في رثاء الثقافة.. (أو- وداعا أيها العقل!)
" المعرفة آفة، والراحة في عدم المعرفة!"
- مثل خليجي
أولا: [المغزى من هذه المقالات، هو كشف الاغتراب بين أجيال الحداثة وما بعدها]
ثانيا: المقصود بالثقافة هنا، هو معناها الاصطلاحي الكلاسيكي المتمحور حول المعارف والفنون والاجتهادات العقلية؛ خلاف معناها اليوم في العصر الأمريكي الذي يعول على ما يدعوه بالثقافة الشعبية الفائضة عن حركة انزياح الزمن، بما صار يدعى بثقافة الأكل والثقافة الرياضية وثقافة التسلية الالكترونية، والتي لا تخرج في أساسها عن ثقافة الاستهلاك الفائض أو الفارغ - من وجهة نظري-، وترمي لأغراض سياسية رأسمالية، تتمثل في تهميش العقل والوعي، وتجحيش البشر كقطيع سياقتصادي في خدمة القوة المتسلطة بالانسان بوصفه سلعة/ عبد].
(1)
لغرض الدقة وتجنب متاهات السفسطة الغربية، يقتضي التمييز بين المفهوم الحداثي الرأسمالي للثقافة والمفاهيم عامة، وتتعلق بالمركزية الأوربية الغربية، والمفهوم الميتا- حداثي الامبريالي ومنشؤه الجغرافي يتعلق بالمركزية الأمريكية الشمالية أي الولايات المتحدة الأمريكية تحديدا، بوصفها امتدادا مشوّها – بفتح الواو وكسرها أيضا- للمركزية الأوربية، وانقلابا راديكاليا لاحتكار بؤرة الهيمنة السياسية والحضارية للأبد.
الثقافة كمنظومة حضارة ومفاهيم تقدمية ارتبطت بثمار النهضة والمدنية الأوربية التي شكلت قيامة جديدة للمثال الأغريقي قبل الميلاد، وتحددت زمنيا بالقرون الثلاثة بين السابع عشر والتاسع عشر. تاريخيا بلغت ثمار تلك الثقافة الشرق الأوسط مع أواخر القرن التاسع عشر في استامبول وبيروت والقاهرة وبغداد، ودعيت يومها بحركة الاصلاح والتنوير، وكان دخول المطابع وصدور الصحف أبرز معالمها*..
ومع بدايات القرن العشرين بدأت البنى التحتية للثقافة والمدنية تنتشر في بلدان الشرق الأوسط ممثلة ببناء المدارس والمؤسسات المدنية وبرامج التعليم والادارة العصرية. واليوم، عندما نرثي ثقافتنا وما وصلت إليه حياة الانسان والنظم الاجتماعية في بلادنا، فنحن نذكّر، بمرور قرن واحد أو يكاد، على ولادة الثقافة والحياة المدنية في مجتمعاتنا التي غرقت قرونا طويلة في دواجي التخلف والجهل والعبودية، والتي تعود إليها اليوم، عجلى، وبلا مضض.
قبل قرن من الزمان، تولّت البؤر الحضارية التاريخية والمدنيات العريقة في الشرق الأوسط استقبال ونشر ثمار المعرفة ونور العقل وحرية الانسان، ممثلة في مصر والشام والعراق وايران. قبل أن يبدأ بناء البنى التحتية الثقافية والمدنية. وكانت رموز الانتلجنسيا التي تعلمت في أوربا القرن التاسع عشر، تتولى الاشراف على النهضة العصرية، وتشرف على اعداد الجيل الثاني المحلي لقادة الفكر والثقافة والمجتمع. وبفضل حكمة أولئك، ونزاهة المؤسسات الحكومية، تحققت نماذج طيبة للتكامل الثقافي الاجتماعي، التي شكلت مجتمعا عصريا متقدما، يقوم بدوره برفع بقايا المجتمع التقليدي واستقطابه لسدة الثقافة والعصر. والواقع ان الانتاج الثقافي والعقلي للقرن العشرين، يستحق أن ندعوه عصرا ذهبيا للثقافة والعلوم العصرية، نفتقده اليوم، ويشكل فراغا حضاريا وثقافيا في حياة وضمير مجمتعات الراهن.
