الأسس الفلسفية لمفهوم "حقوق الإنسان"

يونس عاشور قرأها 6,858

الأسس الفلسفية لمفهوم "حقوق الإنسان" 

     هل ثمة أسس فلسفية لمفهوم حقوق الإنسان؟ أو بالأحرى القول هل ثمة قواعد ينطلق منها مفهوم حقوق الإنسان ليكون بذلك أسمى المفاهيم والتعابير والدساتير القيمية الخاضعة للمبادئ والأسس العقلانية التي بدورها تضفي صيغ ومعادلات منطقية لجوهرها وجذرها الجنيني الذي يتدرّج في نموه نحو التكاملية لتحقيق تلك الحقوق ومن ثمة إحراز صيرورة التوازن المعيشي أيضاً وفق تلك الأسس والمبادئ.!؟

وللإجابة على هذا التساؤل يقتضي علينا توضيح ماهية مفهوم حقوق الإنسان أو مجمل الحقوق المرتبطة بالإنسان كإنسان.

     حقوق الإنسان هي المحفظة أو الوعاء الاستثماري التي تحقّق الربحية والمنفعة الإيجابية لتلبية احتياجات ورغبات الإنسان المتمثلة في مقتضيات حياته اليومية والزمنية على المنظور البعيد وهذه الرغبات أو الاحتياجات إنما تكمن في عدة مناحٍ ومركبّات مفهومية تلامس واقع الإنسان الحياتي فهي بمثابة الترياق والشريان لسد الثغرات التي تحاول اختراق مفاصل حياته ولخبطتها باللاأسس واللامعقول واللامفهوم.

     أن وفرة المكونات والمقومات الرئيسة لواقع الحياة الرغيدة والعيش المغبوط المبني على الكل الكيفي لمفهوم حقوق الإنسان يعتبر من المواثيق والمصاديق  التي دعا لها القانون الدولي لحقوق الإنسان لأنها حجر الأساس الذي ينطلق منها المشروع الحضاري العالمي على وجه الخصوص. وقد تم تكرار الإعراب عن هذا المبدأ الذي أبرز للمرة الأولى في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في عام 1948، في العديد من الاتفاقيات والمنشورات إلى القرارات والبروشورات الدولية. فقد أشير في مؤتمر فييّنا العالمي لحقوق الإنسان في عام 1993، على سبيل المثال، إلى أن من واجب الدول أن تعزّز وتحمي جميع حقوق الإنسان والحريات الأساسية، بصرف النظر عن نظمها السياسية والاقتصادية والثقافية.

     تتمثل الأسس الفلسفية لمفهوم حقوق الإنسان في عدة أدبيات وأصناف وأجيال جوهرية فهي القاعدة والأساس التي تقوم برسم الخيوط الدقيقة لمفهوم الحقيقة الغائية للحقوق الإنسانية المرتبطة بالحقائق الملاصقة والمجاورة لمتطلبات حياته على جميع الصعد التي سنحاول سردها ومن ثمة تفصيل كل بند من البنود التالية على نحو الإيجاز والإيضاح في هذه الدراسة:

1- الحقوق السياسية:

     تعتبر الحقوق السياسية العمود الفقري لكافة الحقوق الأخرى فهي من الأولويات القاعدية التي تشكل البناء الهرمي المتراتب لمفهوم حقوق الإنسان ولأن جوهرها يخلق تشعبات وتفريعات علائقية تحاصر هذا الإنسان بكل هيكلها الإداري والسياسي فتكرِهَهُ على ملامسة واقعها ومغازلة مفهومها وخلق التّوق في الإنشداد نحوها والدخول في معتركها ومزاوجتها مزاوجة صميمية وحميمية تفرض على هذا الأخير التعامل معها بموجب الدستور الذي ينبثق منه ويشرع لها اتجاه حياة الإنسان.

تكمن الحقوق السياسية في عدة مسارات واتجاهات على وجه الخصوص نذكر منها:

-       حق المشاركة السياسية أو الاختيار (الانتماء السياسي).

-       حق التعبير والديمقراطية.

-       حق الانتخاب.

-       الحق السياسي.

هذه الحقوق في مجملها تعطي الإنسان قيمة حياتية لإتاحة المشاركة الجماعية ومن ثمة استشعاره بوجوده كفرد وكفاعل وكمُنِتج في الحياة السياسية العامة للدولة وهذا المنحى انما يعطي أبعاد ودلالات منهجية في تطوير وتنمية الإنسان نحو مفاهيم العدالة والدستور والقانون المنبثق من الحقوق السياسية للسلطة على الاحترام والتقدير لقداسة حياة الإنسان على النحو الذي يجعل منه مواطناً فعّالاً في تطوير الشأن السياسي العام.

