محطات وإضاءات قيميّة في سرد سيرة نموذجية (5/10) - العودة إلى الأخلاق..!

يونس عاشور قرأها 1,027

محطات وإضاءات قيميّة في سرد سيرة نموذجية (5/10) - العودة إلى الأخلاق..!    

عندما استخدم صاحبُنا الأساليب الموضوعية الناجعة مع أهل مدينة الصمت تقبلّه الجميع واستوعبوه وانسجموا معه وتعاملوا معهُ كأخ وكواحد منهم.

في مُستهلّ الأمر لم يكن في حسبانِ أهل المدينة شخص كهذا يتّسم بصفات وخصائص معنويّة وجوهرية من حيث الدلالة والمفهوم فأهلّيته وجدارته في اكتساب فنون القيادة والإدارة مكّنَتْهُ من القدرةِ على حلّ كافة المشكلات ومن ثمّة توظيف مهاراته وطاقاته أيضاً في وضع استراتيجية عملانيّة للمعطيات والتحديات الحياتية المختلفة  بأسلوبٍ منهجيٍ والعمل على صياغتها بمدلول بنيوي تجلّى ذلك في عِلْمِهِ وفَهْمِه ومدى اطلاعه واستيعابه للأمور المختلفة، فالأخلاق التي كان يَتَمتّعُ بها صاحبنا تنبئ عن وعْيه الحضوري، نستطيع أن ندعو هذا الوعي بـ"الوعي الشعوري" المنبثق من ماهيّة الفهم الصحيح المرتكز على خضوع الذات للمعاني الإنسانية السامية النبيلة التي كان صاحبنا يتحلّى بها مع جمهوره فليس تعامله مع الآخرين كان مَبْنِيِاً بناءً اعتباطياً بل كان مبعثه وجود قاعدة أخلاقية استطاع صاحبنا من خلالها غرس الأسس التربوية في الذات الإنسانية ليكون بذلك مثالاً ونموذجاً يُحتذى به بين أوساط المجتمع.

أن جوهر الأخلاق لا ينطلق إلا بالعودة إلى الأخلاق يكون منشأ ذلك شخصية واعية للمفاهيم والأسس التربوية كتوظيف الجانب السلوكي الذي يقوم بتغذية الذات وتهذيبها على نحو التفقّه في اكتساب الخصال والصفات الحسنة الحميدة وبالتالي تكون النفس في محطّ السموّ والرقيّ والكمال الإنساني.

نحن في حقيقة الأمر نحتاج إلى دراسة هذا الجانب بكيفيةٍ شمولية تتجه نحو دمج تعاليم الأخلاق في قالب علائقي وتسلسل طرائقي مفاهيمي لخلق نوعيّة ثقافية نموذجيّة شاملة تقوم بغسل الذات وتنقيتها من الشوائب الخاطئة نحو اتجاهات ومسارات سلوكية فاعلة تلغي الجانب السلوكي السيّء في النفس وتعمل على استحضار الجانب السلوكي الخيّر والفعّال الذي كان منهجه حاضراً في فكر صاحبنا.

"العودة إلى الأخلاق، يعني العودة إلى العقل وثوابته وضوابطه التي تمكّن الإنسان الانتقال من الوعي الحضوري إلى الاستدراك الشعوري التام لمفاهيم جماليّات التربية الإنسانية والسلوكية الهادفة التي تكمن في فهم منهاج القيم الصحيحة عبر تمركز الذات في دائرة العقل باستخدام الحكمة والأسلوب الأحسن الذي يصل بالإنسان الى غايات السمو والكمال وبالتالي يكون متقدّماً في المستوى الحضاري من ناحيةِ استيعابه لخصائص الأخلاق التي تؤكد على قيمة حياة الخير في البشرية من خلال تحديد المعايير السلوكية للأخلاق كوسيلة ناظمة للعلاقات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية بين الناس.

إن ما يعمل على نسف المعايير الأخلاقية لدى الإنسان هو وجود عوامل وعناصر سلبية تساعد على نسف تلك المعايير وبالتالي عدم الانتظام في وحدة النسيج الاجتماعي بحيث يكون هذا النسيج خاضعاً للفوضى والتشتت والتباعد عن بعضه البعض ، هذه العوامل تتمثل اليوم في التحديات التي نلمسها ونتعامل معها سواء كانت عبر الاستخدام السيّء لوسائل الاتصال الالكتروني أو عبر توظيف الفضاءات السبرنتينيه المختلفة  إضافة إلى ما نشاهده من صراعات ونزاعات وحروب بين الامم والمجتمعات حيث تعمل هذه العناصر على تفتيت جوهر الأخلاق والابتعاد عن مضامينه الراشدة.

وبالرجوع الى توضيح معنى الاستخدام السيّء عبر وسائل الاتصال المختلفة وأين يتمركز استخدامها بالنسبة للإنسان المعاصر؟!!

يتمركز هذا الاستخدام في عمليات الضخّ الهائل للكتابات والبيانات في الشبكة العنكبوتية من موضوعات تحتوي على سبٍّ وشتمٍ وقذفٍ للأعراض والشخصيات وانتهاك للحرمات والمقامات الاجتماعية عبر ترويج وتشويه لسمعة الأشخاص والشخصيات الاجتماعية والعمل على إبعاد الناس عن بعضهم البعض لمصالح ذاتية مختلفة، هذه المصالح قد تكون مدفوعة الثمن أو لا! ربما ليس لها ثمن إلا كممارسة مزاجية مهنيّة متهوّرة يلجأ اليها البعض في أوقات الفراغ وهذا يشكل منعطفاً خطيراً بالنسبة لضرب وحدة المجتمع وتمزيق كيانه عبر خلق اكاذيب وروايات وقصص وهمية وبثّها في هذا الفضاء الالكتروني مما يكون له ضررٌ بالغٌ على سمعة الناس الذين ليس لهم ذنب عندما نقرأ مثل تلك المعلومات المبنية على الترويج المنحرف لخلق الأكاذيب والأباطيل التي قد ابتليت بها مجتمعاتنا لعدم فهمهم كيفية الاستخدام الأمثل لوسائل الاتصال الحديث آنئذ يتسبّب ذلك في خلق العدوات والمناوآت بين افراد المجتمع، ولا علاج لمثل هذه الأمور إلا بالعودة الى الأخلاق التي تصيغ شخص الإنسان على السلوك والشعور بالمسؤولية الأخلاقية تجاه مجتمعه.

وغير ذلك من الأمور الغير أخلاقية كممارسة الاحتيال والنصب عبر شبكات الانترنيت وتحويل المبالغ المالية في حسابات لدى صالح العصابات التي تعمل على استقطاب وغش الناس بالتدليس عبر الاعلانات والدعايات الوهمية الكاذبة.

إذن الحاجة الى المعنى الذي يتمثل في معرفة الأخلاق وما ينتج عنها من معان تكون لخدمة الإنسانية جمعاء وتنقذ واقعه المرير المليء بالصراعات والتجاذبات والتحزبات والنزاعات التي تلجأ اليها الجماعات تجاه بعضها البعض بسبب فقدان الوعي والمعنى الأخلاقي الشمولي الذي يوسّع من دائرة العقل ويجعلها في مأمن من الانحرافات السلوكية السيئة.