الثقافة العصرية الشمالية مثّلت بؤرة إشعاع جغرافي امتد تدرجيا نحو الجنوب، الأدنى فالأبعد فالأقصى.
وفي الربع الثالث من القرن العشرين التحقت منطقة الخليج بركب الثقافة العصرية، لتلحق بها المناطق الأبعد في الربع الأخير من القرن العشرين، من باب المنافسة والتنابز، وليس التوق الطبيعي للتقدم والمعاصرة. فالتحاق الخليج بالثقافة العصرية ارتبط بانعكاسات ظهور النفط فيها، والفورة المالية لما بعد السبعينيات.
مقارنة ببلدان الشمال، يمكن تقييم الثقافة الخليجية بعدة ملامح:
1. باستثناء الكويت، فأن مفهوم الثقافة التي استقبلها الخليج، تختلف بنيويا وفلسفيا عن البنى الثقافية التي قامت في بلدان الشمال.
2. الثقافة الخليجية تأثرت بتيارين ثقافيين، برز أحدهما في بلاد الشمال، وبرز الآخر في الغرب الأوربي.
3. مصطلح أو مفهوم التراث الذي شاع في سبعينيات القرن الماضي في العراق والشام، مثل طبعة ثالثة للثقافة بعد فكرة التعريب والقومية. مفهوم التراث كان ردا على شيوع مصطلح (غزو ثقافي) الذي يتّهم الحداثة – الثقافة الأوربية- بأنها مشروع سياسي لـ"غربنة" المجتمعات واستئصال هوياتها المحلية، ويوصف كذلك بالتغريب. ويشكل ظهور تطبيع مفهوم التراث بداية الارتداد الفكري العربي.
4. في السياسة الدولية انتشر مفهوم (البراغماتية) الذي يمثل بدوره انقلابا راديكاليا على قاعدة الثوابت السياسية والستراتيجية، إلى مرحلة –تطبيع الميكافيللية- أساسا للسياسات الدولية في العصر الأمريكي الراهن. الخطورة في البراغماتية، لا تقتصر على بشاعة الميكافيللية، بقدر ما تشكل الغاء تاما للقيم والمبادئ الأخلاقية، وبالتالي، تبيح كل شيء لبلوغ أغراضها المتركزة على الذات والسلطة ورأس المال.
5. ان بلدان الشمال التي سوّغت مفهوم التراث لترسيخ الهوية القومية، وقفت بالضدّ من مفهوم البراغماتية، والتزمت ثوابتها القومية والستراتيجية في سياساتها المحلية والخارجية. بينما قامت الأنظمة الخليجية بتعشيق كل من مفهومي التراث والبراغماتية وجعلتهما أساسا لنظمها، يتعدّى السياسة إلى فضاء الحياة الاجتماعية بكل جوانبها. كان من نتيجته، ليس مفارقة النظام الخليجي لنظم الشرق الأوسط العتيدة، وانما مفارقة المجتمع الخليجي والانسان الخليجي عن أشقائه الشماليين واقترانهم بالازدواجية الشخصية والاجتماعية.
6. ان طامة البراغماتية الخليجية المشوهة، انعكست على الانتلجنسيا الخليجية واغترابها المزدوج، عن مجتمعاتها من جهة، وعن الثقافة الشمالية من جهة أخرى. ان تعشيق التراث بالبراغماتية، غفل جوهر التناقض البنيوي بينهما. ففيما جاء مفهوم التراث دفاعيا ضد التغريب، فالبراغماتية الخليجية هي قفزة عمياء في أقاصى الغربنة المتطرفة. فالتلاقح الخليجي اتجه مباشرة للحليف الأمريكي، وليس للغرب الأوربي حسب تجارب بلدان الشمال. فالولايات المتحدة، ليست نموذجا أوربيا تقليديا، وانما هي حالة راديكالية متطرفة، جمعت الغريب والعنيف والاستثناء الشاذ في تاريخ الفكر الأوربي، وبشكل يمثل عودة مشوهة للدولة الدينية السياسية في أتفه تفاصيلها. وبشكل يسوغ الكوارث الاجتماعية والسياسية في العالم، خدمة لفكرة توراتية أو انجيلية، تمنح البيت الأبيض من خلالها سلطة الهيمنة المطلقة وتهشيم الهويات. فتدمير هيروشيما وألمانيا والعراق يقارن بتدمير الأشرار في سفري يشوع والرؤيا، بينما تفسر السلفية الوهابية الجهادية ما تقوم به على أطراف شبه الجزيرة، بوصفه مكافحة (الكفار) و (الكافرين).
