"ماهية النفس" من منظور قرآني وفلسفي
أن كلمة "نفس" من حيث الصيغة مذكرٌ ومؤنثٌ في نفس الوقت. ففي صيغتها المذكرة تعني "الإنسان" كاملاً، جسداً وروحاً، أما الـ"نفس" المؤنثة فهي الروح، وثمةَ تعريفات عديدة للنفس في علم النفس تفضي بأنها النشاط الذي يسيطر بها الكائنُ على حركاته وتصرفاته وغاياته الكامنة التي يحيى بها الإنسان من خلال إعمال العقل وظيفياً نحو النشاط المعرفي والعقلي أو الانفعالي والسلوكي المنبثق من الجهاز العصبي للإنسان، الذي يكون مركزَه الدماغُ، كما هو عند الفيلسوف الفرنسي ديكارت. وثمةَ أبحاث فلسفية عميقة لماهية النفس، إذ ذهبَ بعضهم بالقول إنها تنقسم الى ثلاثة أنفس هي: الشهوانية والعاقلة والمريدة، كما هو جليٌّ أيضاً في آيات القرآن الكريم حول النفس الأمّارة بالسوء واللوّامة والمطمئنّة. قال تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿وَمَا أُبَرِّىُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوء إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. والآية التي تتحدّث عن النفس اللوّامة هي، قال الله تعالى في محكم كتابه: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ والآية الثالثة عن النفس المطمئنة، قال الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾.
والنفس البشرية لها مساران واتجاهان متناقضان ومتباعدان من حيث معاني ومفاهيم الأمور الخيّرة كالإصلاح وإقامة العدل وحبّ الخير للنفس وللآخرين، أما النفس الشريرة او بمعنى أدق "الشهوانية" فهي تكمن في نطاق الأمور الخارجة عن محور العقل الإنساني والميّالة الى الاستحواذ وحبّ الذات المطلق والتصرفات اللاعقلانية كممارسة التخريب في الأمور الحياتية مما يطال ايضاً هدف الذاتية والغيرية في آن لأن المصير يصبح فيما بعد مشتركاً ايضاً.
إذن النفسُ لها جانبُ خيّرٍ وجانبُ شرٍّ وفي ذلك يرتكز هذان المفهومان على مدى القابلية والنفسية للإنسان من حيث إذا كانت شخصيته ونفسيته ميّالة للخير أو للشر، لا سمح الله، وهنا يأتي عاملُ او وظيفةُ الجبلّة التي جُبل عليها الإنسان، بأن الإنسان بطبيعته مجبولٌ على الخير وحب الخير إلا أن الإنسان ذاته هو من يغير صفاته وسلوكياته الى منحى آخر عندما يطغى مفهوم حبّ الذات على الإنسان آنئذٍ تكون هنالك القابلية والفاعلية لانطلاق أعمال الشر وإمكانية دخول الشهوانية في عقل الإنسان فيتحول الإنسان من خيّرِ الى شرير يتصرف كما لو كان وحشاً مفترساً مع الآخرين ان لم يكن مع ذاته في الأصل.
وفي إطار ذلك يمكن لنا الإشارة والاستدلال بالشاهدة القرآنية والآية البرهانية التي أكدها القرآن الكريم في هذا الاتجاه، بسم الله الرحمن الرحيم ﴿ونَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾.
في المحور الآخر والمتصل لهذا البحث سنتطرق الى تفصيل وشرح تقسيم النفس البشرية من حيث انها تتضمن ثلاثة أقسام نوعية لكل واحدةٍ منها هدفُ بموجبه يسير الإنسان ويرضي به رغباته منطلقةً من مركزية الدماغ إلى فاعلية الإطلاق الذي بدوره يكون فيه اتخاذ القرارات الذاتية وتنفيذها نحو التطبيق والتفعيل على ارض الحدث والواقع ومما لا شك فيه أن الإنسان ان يتخيّر الأفضل والطريق الأمثل للوصل الى الهدف الأشمل في رسم الطريقة والمنهجية المثلى التي بدورها تحقّق الرخاء والتكاملية للإنسان والإنسانية جمعاء إذا تحققت التوجهات والتطلعات العقلانية النابعة من جوهر العقل الباطني لا المادي اللاواعي لأهداف ومنطلقات مبادئ الحياة النبيلة التي من أجلها عِمارة الارض والاصلاح وإرساء مفاهيم العدالة الإنسانية وتوظيف مفاهيم الخير.
نعود والَعودُ أحمدُ، كما كانت تقول العرب، إلى موضوع النفس التي تنقسم الى ثلاث نفوس من وجهة نظر فلسفية وهي:
النفس الناطقة.
التي تشكل الجوهرُ الروحي الذي نجهل حقيقته وواقعيته فهي خالدة ومن وظائفها إدارة الجسم وقيادته من دفّة التأمل والتركيز الى رفعة الفاعلية بالتفكير، ومقرها الرأس لشرفها وعلوّ منزلتها وسموّ هرمها المتعالي التي تنطلق من مقر المثل ومصدر المعرفة الحيّة.
النفس الغضبية.
وهي مادية فانية ومقرها الصّدر، وهي متصلةُ بالنفس الناطقة بواسطة العنق، وهذا الاتصال هو العلّة في خضوعها للعقل في بعض الأحيان وإذعانها لأوامره ونواهيه.
النفس الفانية الشهوانية.
وهي مادية فانية، ومقرها البطن، وتكون مرتبطة بالأكل والشرب والاشتهاء والالتذاذ والتألم. وهي أدنى من النفس الغضبية لأنها محرومة من كل تفكير، لكنها مستعدة لقبول انعكاس تعقلات النّفس النّاطقة وأوامرها.
مصادر الدراسة:
مع الفلسفة اليونانية للدكتور محمد عبدالرحمن مرحبا – الطبعة الثالثة 1988 -أقسام النفس عند افلاطون ص 135.