محطات واضاءات قيمية في سرد سيرة نموذجية (2/10)
أهمية الوحدة وضابطة الاختلاف بين أبناء المجتمع.
بعد أن قدّم لهم النصيحة وقال لهم " اطلبوا العلم ولو في الصين" قرر صاحبنا الهجرة على فرسه قاطعاً مسافات طويلة في تلك الفيافي حتى وصل به المطاف إلى مدينة تُدعى "مدينة السلام" فوفد عليها وفي نفسهِ غبطةٌ وسرور لقدومه هذه المدينة. مدينة السلام هي المدينة التي مكث فيها صاحبنا وتعلّق بها وألِفَ أهلها لسنوات طويلة فاتّخَذَ من إقامته منطلقاً للتبليغ والتوجيه للناس الذين عرفهم هناك فكان من حرصهِ على أهلها أن قدّم لهم النُّصْحُ والإرشاد وبثّ في نفوسهم منطق التآلف والتراحم حيث كان له دوراً بالغاً في هذا السياق فقد وحّدَ شملهم وجعل الفرقة بعيدةً كلّ البعد عنهم بحكمته وصوابه وسياسته ودهائه فكان ذلك مضرب مثل للجميع.
لقد انصبت اهتماماته آنذاك في إلقاء الخطب والمحاضرات والتحدث بالحِكَمْ فيما يخص القرارات التوجيهية الصائبة حول أهمية تفعيل الوحدة بين الناس حيث سعى لتوحيد كلمتهم بشتى الطرق لأنّ ذلك سيكفل لهم طريق التقدم في شؤون حياتهم وسيبعدهم عن الصراعات والنزاعات الاجتماعية والحزبية والفئوية التي تُدَمِّرْ كيانهم كمجتمع واحد ومن ثمّةَ تجعله منقسماً إلى كيانات وكانتونات متشتتة ومتباعدة عن بعضها البعض في الأهداف المشتركة مما يساعد على تقويض بنيته الأساسية من هنا حَرَصَ صاحبنا على إيجاد مفهوم الوحدة والتماسك البنيوي الاجتماعي الذي يعمل على تنظيم نظم الكيانات المشتتة وجعلها ضمن كيان واحد منظّم ينضوي تحت مفهوم الوحدة ووحدة الكلمة بين أبناء المجتمع الواحد.
ما أحوجنا في مثل هذه الأيام إلى تفعيل مفهوم الوحدة فيما بيننا بحيث ننطلق من مفهوم نبذ الفرقة والتناحر إلى مفهوم الوحدة والتآلف الذي يعمل على صهر مكونات المجتمع مع بعضه البعض ويشكّل له سياجاً أمنيًا تقيه المخاطر التي قد تحدق به من كل حدب وصوب من أحداث ومتغيرات أو معطيات وتحديات سواءً كانت داخلية أو خارجية عادةً ما يكون منشأها مباشراً أو غير مباشر من هنا سنتحدث عن أهمية الوحدة وضابطة الاختلاف باعتبارهما مفهومين شموليّين يطالا كافة المستويات الحياتية والاجتماعية.
"تكمن أهمية الوحدة في تفعيل اللقاء حول القضايا المشتركة، فهو الكفيل بتطوير مستوى مفهوم الوحدة. فالوحدة الحقيقية والصلبة، لا يمكن أن تعيش إلا في ظل الاختلاف المشروع، لأنه يغْني مفهوم الوحدة ويمدّه بأسباب الحيوية والفعّالية، ويؤسّس لوقائع وحقائق جديدة تحول دون تقهقر المفهوم الوحدوي على مستوى الواقع.
فالاختلافات الإبيستمولوجية والإيديولوجية والسوسيولوجية والسياسية، ينبغي ألا تدفعنا إلى القطيعة واصطناع الحواجز التي تحول دون التواصل والتعاون والحوار.