7. تماهي النظام الخليجي في مفاهيم السياسة الأمريكية،- غفلا عن الظروف جغرافيتها المحلية التاريخية- أصاب نظرتها لنفسها وللأخرين بالانتفاخ ونزعة الهيمنة؛ الأمر الذي زاد من تهميش وتحجيم طبقة الانتلجنسيا الخليجية، ورفع في محلها الطبقة التجارية/الدينية.
8. الركوب الخليجي المتأخر والمشوه للثقافة، لم يسمح بظهور نتاج ثقافي وتراكم فكري خلال القرن العشرين؛ وبالتالي، غيّبها تماما عن المشهد الثقافي والمساهمة الفكرية الحقيقية في النهوض الثقافي العربي للقرن العشرين.
ان الذي يبقى للتاريخ هو الثقافي، هو الكلمة، ليس السياسي ولا التجاري. ولا يعترف عصر ما بعد الحداثة بالنتاج الثقافي ودور الفكر والعقل الانساني، قدر عبوديته للتراكم الرأسمالي والتطاحن السياسي والعسكري لخدمة تجارة الموت والسلاح [ثقافة التدمير وتدمير الثقافة].
*
(2)
الثقافة قيمة وهدف أسمى..
في أول تسجيلي للدراسة كان البيت الذي نسكنه قبالة مبنى المدرسة بمسافة عشرين مترا، ولم يكن للمدرسة – بعد- سياج. وضعني والدي على أول رحلة بجنب باب الصف ومضى، وعندما رنّ الجرس وانتهت الحصة الأولى، خرج التلاميذ من الصفوف إلى الفناء المفتوح، أما أنا فقد عدوت للبيت مباشرة، ورفضت العودة للمدرسة حين رنّ الجرس مرة أخرى. لم يستوعب عقلي مدرسة بغير سياج، ورفضت العودة للمدرسة ذلك العام.
بعد مدة تركنا ذلك البيت إلى نزل آخر، بعيد عن المدرسة. مع بدء العام الثاني أعاد والدي تسجيلي في المدرسة، وكانت تبعد عن البيت أحد عشر كيلومترا. في كل صباح يجتمع أطفال القرى في قوافل صغيرة ويذهبون إلى المدرسة سيرا على الأقدام. اكملت الصف الأول ونصف الثاني في تلك المدرسة البعيدة، ونظراً لحسن حظي كان الشتاء مطيرا، والطرق ترابية موحلة. على جانبي الطريق تنتشر القرى التي تنبح كلابها عند رؤيتنا ذهابا وإيابا. من هناك تعلمت كيفية مراوغة الكلاب في سنٍّ مبكرة، ومن هناك سجّلت اعتراضي الأول، عن سبب ارتباط النظام الدراسي بموسم الشتاء، بينما تقع العطلة الدراسية في موسم الصيف. مجرّد سؤال مبكر!.
في تلك الأيام لم تكن لدينا حقائب ولا ملابس واقية من البرد والمطر، كاليوم. ولكن أكفنا الصغيرة كانت قادرة على مدّ أصابعها لاحتضان رزمة الكتب والدفاتر، ومعها المسطرة الخشبية والقلم الوحيد- مقارنة بترف هذه الأيام. رغم قسوة الظروف والبيئة، كنا نعيش حالة من الفرح والاعتداد لأننا نذهب إلى المدرسة ونحمل معنا كتبا.
يومها كان المرء يقطع مسافة ساعة على قدميه لشراء جريدة أو مجلة من مكتبة البلدة، وقد يذهب البعض إلى مدينة أخرى لحضور نشاط ثقافي أو عرض مسرحي. في أول المرحلة المتوسطة كان لي صديق يجمع نقودَ العيديّة، ويشتري بها الكتب الأدبية. كانت المطالعة الأدبية والخارجية الشغل الشاغل والهواية المشهورة عند صبيان ذلك الزمان. وفي عطلة الصيف ننشئ (النادي الطلابي الصيفي) لمداومة لقاءات الطلبة والقيام بنشاطات ثقافية ورياضية، وتخصص مديرية التربية أحد المدارس في وسط المدينة لهذا الغرض. وكانت المجلات الطلابية ونوادي الشطرنج والمطالعة والباراسيكولوجي من بنات النوادي الصيفية تلك.
