في رثاء الانسان.. (أو- البحث عن سومر)

وديع العبيدي قرأها 1,205

في رثاء الانسان.. (أو- البحث عن سومر)

لولا اختراع الزمن والأرقام والكتابة..

لولا اختراع الزراعة والنبيذ والتكنولوجيا..

كيف كانت الحياة ستبدو اليوم؟..

لولا الجنس والدين والمال، هل كانت الحياة ستستمر لليوم؟..

ان أعظم مفهوم تفتّق عنه عقل الانسان، هو القيمة؛ ومن يومها يتم تقييم كل شيء بحسب معيارية القيمة والجدوى.

ولكن الحياة نفسها- وجود الانسان!- بقي من غير قيمة، والقيمة هنا هي المعنى.

سؤال المعنى كان محور دأب العقل البشري وبحثه المضني على مر السنين والحضارات المختلفة، من غير طائل.

بمعنى آخر، إن البحث العقلي انتهى إلى احباط ويأس. وكانت أحداث الحرب العالمية الثانية ونتائجها هي الاعلان العالمي لغياب المعنى وعبثية الوجود، وانتحار آخر الفلاسفة.

ومن يومها يتناوب العالم في سلسلة لا متناهية من حروب وكوارث وأوبئة وصراعات عبثية، لا غاية وراءها غير تعطيل العقل عن السؤال.

بداية التاريخ- اصطلاحا أكادميا- ارتبطت ببداية الكتابة المسمارية -على الطين- في زمن سومر؛ واليوم.. مع انتشار الكتابة الرقمية الأثيرية ، تعلن الكتابة المسمارية القلمية احتضارها، وتصح معه دعاوى نهاية التاريخ. 

كل ما كان قبل أيام سومر، اصطلح عليه بما قبل التاريخ [pre- history]. وعليه، فما يأتي من بعدنا، بعد الآن، - بعد موت التاريخ- هو – ما بعد التاريخ- [proto- history].

الشعوب والحضارات السالفة منذ سومر، لا وجود لها اليوم، ولكن الاطلاع عليها أمكن من خلال العثريات الطينية والنقوش والمعلومات المسطورة فيها، والمحفوظة في أعماق الأرض والمتاحف العالمية.

السؤال هو.. ماذا يتبقى من الكتابات والمدونات الرقمية الأثيرية بعد لحظة، إذا انقطع التيار الكهربائي، أو حصلت كارثة طبيعية أتت على قواعد البنى التحتية للمدنية المعاصرة التي تقوم عليها الحضارة الرقمية.

فالأنترنت يعمل بقوة الكهرباء والبطارية وشاشات العرض ومفاتيح البرمجة. في أي مستشفى أو معمل عندما يحصل خلل في توصيلات الكهرباء أو عطل برامج الحاسوب يتعطل العمل ولا سبيل إلى بيانات العمل والعمال. ذلك يحصل أحيانا بسبب الرعد والبرق أيضا. ماذا لو حصلت كارثة جوية أو طبيعية أو اصطناعية أكبر منه؟. ماذا يكون مصير حسابات البنوك وسياسات الحكومات الالكترونية، وأين توجد أقراص حفظ وتخزين عملاقة لأرشيف ومدونات البلدان والشعوب، غير الأوربية طبعا.

في المجال الثقافي- العربي-، نعرف أن المواقع والمجلات الالكترونية التي توقفت عن العمل لسبب ما، لا وجود لها على شبكة النت اليوم، وكل مدونات الكتاب والمنشورات الأثيرية اختفت من ذاكرة الاثير. وطالما، كانت المواقع شخصية أو أهلية غالبا، فلابد ستتوقف يوما ولسبب ما، ويذهب ما فيها هباء – مع الريح-.

شخصيا، كنت أعتقد أن بعض المدونات سوف تلجأ، لغرض ما، باصدار كتب سنوية لتوثيق أعدادها وحفظه من أسباب الزوال. والأكادميون الكلاسيك كانوا يعتبرون النتاج الثقافي ذاكرة وطنية وقومية وغير ذلك. فماذا عن مصير الذاكرة والهوية والأثر الذي تتوارثه أجيال المستقبل.

النشر الرقمي، وكل الحضارة الرقمية ليست غير دالة من دوال نهاية التاريخ ونهاية الذاكرة وتجسيدا لليأس والاحباط الذي يعيشه سؤال اليوم.

الانسان اليوم في ظل الفضائيات والأجهزة الخلوية أكثر ضياعا وسذاجة وعبودية من أتعس عهوده.

وقد استخدم منتج الحضارة الالكترونية كل أدواته السياسية والاقتصادية والعسكرية لترويج منتجاته وتعميمها في كل مجالات الحياة الحكومية والأهلية – عراق الاحتلال مثلا- ،وبشكل، يمكن الإجهاز على بلدان وثقافات وأنظمة بزرٍّ الكتروني من أقصى الأرض. والحكومات والشعوب في العالم – سيما غير الأوربية- غير محسودة على حالها. ولا تعيش غير ساعتها وفق مبدأ اللذة الابيفورية، ولكن من غير ضمانة ما لمستقبل ما.

أنا لا أعترف بهذه الحضارة الأثيرية، وبطرق إدارتها، وما يختفي وراءها من أغراض. وهذا أمر يخصّني وحدي.

ولكني أدرك أيضا أن الانسان مغلوب على أمره. عاجز عن معرفة سبب وجوده وغايته. وكل ما يفعله هو الهروب للأمام عبر الاستغراق في الغريزة والطمع وتدمير الآخر، لإسكات صوت العقل، ولحظة التأمّل والتفكّر في الوجود.

انسان الحضارة الكونكريتية والسباق من أجل المال والجنس ووهم الاستقرار، لا يرى السماء، ولا يتاح له مشهد الطبيعة، ليتاح له التأمل.