نحن بحاجة دائماً إلى منهجية حضارية في التعامل مع الاختلافات والتنوعات، حتى يؤتي هذا التنوع ثماره على مستوى التعاون والتعاضد والوحدة.. والمنهجية الأخلاقية والحضارية الناظمة والضابطة للاختلافات الداخلية، قوامها الحوار والتسامح وتنمية المشتركات وحسن الظن والاحترام المتبادل ومساواة الآخر بالذات. هذه المنهجية هي التي تطور مساحات التعاون وحقائق الوحدة في الواقع الخارجي.."(1)
لقد كانت هذه المفاهيم حاضرة في فكر صاحبنا حينما استقرّ به المطاف في مدينة السلام وبالفعل لقد تأثّر به معظم الناس وبأقواله العلمية الرصينة التي كانت تؤتي ثمارها في أوساط المجتمع آنذاك – لقد تحول ذلك المجتمع من مجتمع الأشخاص إلى مجتمع الأقوال والأفعال ذلكم هو المجتمع الراشد الذي يعي مفاهيم الأمور الحياتية فلا تكون له دوافع مصلحيه تدفعه باتجاه الخروج من دائرة المصلحة العامة للمجتمع الذي كان لصاحبنا دوراً هاماً في تحريك الواقع الثقافي وتحويله إلى واقع جوهري وفكري ذات طابع فلسفي شمولي يرتكز على مبادئ ومنطلقات ودوافع منطقية تجعل منه مجتمعاً نموذجياً يُحتذي به لدى المجتمعات والأمم الأخرى.
وبعد مضي سنوات وما آلت إليه الأمور من تدهور على المستوى العلمي والاقتصادي في مدينة السلام ظهر فيها أشخاصٌ كانوا يناوئون فكر صاحبنا ويعملون على نشر الدعايات السلبية اتجاه شخصيته ومكانته والقيام بمحاولة إبعاد الناس عنه وإسكات الصوت الذي يتحدث عن صفاته وخصائصه النموذجية.
لقد كثرت واستشرت الأحاديث المغرضة اتجاه شخصه وقد وصل الأمر بهم إلى إقصائه وإبعاده عن المدينة والعمل على نشر كافة الدعايات التي تؤدي إلى تشويه شخصيته وهذا ما ينطبق على واقعنا المعاصر نحن أيضا فترى البعض يعمل على تشويه صورة الآخر لا لشيء إلا لأنه ذو كفاءة وفاعلية وحضور علمي جماهيري متواصل ومتصل على المستوى الاجتماعي والثقافي.
عندما استشعر صاحبنا هذا الخطر البالغ على حياته قرر الخروج والابتعاد من هذه المدينة خوفاً على نفسه ومن تصفيته جسدياً فقرر الهجرة ليلاً لكي لا يعلم أحد بشأنه وبالفعل خرج خائفاً يترقّب من مكر الماكرين وكيد الكائدين، واستطاع السفر ليلاً دون علم احد من الناس حتى المقربين منه لم يكونوا على دراية من أمره فقد فاجأهم بنبأ مغادرته عندما قصدوه للزيارة وقد سألوا عنه في كل مكان فلم يجدوا له أثرا.
لقد أسِفَ الناس عليه فيما بعد عندما غادرهم لأنه في اعتبارهم مكسباً كبيراً لهم يستفيدون منه في التوجيه والإرشاد وأخذ المشورة والانقياد لخطبه ومحاضراته القيّمة، وممّن تفاجأ من هروبه أيضا مناوئوه وأعدائه مما قد أصابتهم الخيبة ومُنيت أفكارهم السيئة بالفشل إزاءه في كيفية التفكير للكيد والمكر به، لكنّ صاحبنا خَرَجَ من حيث لا يعلم الجميع مخلّفاً لهم تركة علميةً وأخلاقيةً فلسفيةً في ميادين مختلف شؤون الحياة
.
المصادر:-
(1)- الاستاذ محمد محفوظ / في معنى الوحدة والاختلاف - صحيفة الرياض الثلاثاء 14 جمادى الأولى1426هـ-21 يونيو2005م العدد 13511.