كنا نشعر بالفخر عندما نسير ونحن نحمل كتابا أو جريدة. وعندما نسافر نحرص على حمل كتاب نطالعه في الطريق. هذه المظاهر الثقافية تخلّلت الحياة الاجتماعية ولقيت شعبية وثناء لتتحول إلى تقاليد ثقافية عامة، ساهمت في صقل شخصياتنا وعقولنا وأفكارنا. المحادثات العامة وجلسات المقاهي كانت مناقشات ومداولات ثقافية وأدبية، وفي كثير من المدن والبلدات كانت مقاهي ثقافية وأدبية، ناهيك عن الصالونات الأدبية المنزلية التي انتشرت في غير بلد وصدرت عنها كتب. وحتى تسعينيات القرن الماضي كانت أخبار الصالونات الأدبية المنزلية واعلاناتها تنشر في الصحف وتحضرها جموع المثقفين ورواد الثقافة وضيوف البلاد. ما أبهى تلك الأيام وما أبهجها وأرقاها.
وإلى جانب المدارس والمعاهد والجامعات والمؤسسات الثقافية والصحفية الرسمية وشبه الرسمية، ثمة مؤسسات الثقافة الجماهيرية وقصور الثقافة والنوادي والاتحادات الأدبية والفنية والمهنية، إضافة لمهرجانات الثقافة والانشطة الاجتماعية ومعارض الكتب والمنتجات الثقافية على مستويات المدينة والمحافظة والاقليم والوطن.
كل هذه البنى المؤسّساتية تكفّلت بإنتاج حراك ثقافي وأدبي أنتج أجيالَ الثقافة والأدب والفنون بحسب أجيالهم وتياراتهم وتخصصاتهم ومدارسهم. فالمجتمع الثقافي، هو صدارة مجتمع كل مدينة واقليم وبلد، مدعوما بعوامل الأكادميا والعقل وحرية التعبير.
وعندما تزايدت هجرة المثقفين للغرب عقب الحروب من لبنان والعراق، أنشأ الأدباء المهاجرون تجمّعات وصالونات ثقافية منزلية وأصدروا مجلاتٍ وصحفاً في بلدان المهجر قبل ظهور الانترنت والصحافة الأثيرية. وكانت تلك التجمعات والأنشطة جسرا ثقافيا وحضاريا، بين الشرق والغرب من جهة، كما بين أدباء المهجر والمثقفين أنفسهم. ولا يوجد مبرر منطقي لتلاشي تلك الفعاليات مع غلبة الصحافة الألكترونية، تاركة المجال للتجمعات والأنشطة الدينية غير المثقفة.
بحسب هذه الهيكلية العريقة والمتنوعة، يمكننا اليوم إعداد مدرجات جيلية لرموز ثقافة كل عقد من السنين وفي مختلف تخصصات وأنواع النشاط العقلي والثقافي على مدى القرن العشرين. هذا الفهرس المدرج والمبوّب هو شهادة حضارية لمدى حيوية وتطور ومساهمة كل بلد في التراكم الثقافي العقلي الذي نورثه لأجيال المستقبل. أقول الإرث الثقافي العقلي وليس غيره من تهالكات السياسي والتجاري وغيرها. ما زلنا نعتدُّ بجلجامش وامرئ القيس والمتنبّي والمعرّي وأحمد شوقي والزهّاوي وطه حسين ونجيب محفوظ، هؤلاء هم ديوان اللغة والثقافة والعقل ومادة الهوية الوطنية والثقافية الانسانية. وما يجري اليوم من انجراف سكاني سياسي في برك الصراعات وتدمير الذات والحياة والآخر، انما هو الحاف تدمير الهويات والثقافات لخدمة الامبريالية العالمية المعادية للانسان والحضارة.
وما يبقى هو الأصيل، وأما الزبد والغثاء، فيذهب جفاء.
*
(3)
تطبيق ما بعد حداثي..
