، ومن الانبياء الكذبة، ومن الشرير، فهل ثمة من أمل لمعرفة المسيح الحق (النعمة والحق)، ونبذ ما التبس من حواليه، وتراكم من شبهات وهرطقات وافتراءات دنيوية؟..
على مدى تاريخ الكنائس لم تتوقف الاتهامات المتبادلة والصراعات فيما بينها، قديما أو حديثا، باطنا أو علنا. بل أن كل حركة جديدة أو محاولة للتجديد أو الإصلاح أو النقد، تواجهها حركة معارضة وتهريق/ (تهمة هرطقة) أو حتى معاداة المسيح؛ ففي المسيحية، كما لدى ديانات أخرى، يمتلك كل أحد حقوق الطبعة الأصلية، ويتهم سواه بخلافه. واقع الحلّ هذا، لا يمكن علاجه حقا، إلا بالفصل بين شخصية يسوع المسيح، والمنسوب والمنتسب إليه تحت عنوان (مسيحية) و (مسيحي). الخلاف اليوم، لمناسبة مرور ألفي عام على ظهوره التاريخي، أكثر شِقّةً، وألزمَ للعلاج، ووقف التمزّق والافتراءات.
فكرة الحلّ التي تنادت إليها بعض الكنائس تحت عنوان (توحيد الكنائس) محروثة من الأساس بدعاوى العودة للكنيسة الأم. الكاثوليكية في الغرب، والأرثوذكسية/ القبطية في الشرق. في ظلّ تجاهلٍ تامٍّ لكل حركات التجديد والإصلاح وتاريخ النقد الكنسي والكتابي. فالعودة بالخلاف لمفصلية مجمع خلقيدونية (455 م) الذي قسم الكنيسة الى شرقية وغربية – بحسب الموقف والعلاقة من الدولة الرومانية- هو تأكيد للخلاف|، وليس حلا له.
الحلّ لا يوجد داخل الكنيسة، ولا يأتي من داخل المسيحية التقليدية.
*
(6)
(النعمة/ Grace) هو العنوان الذي بدأ به مارتن لوثر [1483- 1546م]، و(الكتابية/ Biblical) هو العنوان الذي بدأ به جون مكارثر [1839م- ؟] حملته ضدَّ حركة الكرزماتك. الألفية الثالثة هي عصر ازدهار الدين. لكن الألفية الثالثة أيضا هي عصر الانحطاط والتّردّي الشامل، ثالوث المادية والأنوية والطمع [Materialism, Selfishness, Greed] يطبع الكنيسة، إسوة بغيرها من مؤسسات العولمة والنظام العالمي الجديد.
ثمة مفصليتان تاريخيتان في التاريخ المسيحي، أولاهما مفصلية المجامع المسكونية، وثانيهما مفصلية الإصلاح اللوثري، ولم يعد ممكنا ولا منطقيا العودة لأي منهما اليوم. يقول بولس: إن كنا، ونحن نسعى أن نتبرّر في المسيح، قد وجدنا خاطئين أيضا، فهل يكون المسيح خادما للخطيئة؟ حاشا!. فإذا عدت أبني ما هدمتُه، ، فإني أجعل نفسي مخالفا. فإنني بالشريعة، قد متُّ عن الشريعة، لكي أحيا لله!.(غل 2: 17- 19).
ان مسيحية اليوم، على اختلاف كنائسها واتجاهاتها، هي مسيحية شريعة، مسيحية طقوس وفرائض وتسلُّط كهنة ووُعَّاظ؛ مسيحية تعتمد المنظور والتعليم اليهودي لشخصية المسيح؛ بدل الكرازة بتعليم المسيح لتكوين صلة مباشرة مع الله. كنائس لاويين وتثنية، قبل أي شيء آخر. الكهنة والقساوسة والوعاظ، يحتكرون التعليم والتأويل والنعمة والأسرار وحيازة الكنائس، ويلعبون دور الفريسيين الذين تحدوا المسيح. كل شريعة هي عبودية، وكل رجل دين فريسي متكبر أو اقطاعي متطفل.
