محطات وإضاءات قيميّة في سرد سيرة نموذجية (3/10)
في الحاجة إلى تأصيل فلسفة الاختلاف وقبول التعددية الفكرية عبر التسامح والإنفتاح.
لقد واجه صاحبنا مصاعبَ جمّة إبّان إقامته في تلك المدينة خاصةً مع الوافدين من خارج المدينة، فالإنسان غالباً ما يكون له مناوئون بسبب أو غير سبب هذا ما يشهد عليه الواقع المعاصر، ينطلق هذا المفهوم من وجود خللٍ تربوي في سلوك شخصية الإنسان من هنا ليس بالضرورة أن تكون مُستوعَباً لدى الآخرين جُمْلةً وتفصيلِاً أو تكون حاضراً عِنْدَهُمْ في الأذهان كلمةً وقيلا فهنالك من قد يختلف معك في التوجه والفكر، وقد لا يوافقك على مُجْمَلْ أقوالك أو استمراء آرائكَ وأفعالك حتى وأن كانت ذو صبغة مثاليّة..! هكذا هي الجبلَة البشرية بطبيعتها قد فُطرت على مفهوم الاختلاف في مجالات القول والفكر والاعتقاد وإذا كان موضوعنا سيتمحور حول هذا الجانب وما قد آلت إليه الظروف في حياة صاحبنا مع أبناء مجتمعه فحريُّ بنا أن نتطرّق إلى هذا الطرح الذي يُشكّل مدخلاً رئيساً في كيفية مواجهة مُخْتَلَفْ القضايا والتحديات التي تتعلق بشؤون حياة الإنسان وهذا الأمر نحن نحياه ونألفه في كل وقت وحين سواءً كان في المحيط الأسري أو الاجتماعي أو في بيئة العمل التي يتواجد فيها الإنسان لساعات طويلة هذا عدا المواقف الاجتماعية التي يعاصرها الإنسان أيضًا والمليئة بالاختلافات في المواقف والرؤى والتوجهات الفكرية والثقافية وإن شئنا ذهبنا بالقول أنّ مفهوم الاختلاف بين بني البشر هي حالة طبيعية موجودة في الثقافات والتراثات الفكرية على مر العصور التاريخية ينحدر من هذا المفهوم عدة توجُّهات مختلفة أبرزها الاختلاف الديني والعقدي والفكري والثقافي والفلسفي... الخ.
لنلقِ نظرةً مختزلة عن موضوع الاختلاف في الخطاب الانثروبولوجي وكيف أنه أدّى إلى صراعات ونزاعات دمويّة بين الأمم والمجتمعات والشعوب والهيئات الإثنية المختلفة في التوجّه والرأي والتفكير لو لا أنْ كان تدخُّلاً فورياً من قبل المفكرين والفلاسفة الزمنيين للقضاء على هذا الداء الخطير الذي جعل الناس يتخبّطون في عدم معرفة الأمور بمنظارٍ شمولي واعٍ يراعي المصلحة العامّة للمجتمع والمجتمعات حيث عَمِلَ نُخْبَةُ من المفكرين على دراسة جذور هذه الموضوعات والبحث لها عن عوامل ومعالجات تقي المجتمع مخاطر الانزلاقات التي تعمل على تهديد كيانه.
"كان الاختلاف ولا يزال موضوعاً يشكّل أزمة فعلية حادّة في الخطاب الأنتروبولوجي المعاصر على جميع مستوياته وتحولاته وتطوراته الزمنية. فإشكالية الاختلاف طرحت نفسها بقوة في كل ثقافة إنسانية بل هي واقع يخترق كل مجتمع بشري، إذ لا يوجد مجتمع يخلو من التعدد والتنوع الثقافي والسياسي، وتكفى نظرة عابرة حول ما يحدث في عالم اليوم من اختلافات وخلافات ثقافية وسياسية واجتماعية فلعلَّ مشكلة المشاكل عندنا اليوم هي مشكلة الاختلاف وعدم قبول الرأي الآخر، والسؤال المطروح هنا هو هل ثمّة منهاج عملاني يعمل على إدارة هذا الاختلاف؟!