خريجو المدارس الرشدية كانوا كوادر مؤسسات الدولة العثمانية، ومن الأدباء والعلماء كان يتم اختيار المدرسين والاساتذة والفقهاء في المؤسسات التعليمية والثقافية والدينية. ومع انتشار المدارس الحكومية شكل خريجوها الكوادر الادارية والعلمية للدوائر والمؤسسات الحكومية والمجتمعية. وكان هؤلاء المتعلمون والمثقفون هم واجهة المجتمع وصدارة النخب السياسية. فمصر محمد علي باشا هي مصر الثقافة وأدباؤها وعلماؤها ونجوم ثقافتها وصحافتها. وكذلك هو الحال مع فرنسا وبريطانيا أو جمهورية فايمار، كما هو عراق العباسيين والقرن العشرين، أو حلب الحمدانيين ولبنان الخوري والرحابنة. ما يبقى هو الثقافة!.
لكن نكسة الثقافة ارتبطت بالارتداد الفكري. هيمنة السلطة على المجتمع، وهيمنة البدوي والقروي على السلطة. يشخّص المؤرخون ان الطبقة السياسية الحاكمة في الشرق الأوسط كانت من أصول غير مدينية، من أبناء القرى أو البدو الذين تدرّجوا في الجيش والأحزاب السياسية والدينية. وعندما استلموا الحكم، أداروا الدولة والمجتمع بعقلية القرية أو الجماعة البدوية. انتهى القرن العشرون ولم يحكم العرب ثلاثة: عالم أو دكتور أو أديب! وأضيف لهم المرأة. أما في أفريقيا فقد حكم السنغال الدكتور الشاعر والفيلسوف ليوبولد سنغور. وترأّست المرأة غير دولة أفريقية. ولا يختلف اثنان، ان وضع الأفارقة في العالم والمدنية أفضل من العرب بكثير، وهم يحتلون نهاية الحضارة والتاريخ بغير منافس.
هيمنة أنصاف المتحضّرين وغير المثقفين على الحكم في النصف الثاني من القرن العشرين اقترن بموجة التراث ونعرة الغزو الثقافي، مما حدّ من حريات التفكير والتجديد والتعبير، وأنتج طبقة ثقافية من الأكادميين والمثقفين المتأخرين – مثقّفي الأيديولوجيا العروبية الاسلامية- هيمنوا على الجامعات والمؤسسات الثقافية والاجتماعية ووسائل الاعلام، مقابل إزاحة غير المؤدلجين والمتأدلجين من الأجيال السابقة والجديدة خارج المشهد الثقافي والاعلامي.
في العقود الأخيرة تكالبت جملة عوامل وظروف، صبت لصالح تضييق الحريات وتشديد القمع الفكري والسياسي، وبشكل جعل أنابيب التنفس تضيق تدريجيا حتى انتهت بانعدام الهواء الصالح للحياة مع نهاية القرن، متوجا بشهادة سقوط العراق تحت الاحتلال (2003م)، وهو مفترق تاريخي ينبغي التأريخ به على غرار حملة نابليون على مصر (1798م). – بداية عصر النهضة العربية ونهايته!.
ولا تكتمل قراءة الارتداد الثقافي، بغير تأشير ظاهرة الترييف والتبدية [من الريف والبداوة]. وهي زحف سكان القرى والبدو إلى المدن، وزحف سكان الأطراف على العاصمة، وما يوصف بالتجريف السكاني والمدني. فإلى جانب جملة الظواهر المتراجعة لمجتمعات الشرق الأوسط بين أول ومنتصف ونهاية القرن العشرين، تغيرت الهوية الحضارية والاجتماعية لكل المدن الرئيسة والعواصم وتضخمت سكانيا.