يقول المسيح الكلمة: إن ثبتُّم في كلمتي، كنتم حقا تلاميذي. فتعرفون الحق، والحق يحرِّركم. فإن حرَّركم الابن، تصيرون بالحق أحرارا!- (يو 8: 31- 32، 36) . ويقول بولس: بعدما جاء الإيمان، حرّرنا من سلطة المؤدب/ الشريعة!- (غل 3: 25). ويدعو الرسول يعقوب الحرية في المسيح بـ(القانون الكامل) منبّها: الذي ينظر بالتدقيق في القانون الكامل، قانون الحرية، ويواظب على ذلك، يكون كمن يعمل بالكلمة. لا كمن يسمعها وينساها، والله يباركه في كل ما يعمله.- (يع 1: 25).
بينما يتشبّث الوُعّاظُ بتأكيد سلطة القساوسة والنظام الكنسي على أتباعها. ومايزال قادة الكنائس يستغلون الخدمة العامة، وسيلة لاستعباد المسيحيين وفرض سلطاتهم عليهم. فتسجيل المواليد والعماد والزواج والدفن، وسائل يحتكرها القسّ/ الكاهن أو من يقوم محله، لمكافأة/ عقاب المطيع أو غير المطيع، أو اصدار أوامر القبول والحرم في الكنيسة. المسيحي، ليس شخصا حرا، ليس من باب العبودية للشريعة، وانما عبودية الكنيسة- [النظام الكنسي والاقطاع الكنسي].
المسيحية والكنيسة، باتفاق أغلبية الطوائف والاتجاهات، بأمسّ الحاجة للأصحّ والتجديد، وإعادة تخصيص الكنيسة للمسيح الكلمة، وجعله رأسا للكنيسة والملكوت والشعب، ويتراجع كل قادة الكنائس والوُعَّاظ مردّدين قول يوحنا المعمدان: لكي أنقص وهو يزيد!، وليس العكس.
مسيحية يسوع المسيح هي: الحرية، وهي قيادة الروح القدس. (يو 14: 26)، وكل فرد في صلة مباشرة بالأب والمسيح يسوع، بغير وسطاء ولا شفعاء، ومن غير صور وأيقونات، لا خشب ولا حجر.
لا تسجنوا المسيح داخل جدران الكنائس، ولا تغلقوا الأبواب.. اخرجوا للشوارع والساحات، ونادوا بالمسيح ووصاياه في الطرقات.. اصنعوا السلام واسعوا له... بالفعل وليس بالكلام..
ليزول الظلام!!..
*
(7)
الإنسان كائن مركب مضطرب، مزدوج، تتصارع في داخله أرادتان: الخير والشر.
احدى دروس الخليقة الأولية هي ضرورة تمييز الإنسان بين الخير والشرّ، كما وردت في الكتاب (تك 3: 22). وهو باب رئيس من أبواب المعرفة الروحية.
فمَن انتصرت في داخله إرادةُ الخير على إرادة الشرّ، كان من ابناء الروح ومن تلاميذ النور، وهو من البُناة المُبدعين عاملي الخير وصانعي السلام ومعمِّري الأرض وملهِمي الناس عبر الأجيال. هذا يكون عقله أكبر من عاطفته، وعاطفته أكبر من جسده.
أما من انتصرت إرادة الشر في داخله على إرادة الخير، فهو الجسداني العنيف، من أبناء الظلمة ومن عبيد ابليس؛ يعتاش بالدم والهدم والكذب والحسد والتباغض، قاتل أو قتيل، خادع او مخدوع، ويكون جسده أقوى من عاطفته، وعاطفته أقوى من عقله.
النوع الأول انتصر على جسده وتنزّه عن الماديات، فتسامى للأعالي.
والنوع الثاني، ارتهن جسده بقوة جاذبية الأرض لا يكاد يبرحها، ويعصى عليه الانفصال عن الأرضيات والجسديات، ويعجز عن المعالي، وهو من المتأخرين، في مراتب التطور الدنيا.
يسوع المسيح اجتمع في داخله الناسوت واللاهوت، اجتمعا في انسجام وتكامل وتفاهم، بغير اضطراب أو تناقض أو صراع. فكان ناسوتُه طوعَ لاهوتِه، وكان لاهوتُه يشدُّ ناسوتَه، لذلك كان: عجيبا مشيرا إلها فريدا، أبا أبديا رئيس السلام. – (أش 9: 6) وتلك هي فرادته وتفرُّده، الألف والياء، والحيّ الأبدي في الأرض وفي السماء.