بعد حروب ضارية وصراعات دامية مريرة خاضتها بعض الأمم والشعوب، انتهى مفكروها ومنظِّروها في نهاية المطاف إلى بلورة رؤية موضوعية للاختلاف وإلى الاعتراف بقانونيته وإعطائه صبغة ثقافية رسمية، وقراءة سريعة في بيان الجمعية العامة للأمم المتحدة الصادر في عام 2002 م، والتي أعلنت يوم 21 مايو اليوم العالمي للتنوع الثقافي من أجل الحوار والتنمية، ونظرة أخرى إلى محتوى بيان الإعلان الإسلامي حول التنوع الثقافي للمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة ISESCO ايسيسكو ليتبيّن للباحث أن البشرية تسعى اليوم إلى اعتماد قيم الانفتاح والتسامح والنسبية والتعدّدية وحقوق الإنسان، وأن الاختلاف أصبح هو جوهر الديمقراطية وروحها.
وناهيك على أن يكون موضوع الأنتروبولوجيا الأساسي أو ربما الوحيد هو دراسة ظاهرة الاختلاف بين بني الإنسان كما يرى أستاذ الأنتروبولوجين المعاصرين كلود ليفي ستراوس، فإن الأهمية الإستراتيجية التي يحظى بها مفهوم الاختلاف في الفكر الغربي تعود إلى أنه "انطلاقا من الاختلاف ومن تاريخه يمكننا معرفة من وأين نحن، وما يمكن أن تكون عليه حدود عصرنا "كما يقول جاك دريدا".
لكن تحويل الاختلاف الثقافي بين الثقافات، إلى ثقافة في الاختلاف يحتاج إلى طرح فلسفة الاختلاف على مشرحة البحث والتحليل لمعرفة محدداتها وتجلياتها وشخصياتها ورموزها لتتأصّل ثم تترجم إجرائيا في واقع الناس إلى ثقافة سلوكية savante ثقافة الاختلاف وفلسفته كقيم عالِمة شعبية ليتحقق السلام العالمي وتسود شراكة الكينونة بين سكان الأرض في زمن القرية العالمية الواحدة أو في زمن الغرفة العالمية الواحدة التي "تقلص فيها العالم وانكمشت المسافات وتكاثفت عمليات التواصل والتبادل على المستوى النفسي والأخلاقي وأصبحت الأرض أكثر صغرًا" على حد تشخيص ليفي ستراوس.(1)
هذا الطرح يقودنا أيضاً إلى التطرُّق إلى قيمة وفن الاختلاف كمنظور فلسفي وأخلاقي في كيفية توظيف الرأي وقبول ثقافة الرأي الآخر الذي يعتبر من الموضوعات الرئيسة في تنمية ثقافة الإنسان والوصول به إلى قمم الحضارة الإنسانيّة الراشدة التي تنقلنا إلى وعيٍ ثقافي منتج بالشعور والمسؤولية اتجاه بعضنا البعض، قبول ثقافة الاختلاف بين أبناء المجتمع الواحد أو الأمة الواحدة إنما يكمن في تقبّل رأي الآخرين برحابة صدر حتّى لو كانت معارضة لآرائنا الشخصيّة. وقبول ثقافة الآخر إنما تتمثل في عدم إقسار الآخرين على قبول آرائنا الشخصيّة من غير اقتناع تامّ.
من هنا ينصح علماء الاجتماع الى عدم تحويل الاختلاف في الآراء إلى صراعات وخلافات، فإنّ ذلك يضيّع أساسيّات الثقافة الحوارية الصحيحة وإقلاع الجذر الحقيقي لقيمة فلسفة الاختلاف التي تكمن في التعددية الفكرية والثقافية.
إذن الحاجة إلى تعميق وتأصيل فلسفة الاختلاف في عقلية الإنسان وإذا كانت المجتمعات المعاصرة تغفل هذا الجانب في حياتها أو تحاول عدم استيعابه فإنها ستظل قابعة بين الأخطاء والسلبيات في اكتساب فلسفة فن التعايش التي تتضمن حضور هذا المفهوم الفكري والفلسفي الذي يقوم على أسس ومرتكزات تنبع من السلوك والتربية والتنمية العقلية وصقل الشخصية الإنسانية بصفات وخصائص جوهرية تنطلق من مستويات وبنيات إدراكية وعقلية وثقافية ومعرفية.
نكتفي بهذا القدر من الحديث عن موضوع الاختلاف ونعود إلى قضية صاحبنا:
حاول البعض من الحاسدين والمناوئين العمل على نشر الدعايات المغرضة والأقاويل المتناقضة في حق صاحبنا لكي يدفعوا بالجمهور للابتعاد عنه والتخلّي عن نصائحه وتوجيهاته القيميّة التي كانت تقوم بدور توعية المجتمع في الأولويات الرئيس فيما يخصّ التوجيه والارشاد نحو تأصيل ثقافة فلسفة الاختلاف وقبول التعددية الفكرية عبر منهاج التسامح والانفتاح.