هذا التجريف السكاني والحضاري يعني اضمحلال السكان الأصليين للمدن والعاصمة، بما يقابل التصفية والتطهير العرقي – المستمرة حتى اللحظة وما بعدها طبعا- وبشكل جعلها بين خيارين: التهميش الوحشي أو الهجرة. ويعرف العراقيون الأصلاء ان النخبة البغدادية الأصلية بما فيها الارستقراطية الاجتماعية والثقافية غادرت العراق نحو الخارج عقب الخمسينيات (سقوط الملكية). وأن الهجرة الكبرى الثانية من بغداد والمدن الرئيسية كانت بين السبعينيات والتسعينيات. وأن حقوق ملكية وايجارات المناطق القديمة وشارع الرشيد تذهب لغير أهلها منذ عقود. وأسجّل هنا رواية (عمارة يعقوبيان) التي يستعرض فيها الدكتور علاء الأسواني الانقلاب الحضاري لمجتمع القاهرة من خلال سيرة عمارة الخواجا الأرمني هاكوب يعقوبيان في شارع طلعت حرب وسط القاهرة.*
يستطيع القروي أن يبني قرية، ولكنه لن يبني مدينة، بقدر ما يحول المدينة العامرة إلى قرية كبيرة أو مغارة لصوص، بحسب وصف سفر أشعياء بن آموص (1: 21): كيف صارت القرية الأمنة زانية. كان العدل يبيت فيها، أما الآن، فالقاتلون!. وها هي المدن.. الواحدة تلو الأخرى.. تسرع نحو الخراب، بأيدي قاطنيها. البيوت لا يسكنها أهلها، انما الغرباء. والبلاد لا يحكمها ذوو العقل والخبرة، وانما الدخلاء. دوائر الحكومة يسودها من يفسد ويسيء معاملة الناس. والانسان غريب في وطنه، ومضطهّد من غير بوليس.
في بغداد الثمانينيات والتسعينيات، صار كثيرون يلتزمون بيوتهم، لا يبرحونها لغير ضرورة قصوى. مجرد الخروج من الباب مجلبة للمهانة. خطوط المواصلات مهينة. السير في طريق يبعث على التقزز. مراجعة دائرة مبعث خزي. مجالسة العامة لا تحتمل.
كل هذه الصور القديمة تحضرني هنا في لندن. الحرب هناك، وأثارها هنا. القاتل والمقتول، السارق والمسروق اجتمعوا هنا. لندن لا تشبه لندن، لمن عرفها قبل الثمانينيات. لندن هي الحي العربي، الحي الصيني، الحي الأفريقي، الحي التركي. وقد حذقت سياسة الاسكان البلدي في تقسيم المدن الى غيتوات ملونة. القطاع الخاص يغلب عليه المهاجرون. كل احتياجات الأجانب يديرها الأجانب، قطاع السكن والتسوق، مكاتب العقار ومحلات البيع والترجمة والصرافة والمقاهي والفنادق الرخيصة ومكاتب السياحة والطيران والمراكز الدينية، يديرها أجانب. المهاجرون من بلدان الحروب، لبنانيون وعراقيون وايرانيون، شيعة وكرد، صوماليون وجزائريون، يحتكرون المتاجر الصغيرة. معظمهم من المهاجرين الجدد. لم يمض أغلبهم بضع سنوات على وصوله ويمتلك متجرا.
المهاجرون القدماء تركوا وسط لندن إلى الأطراف، بعضهم ترك لندن نحو الشمال. الحي العربي، أجور رود، بيكر ستريت.. لايكاد يصله المهاجرون القدماء، ولهم نظرة سلبية نحو المهاجرين الأحدث عهدا. والحديث عن العرب تحديدا. الأدباء بحسب تخندقاتهم الجيلية والسياسية، ولا يكادون يلتقون مع بعضهم. ليس لهم ملتقى أو جمعية أو مقهى. التجمعات الثقافية الراهنة يغلب على ادارتها رجال دين أو حكومات غير علمانية. مع اغلاق جاليري الكوفة في يونيو 2006م انتهى آخر ملتقى ثقافي مرموق. ولم يظهر مركز اجتماع او لقاء ثقافي آخر. المجلات الثقافية اختفت هي الأخرى، ومثلها الاماسي والمحاضرات الثقافية.شلل غير قليلة من المجتمع الثقافي في لندن انتقلت للخليج، للسكن أو العمل في مؤسسات خليجية.
اشكالية المثقف هنا تتحدد في (الاندماج). اندماج المثقف في الوضع السائد. فحيث فشل المثقف في وضع بصماته على الحياة العامة، عليه ان يتنازل ويخضع للثقافة الاجتماعية السائدة. ذلك هو متنفسه الوحيد للبقاء في المشهد العام. في المهجر لا يختلف الأمر كثيرا، مع وحود نافذة صغيرة، هي ثقافة الآخر. قليل من المثقفين المهاجرين نجحوا في الاندماج في الثقافات الأصلية. والاندماج هنا يعني الكتابة بلغة الآخر والتواصل معه ثقافيا. أمر لم يتح لغير القليل، معظمهم أحدث سنّا وعهدا من القدماء. وبعضهم من الجيل الثاني أو الثالث من المهاجرين. أما اندماج الكبار فهو مغامرة لا تخلو من خسائر ومكابدات نفسية.
