رسائل غير معروفة لـ السبعلي... بين الوطن والمهجر
جان حاصباني (حفيد الشاعر)
سنة بعد سنة، يفاجئنا الشاعر اسعد السبعلي (بجديد) له، وهو الشاعر الذي ملأ الدنيا وشغل الناس باخبار ضيعته ومشاكلها، بوديانها وشربينها ووزالها، بفلاحيها وختياريتها...
(وحدْ هالكــانونْ ستّي مربّعَا وملتهي جدي بكاسو ومازتُو
وعالرَّفْ في قنديل نمرو أربعا عالبَرد طقّت مرتين قزازتو...)
وهو، بعد رحيله المفاجئ وغير المفاجئ في آن، في آخر شهر تموز من العام 1999، ما زال يفتح لنا صناديقه المرصودة... فبعد مذكراته (قيد الإنجاز) وبعد يومياته للعام 1952 وما تحويه من أخبار شخصية وأمور وجدانية اضاءت على الحياة الثقافية والشعرية في تلك الحقبة (كتأسيس عصبة الشعر اللبناني وغير ذلك)، ها نحن اليوم نفتح باب الرسائل والمراسلات، وهي عديدة ومتنوعة - وأكاد انتهي من جمعها وترتيبها وكلها بخط يد أصحابها من شعراء وأدباء وكهنة وأطباء ومعجبين ومعجبات في الوطن والمهجر. اما العدد الوافر منها فيعود الى ما وراء البحار: من جنوبي أفريقيا واستراليا والولايات المتحدة وفنزويلا وكندا والمكسيك وغيرها.. وهي تحمل في طياتها الحب العميق للوطن ولشاعره، عدا رسائل العتاب والشوق والهجران...
* * *
وأتنَقل بين الرسائل كما في الروض بين الأزهار: لا تسلسُل كرونولوجي صارم بينها، أو هكذا افترضت ترتيبها وتنظيمها... ففي رسالة مؤرخة في 2/5/1963، يستنجد الشاعر عبد الجليل وهبي بالسبعلي لتحكيمه في مباراة زجلية تقام بين البطلين حنا موسى ومحمد مصطفى، ذلك ان عبد الجليل مضْطر للسفر الى القاهرة والحفلة ستقام في سينما الزهراء (ولا بد لرفع مستوى الحفلة معنوياً وأدبياً من تعيين حكم من وزن عبد الجليل وما فوق).
وهو لهذا يرجو السبعلي بالإشراف على هذه الحفلة وإدارتها ثم (إعلان تعادل البطلين...).
وفي ثلاث رسائل متتالية، يشرح الدكتور (الشاعر) نسيب همام، صديق السبعلي الحميم أسباب عدم تمكنه من حضور حفلة للشاعر، ويهديه في واحدة أبيات كتبها وهو في عيادته، منها:
(...
مقضّي زماني عالحساب دكتور ما بين روشتـَّا وسمَّـاعه
مكرّس الفكر وحـاسْبو مَنْـدور عا مهنتي ساعه ورا ساعه
تا تطِلّ من روحَك عْليّي سْطور
... بِفلَت ساعِتْها وبعيش لحظة عيشة الشاعر).
(31/3/56)
* * *
أما الأب جبرائيل سكر، رئيس دير مار شربل في بقاعكفرا فيكتب في 20/آب/1967 للسبعلي شاكراً رسالته وقصيدته في القديس ويرجوه ان يكرّس بعض شعره لتنوير الناس، خصوصاً في الشمال الحبيب، من آفة (الإقطاعية الغاشمة)، ويسأله (أن تعالج حالة لبنان الإقطاعية بقصيدة عصماء من قلمك السيّال المبدع والجياش بالعواطف يظل صداها يدوي الى أجيال).