الفكر الفلسفي والبحث الأكاديمي الرصين، والأسئلة الوجودية الجريئة صارت في ضمير الغائب. وشبكات النت والتلفزة الفضائية ترويج للسطحية والاعلانات التجارية والتضليل السياسي والتخدير الديني عامة. والمستوى الثقافي لأبناء اليوم، وجيل الشباب كارثة فكرية بكل المعايير. فكيف ستكون النتيجة بعد ربع قرن؟..

ماذا سيحصل للبشر، وعقولهم وجيناتهم؟.. ان مجتمع جورج أورويل (1948) قد يكون أكثر احتمالا بكثير!

*

تصدر الولايات المتحدة للسياسة الدولية عقب خمسينيات القرن العشرين، قلب موازين القوى وصور الحياة والقيم الثقافية والاجتماعية على الأرض. ومع غياب المعسكر الاشتراكي واستفراد الأمريكان بقياد العالم،، فالعالم اليوم أكثر وحشية وكآبة واحباطا، رغم أن القرن الواحد والعشرين في بدايته..

السؤال الغائب والمغيب هو هل يقتضي ظهور قوة دولية تدمير كل القوى والهويات والمجتمعات والقيم والمعايير الدولية والمحلية، كما حصل حتى اليوم؟.. متى كانت سيادة دولة امبراطورية، تستوجب تحويل العالم إلى حظيرة عبيد وأتباع، تنقض على من يخالفها في السرب والهوى؟.

 مفاهيم العائلة والمحلة والدائرة القرابية والصداقة والوطنية لم تعد لها معانيها ومكانتها التي بالأمس، ومع انهيار العائلة والوطن، وانفتاح أبواب الهجرة، اصبح الفرد في مواجهة تيارات العولمة من غير سند أو قاعدة مفهومية تعينه لغير الخضوع والانسياق في الموجة العامة.

الثقافة والوطنية والانتماء القومي لم تعد هويات أو حصانات معرفية واجتماعية. وهذا ما جعل الدين بوابة مشرعة تختصر الهوية والوطنية في إطارها الضيق، يستسلم لها الفرد، رغم شروطها الاستلابية، سعيا للحصول على ضمانات تدعم استقراره النفسي والاجتماعي، ثم السياسي لاحقا.

هذا السيناريو المغلق والجاهز، للتدمير من جهة، والاحتضان من جهة مقابلة، يفوت على كثيرين، وجود قوة دولية واحدة وراءه، وهي السياسة الأميركية. بل أن اصرار البعض على ربط المد المسيحي بالسياسة الأميركية، ينافي –لديه- الدعم الأميركي للمدّ السلفي الاسلامي بكل مستوياته، وهو أمر ضروري لإقناعهم بفكرة المواجهة العالمية، التي يرقّعها التيار السلفي منذ بداياته، لتمويه الرؤية ليس إلا.

الاحباط والضياع هو العنوان والتعريف المناسب للانسان العالمي اليوم، بل الانسان العربي تحديدا، بعد غياب الدور التقليدي للمجتمعات والدول الشرق اوسطية؛ بين من يعاني جراحه، وبين من يندفع في البرامج الأميركية للفوز بمكاسب تفوق جيرانه.

في القرن الماضي، تغنّى العربي بهويته الوطنية والعربية والقومية، ولكن أبناء اليوم لا يجدون غير مفاهيم فضفاضة هشّة، ودعاوى دينية لا تخلو من تناقض.

التجمعات الثقافية، أسوة بالتجمعات السياسية والوطنية غير الحكومية، تكفل العنف الديني بتجفيف منابعها وتهميش الصوت والنتاج الثقافي العربي، لتفريغ الساحة للأبواق الأميركية والدينية.

والمهجر الثقافي الذي لم يتوقف عن النشاط وتقديم بؤرة ضوء للداخل منذ أيام جبران وميخائيل نعيمة، سكت فجأة، محبطا هو الآخر، مع استفحال القرن الجديد.

شبكة النت والتلفزة الفضائية يصادرها الخطاب الأمريكي والديني بجدارة، ولا شاغل للعربي اليوم غير الصراع العنيف من أجل المال كهدف والدين كهوية، وهذا كل ما تبقّى له من ذاته.

الحكومات والأحزاب والبرلمانات غير معنيّة بالناس والمجتمعات ولا بأسئلة الانسان والهوية والخبز ومشكلاته، بقدْر لهاثها وراء أطماعها. الفردُ معنيٌّ بنفسه، ومن تعدّى ذاته، يجعل نفسه متّهما بالتحرض.

الانسان العربي ليس بحاجة للهاتف الخلوي والدش والانترنت، بقدر ما هو مدعو ومحتاج للمحافظة على أطر المحلية والعائلة والانتماء الوطني واللحمة الاجتماعية التي تبني مجتمعا قادرة على صيانة بلده وانتهاج سياسة وطنية تحفظ كرامته ومستقبل شعبه.

العربي مدعوٌّ لمراجعة عقله وواقعه بعد مسلسل الحروب والفجائع والربيع العربي، ليجد أن تغيير الأنظمة والسياسات والاندلاق المجاني على أعتاب الهجرة كان اندفاعا في الكارثة والضياع ، ليس ضياع الفرد فحسب، بل ضياع الأوطان والبلدان والمجتمعات. وأنه ما من بلد اليوم، ليس على حافة كارثة.

فما هو دور الفرد، ومتى يدخل حيّز التاريخ والفعل والانتاج؟.. بعيدا عن مدارات العبودية والغواية والقرصنة والتخدير والتضليل.

في هذا السواد الأوربي، لا يميز المهاجرين العرب غير السواد، والسواد فحسب!.