بالطبع الإنسان الذي يسعى لمناوأة الآخرين غالباً ما يتبنى مصلحة ما سواءً كانت مادية أو ذاتية كالتفرّد بالرأي وعدم إتاحة التعدد لأيّ رأي آخر قد يظهر بكفاءة وقدرة متميزة وبارزة في الطرح والمفهوم المعنوي.
إن افتعال العداء للآخرين بسبب الخلاف والاختلاف في وجهات النظر إنما هو ناتج عن نقصِ في وعي الإنسان بل عدم توافر السلوكيات الأخلاقية المعرفية من شأنها أن تدفع بالإنسان نحو الوقوع في الجهل وبالتالي افتعال المشكلات مع هذا وذاك.
لقد ركّز علماء التربية على أهمية توظيف الجانب السلوكي في شخصية الإنسان منذ نعومة أظافره حتى لا يكون هنالك انحرافات سلوكية وتربوية تنبعث من شخص الإنسان فالجانب السلوكي يعمل على تهذيب النفس وتقويم السلوك اتجاه من نتعامل معه سواء اختلف معنا في الرأي أو في طريقة التفكير فلا ينبغي أن يكون ذلك مدعاة للتشنّج وخلق العداوات والمناوشات الاجتماعية المختلفة.
عندما استشرت الوشايات والدعايات على شخصية صاحبنا، بدأ كثير من الناس ممّن عاشروه وعرفوه بالابتعاد والتخلّي عنه بسبب الأموال والرشاوى التي دُفِعت لهم في قِبال تشويه سمعته من قبل مناوئيه.
إذا أردت إتباع القول الصحيح فكن مقتنعاً ومتيقناً بما يطرح عليك ولا تغرنّك المصالح الدنيوية أو المادية التي قد تُسْتَدْرَجْ من أجلها للتخلّي عن مبادئك وقيمك النبيلة.
بدأ صاحبنا يفكر ويفكر بما آلت إليه الأوضاع في مدينته التي كان يقطنها ومدى تأثير ذلك على عقول الناس، فقرّر الهجرة إلى موطن آخر كما أسلفناه علّه يجد ضالّته المنشودة ومن ثمّة يتنفّس الصعداء.
بعدما وصلته معلومات وأخبار بأن المغرضين يتربّصون به ويتحيّنون الفرص لتصفيته جسدياً بسبب حقدهم الدفين عليه والمصالح المادية التي كانوا يعملون لأجلها قرّر مغادرة المدينة والذهاب نحو فضاء آخر لكي ينجو بنفسه من الموت.
هذا العصر مليء بالأشخاص الذين لا همّ لهم سوى مصالحهم الدنيوية والمادية حتى وان وصل بهم المطاف للتخلّص من أقرب الناس نسباً وحسباً إليهم فعلوا ذلك لأجل حفنة من المال وحب الأنا المتمردة على الغير إلا أن العجيب في الأمر لا يتوقف عند هذا فحسب بل أن حبَّ الهيمنة الذاتية على الآخرين تحسب نفسها هي جهة مخوّلة للإصلاح والإرشاد، وترى أصحاب هذا الصنف يتبجّحون ليل نهار باسم القانون وإرساء العدالة بين الناس وان هم إلا أضلّ سبيلا.
وتستطيع عزيزي القارئ أن تحدّق بعينيك البريئتين الحاكمتين بعين الحق والحقيقة لترى زيف هؤلاء حيث أنهم منتشرون في كل بقعة من بقاع المعمورة..
في نهاية المطاف قال صاحبنا لبعض أصاحبه الخُلّص ممن كانوا مقربين منه أثناء إقامته معهم سأضطر للهجرة حيث ارض الله واسعة فحاولوا الانتفاع قدر الإمكان من بعضكم البعض بأسلوب النصيحة والإرشاد العلمي بينكم وكونوا على يقين بأن تآلفكم مع بعضكم البعض سيكون له نتاجات هدفية تتغلبوا من خلالها على النفس الشيطانية التي تهدد الأمن والسلام.
المصادر:-
(1)- مقدمة في فلسفة الاختلاف دراسة انتروبولوجية عند الأمير عبدالقادر الجزائري – أطروحة ماجستير ، إعداد الطالب/ فرعون حمو وإشراف الأستاذ الدكتور سعيدي محمد السنة الجامعية 2009-2010م