* * *
أما مطران عكار وتوابعها للروم الاورثوذكس أبيفانيوس زائد فيكتب للسبعلي في 13/1/1966 سائلاً (نشر قصيدة في جريدته للشاعر المعروف شاكر سليمان والتي ألقاها أمس بعد الظهر وهو مريض في مأتم وجيه من قرية العيون وكل وادي النصارى ومناطق صافيتا وطرطوس وتلكلخ على المأسوف عليه المرحوم مطانيس جبران العامل والصناعي الكبير والمتواضع (...) والذي جرى له أمس في قريته عيون المشتى مأتم حافل لم تشهد نظيره كل الربوع، حضره الألوف من سوريا ولبنان وصلّيت أنا الحقير على جثمانه مع العشرات من الكهنة...).
والجدير بالذكر ان للمطران ابيفانيوس عدداً غير قليل من الرسائل الى السبعلي وبينها قصائد له، جميلة في الفصحى..
* * *
والى رسالة موقّعة من (المشتاق حسين الخطيب وعائلته من شركة الترابة اللبنانية - شكا) - في 30/آذار/1965، وهي مسكوبة بلغة أدبية مرموقة، تُلفت النظر، فاسمعه يقول: (... أجل يا أبا سلوى، حَسبنا يوم التقيناك بأن إله عيسى تربّع السدّة وانتهى إله موسى، وما ان زال ظلك عن ليالينا حتى شعرنا بعصى موسى تسترد وطأتها في ظهورنا وتلهب أكتافنا... من حدّثك عن قناعتنا ومواتَ الطموح فينا? ومن قال عن بيوتنا بانها أقفاص ما ألِفت التغريد ولا استأنسَ بها البلبل??).
ثم يختم:
(أعِد الى ليالينا أُنسها، فما أنت بالضنين بما وهبك الله من نعمةٍ واسمع ان النبي يقول (أعطوا من أموالكم صدقة تذكيها.)).
* * *
وعن بورت هاركورت في 17 ايلول 1965، وفي رسالة أخوية، يشرح السيد ميشال بطرس رزق للسبعلي عن وضع الجالية اللبنانية في بورت هاركوت من أعمال افريقيا الجنوبية، والتي يقدر عدد أفرادها بـ175 نسمة، ويعيب على الحكومة اللبنانية عدم اهتمامها بهؤلاء المغتربين وأكثرهم لا يحمل الجنسية اللبنانية ويقول: (لقد بعثت بتقرير مفصل الى الأمين العام للجامعة السيد نتاليو شدياق عن وضع المغتربين في افريقيا خاصة)، نظراً للتيارات السياسية المتضاربة وللسياسة الصهيونية العالمية ضد اللبنانيين والعرب). ثم يستغرب كيف ان الإذاعة اللبنانية تطلب مبلغاً وهو 500 ليرة لبنانية بدل تسجيل أناشيد وطنية كان قد سبق وطلبها منها بدل ان ترسل كل ذلك من دون مقابل...
* * *
ثم رسالة وقصيدة مختصرة بخط بليغ ومنمّق، من نجيب الحلال، على أمل ان يتبعها بواحدة أطول حين وصوله الى جامايكا...
ونصادف رسالة قديمة مؤرخة في بيروت 20 حزيران 1944 من الشاعر (مانولي) (?) يستحلف فيها السبعلي كتابة كلمتين للرابطة الزجلية وخصوصاً ان السبعلي على خلاف مع بعض أعضائها (قبل انشاء عصبة الشعر اللبناني في 1952)... فيقول راجياً: (حرّر لي كلمة رسمية لأطلع الرابطة عليها وانت أدرى بما تكتب، وكلمة لي خصوصية على حِدْ تطلعني فيها على مكنونات صدرك وأنا ساعي بما لك من الخير...).
* * *
والى رسالة مطوّلة (ستّ صفحات بخط صغير) من الريو دو جانيرو - البرازيل، في 10/ت2/1955 من الشاعر المهجري خليل البجاني، وهي مرفقة بنسخة مرسلة من رئيس الرسالة اللبنانية والنائب العام على الموارنة في البرازيل، الاب السامي الاحترام، الياس ماريا الغريب الى سعادة السفير اللبناني أديب نحاس، يطلب فيها المساعدة للشاعر (طريح الفراش وقيد المعالجة السيد خليل البجاني والذي هو من الأدباء اللبنانيين والشعراء الزجليين المشهود لهم بمحبتهم للبنان).