وهو المسيح الكلمة، والكلمة لا تنكسر ولا تتبدل.
وفي هذا، ليتأمل المستنير!.
· اللغة الاغريقية واللغة اللاتينية مازالت الأساس الأكاديمي للتعليم والثقافة الأوربية في مختلف قطاعات الحياة والتخصص، والقاعدة الأساسية لعلمّي المصطلح والانسكلوبيديا، إليهما تعود اللغات الأوربية الراهنة في أصولها. ولا يخفى على المعنيين، الصلة الوثيقة بين اللغتين الاغريقية والعربية، والثقل الاغريقي اللغوي والثقافي في تقعيد أسس اللغة العربية وفقهها ما بين القرنين الثامن والرابع عشر الميلاديين.
· شهدت أيام عيد الفصح والقيامة للعام الحالي (2016م) جملة مجازر ضد الإنسانية، وعمليات تخريبية ودموية وسط احتفالات المسيحيين في العالم. ففي يوم الجمعة الحزينة، تعرّض أسد شاه (40 عاما) وهو صاحب سوبر ماركت في غلاسكو لهجوم داخل محله من قبل شخص مسلم (32 عاما) يحمل سكينة مطبخ، وجه إليه ثلاثين طعنة، ثم جلس على صدر الضحية وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة وسط بركة من الدماء، في سلوك استفزازي، وقد توفي الضحية في الطريق إلى المستشفى، فيما برّر القاتل جريمته بمبرِّر ديني عندما ألقت الشرطة عليه القبض. أما سبب الجريمة، فهو قيام صاحب المتجر بتهنئة زبائنه من المسيحيين بعيد الفصح. ويذكر ثمة فتاوى مريضة صدرت مؤخرا تحرِّم تحيةَ أهل الكتاب أو تبادلَ التهاني معهم!
وقد لقيت الجريمة في عيد الفصح استنكارا واسعا على مواقع التواصل الاجتماعي.
وفي مدينة لاهور الباكستانية، حيث أحتشدت أعدادٌ غفيرة من المسيحيين احتفالا بالمناسبة في حدائق كَولشان اقبال وسطَ المدينة، تم دفعٌ كرة مفخخة في وسطهم، أسفر انفجارها عن قتل (72) إنسانا بينهم (29) طفلا، وجرح ثلاثمائة. وقد أعلنت مسؤوليتها عن المجزرة جماعة تنسب نفسها إلى طالبان الباكستانية.
وكانت المجموعة نفسها قد هاجمت كنيسة للروم الكاثوليك في لاهور عام (2015م) متسبِّبة في قتل خمسة عشر إنسانا وجرح حوالي سبعين.
وقامت جماعات نسبت نفسها لتنظيم داعش الدموي بقتل ستة عشر إنسانا بالمناسبة، بينهم أربع راهبات فرانسيسكان، والأب الكاثوليكي توم. وفي نيوزيلندا قام إسلاميون بمهاجمة تجمع يهودي خلال احتفالهم بعيد الفصح.
يذكر ان رئيس جامعة الأزهر المصري اجتمع الشهر الماضي مع بابا الفاتيكان في ألمانيا، وألقى كلمة مطوّلة تحدّث فيها عن السلام والتسامح والحوار بين الأديان. وكان سبق للأزهر الاعتراف بجماعات داعش في وقت سابق. ولم يصدر أي موقف يستنكر النشاطات الإجرامية والممارسات ضد الإنسانية من أي دولة أو جماعة مسلمة. بينما استنكر مؤخرا جون كيري وزير الخارجية الأمريكي ممارسات داعش ووصفها بجرائم ضد الإنسانية، وصدرت تصريحاتٌ مماثلة من مسؤولين غربيين، فيما دعا رئيس الوزراء البريطاني إلى ضرورة تفعيل القيم المسيحية، التي تتعرّض لانتهاكات واسعة على أيدي جماعات من المهاجرين واللاجئين المسلمين في بلدان الغرب.