هذا ما يبقى أكثرية الآدباء داخل قواقع ذاتية، محدودة الهواء، سواء كانوا في بلدانهم الأم، أو في المهجر. ومع انعدام المؤسسات الثقافية والوطنية اللازمة، فلا أحد يعنيه أمرهم. وقد توفي خلال العقدين الأخيرين عدد غير قليل من كبار الأدباء ومحدثيهم، لم يؤرخ الاعلام لرحيل أكثرهم. وسوف يستمر رحيل كثيرين، قبل أن يفطن أحد لغيابهم.
السؤال الملحّ، أو الذي كان ملحّا مع بدايات القرن الجديد، هو انشاء تجمع أدبي أو ثقافي يعنى بأمور الأدب والأدباء، ويساعد في اصدار مطبوع يعرض نتاجاتهم الجديدة. لكن المداولات الكثيرة حول الموضوع لم ترفع الحماس لدرجة المجازفة. ومن الغريب أن لا يوجد أي تجمع أدبي عربي في كل أوربا.
مثل هذا المشروع يلزم لتبنيه أحد الأدباء الشباب أو متوسطي العمر والعهد، وبحيث يكون مرضيا ومقبولا من مختلف الأجيال. فالأدباء الكبار – في السن والتجربة- لا يتكلفون المسؤولية، ولكن المشكلة الإشكالية، هو ضعف العرى والانتماء داخل العائلة الأدبية. ويفضل البعض أقصر الطرق وأسهلها نحو المال والشهرة، من خلال مؤسسات اعلامية ورسمية، تكفيه أعباء المسؤولية والخسارة.
ضعف الحراك الثقافي والأدبي، استتبعه برود دور النشر عن الاهتمام بالنتاج الأدبي أو توثيق آثار الأدباء، بما فيهم الكبار. فدور النشر الأدبية – غير التجارية- اصبحت هي الأخرى، من تراث القرن الماضي، مع رحيل البياتي ونزار قباني ومحمود درويش.
النشر الأدبي محكوم هو الآخر بعوامل السوق، وهي سوق بهتت ملامح العلمانية واستأثر بها التراث ذو اللون والاتجاه الواحد.
من مثالب القرن العشرين، عدم اهتمام الأدباء بانشاء حركة ثقافية مستقلة، بذاتها، بعيدا عن الحضانة والولاء الرسمي. ومع تراجع الدولة الوطنية العلمانية، وتراجع الدعم الرسمي للثقافة، انقلبت دور النشر لأولويات السوق والمال، وتركت الثقافي يلعق جراحه، أو يدوس على جراحه ويسدد تكاليف طباعة كتبه، دون أدنى ضمانة لتسويق الكتاب ووصوله للقارئ. والقارئ العربي سلبي هو الآخر، ولا يحتمل المجازفة.
ليس للأديب اليوم غير ترديد ما سبق لتوفيق الحكيم قوله: مضى عصر القلم، وجاء عصر القدم!.. والانضمام لقافلة عبد المعطي حجازي: ان المقالة اليوم أكثر لزوما من القصيدة!.
ولكن أي مقالة؟.. بعدما ارتهن المزاج الاجتماعي والذائقة الأدبية، بموجة البتروديندولار!.
*****
· أول مطبعة رسمية في اسطنبول يعود تاريخها الى (1727م)، وفي مصر (1821م) مطبعة بولاق، وفي كل من العراق وفلسطين عام (1830م)، وفي بيروت (1834م). وأبرز آثارها هو ظهور الصحافة المطبوعة في تلك البلاد.
· ما حدث في مدن وعواصم الشرق الأوسط حدث أيضا في بعض البلاد الأوربية الغربية بأثر الهجرة الكثيفة مثل لندن التي يحتل المهاجرون شرقها وشمالها، بينما يتلاشى سكانها الأصليون لأسباب متعددة. لكن الطريف أن الظاهرة كلها تسجل لصالح الارتداد الحضاري وغزو القروي/ البدوي للمراكز المدنية التي كانت مصادر للاشعاع الحضاري ذات يوم!.
*
اقرؤوا أيضاً