ويضيف: (حيث تناقلت قصائده الرنّانة محطات الإذاعات ومعظم الجرائد، غير انه لسوء الحظ، يظهر ان مناخ البرازيل ما وافق صحته فمرض حتى انه سقط مراراً مغمياً عليه في الشوارع...).
وفي العام 1962، وهذه المرة في بيروت، يعود البجاني فيكتب لصديقه السبعلي من مستشفى مار الياس بعد ان قرر الأطباء بتر أصبع من كل رجل لإنقاذه من الموت. ويقول معاتباً: (وأنا ارسلت اليك خطاباً عند العزيز صهرك ميشال البجاني ولغاية اليوم لم يخبرني بانه وصّله اليك، وحيث انك ما زرتني ولا جاوبتني على كتابي فانشغل بالي عليك كثيراً لان غيابك طال عليّي على غير عادة وخصوصاً اني شفتك في منامي عدة مرات متشاجر مع بعض الناس وزعلان كثير فظننت انك مريض...).
* * *
ومن الأمير، الشاعر سليم لطف الله، من ساو باولو - البرازيل - مجموعة لا بأس بها من الرسائل المشفوعة بقصائد، وبعضها خصوصاً (للآنستين سلوى وتريز كريمتا السبعلي).
أقدم واحدة تعود الى 23 ايلول 1953 وفيها قصيدة (الى الآنسة سلوى أسعد السبعلي، من المعجب بأدبها وذكائها: سليم لطف الله)، يقول مطلعها:
يا وردة شـاعر محبوب عاطفتك بتـْفحْ طْيـوب
كلمـاتَك سلْوى حلويـن من الرِّقَّه خلُّـوني دُوب
و(أجْدد) واحدة في 13 كانون الثاني 1960 يعتذر فيها من تريز لانه لم يسمع بمرض والدها (لا عن طريق الجرائد ولا منه بل هذا النهار استلمت رسالة من الأخ طانيوس الحملاوي وفيها يخبرني عن ذلك فتأثرت جداً...).
ثم يطالعنا عدد من الرسائل المتسلسلة وهي من صموئيل (أوسام) بركات، من نيويورك. وهو مغترب ما زال يحنّ الى ربوع لبنان الذي ربما تركه صغيراً، فيجد في السبعلي، الذي يراسله باستمرار (وربما لم يقابله)، ملاذاً يربطه بوطنه، حتى انه لا ينسى ان يرسل سلاماته الى أصدقاء السبعلي الشعراء، الذين صاروا ايضاً أصدقاءه طانيوس الحملاوي، أسعد سابا، إميل مبارك، خليل قرداحي، جميل أبو شاكر وغيرهم...
وهو بدوره لا ينسى أن يهدي الشاعر السلام من الفنان المعروف إيليا بيضا (والمعجب جداً بالسبعلي).
وهناك نسخة من قصيدة السبعلي مرسلة الى سام بركات يقول فيها:
يـاعين صـاموئيل وينك تقشعـي سَقْسَقْ على ذِكْر الْحبايب مَدْمَعي
ويا روح طِيري على دْيار العم سام لَعِنْد هالْعايِش معو، وعايش معي..
لَعِنْد صاموئيـل هالعزّ الحبــابْ وْكَشّحي بِجْوانْحِكْ عتْم الضّبـاب
وكـام بوسِة وَصّليلـو مْن الشّباب واحْمِلـي مِنُّـو الهدايـا وارجعي...
ثم يضيف:
وْقدَّيش غنّى وْشو ذَكَر إسْمو إميـل شاعر الضيعه ووترهـا هالجميل
وابن سـابا، شاعر الحب، وجميـل حنّـو وغنّو ومـا حدا منهم كعي...
(...)
* * *
رسائل ورسائل لا تنتهي... لكننا اليوم نكتفي بهذا القدر على أمل ان نختار في مرة لاحقة بعض الرسائل المميزة لنجمعها يوماً في كتاب أنيق يليق بمجموعة السبعلي الادبية...