2- الحقوق الاقتصادية:

     تشكل الحقوق الاقتصادية بالنسبة للإنسان مدخلاً رئيساً للشروع في التنمية والتطوير والبناء والتحديث باستمرار فهي إحدى اهم العناصر والأسس التي تكفل للإنسان إدارة شؤون أموره على أحسن ما يكون وبموجبها يكون الانتقال الكمي والكيفي والقيمي والرقمي لتشكيل المعادلات الحسابية ومن ثمّة الارتقاء بمستويات العيش المدني نحو الاقتصاد الفردي العددي المتوازن الذي يولي اهمية بالغة بالناحية الملكية للفرد وبتحسين مستوى المعيشة، وبأن له الحق في الإعمار ونزع الملكية ضمن الأطر القانونية والتوجه نحو مختلف الأعمال التي نصّت عليها المواثيق الدولية لحقوق الإنسان بأن هذا الأخير له الحق في العمل والنشاط من أجل تطوير أشكال الإنتاج المهني والتقني أو الصناعي والزراعي أو العلمي والعملي الذي يساعد على سيرورة الاستمرار لتحقيق ورفع مستوى الانتاج الذي بدوره يكون صماماً وأماناً لحقوق الإنسان الاقتصادية.

3- الحقوق الاجتماعية:

     الإنسان ككائن اجتماعي بطبيعته يميل إلى خلق علاقات مع بني جنسه لتحقيق المعايشة الاجتماعية المبنية على التقارب والنسب أو الصداقات وإقامة مختلف العلاقات البينية مع الأفراد والمقوّم الرئيس لهذه التناغمات إنما يتم عبر إيجاد جملة من الحقوق التي يتطلبها الإنسان لاستقرار كيانه والانطلاق بها نحو تأسيس هذه الكيانات الاجتماعية المختلفة.

-       الحق في المسكن.

بأن يكون له مأوى يأوي إليه وقد نصّت الحقوق العالمية على هذا البند لما له من اهمية بالغة على الصعيد الحياتي والإنساني مما يخلق حالة توازن وانضباط سيوسيولوجي واستقرار سيكولوجي في آن.

-       الحق في الصحة:

من اللازم على الهيئات الدولية توفير الاحتياجات التي تكفل للإنسان توفير عوامل الصحة كمراكز العلاج والمستشفيات والأدوية التي تحقق للإنسان استمرار حياته الصحية عند الاعتلال بالأسقام والأوجاع التي قد تحدث له في أي وقت وزمان.

-       الحق في الضمان الاجتماعي:

من اللازم على الدولة النظر في هذا البند الحقوقي وإرساء مفاهيمه ومضامينه التي تكفل بتوفير عناصر الغداء والدواء ووسائل الأمن الاجتماعي للأشخاص الذين لا يمتلكون القوة او القدرة في العمل لأسباب صحية أو معيشية أو مادية وذلك من اجل سلامة تحقيق العيش الرغيد للأسر الفقيرة وغير القادرة على إعداد ذاتها أو انخراطها في الحياة الاجتماعية العامة من هنا فقد اولت بعض الدول الغربية اهتماماً تاماً بهذا المنحى على الصعيد الاجتماعي فسعت الى توظيف هذا البند الضروري الذي يساعد الفرد على النمو والتطور ضمن المساعي التي تُبدل في خلق انظمة مقوعدة ومقننّة تحمي حقوق الفرد في جميع الاتجاهات.

4- الحقوق العائلية:

 الحقوق العائلية صنف من أصناف منظومة حقوق الإنسان المتكاملة وهدف من أهداف سياسة استراتيجية مرسومة ومدروسة متفاعلة كلياً نحو انصهار اجتماعي وحقوقي فهي تتجذّر في الأسرة وفي المحيط البيئي العائلي الذي يكون له الحق في ممارسة السرية الخاصة التي ترتبط بشؤون حياته كالحق في علاقات حرة وعاطفية وجنسية محترمة، وحق التساوي بين الزوجين، وحق الطلاق، وحق التعقيم والاجهاض بالنسبة للمرأة.

وربما هذا المنحى من المناحي الذي لا يأخد بُعداً مفهومياً أو اعتبارياً لإنسان هذا العصر بأن هذه الخاصيات والأولويات تعتبر من المقومات الرئيسة لتشكيل منظومة حقوق الإنسان المتكاملة التي يتفرع منها هذا البند الأساس.

5- الحقوق الاعلامية والمعلوماتية:

من المعلوم ان الإنسان بطبعه كائن إعلامي من خلال ما يتحدث به من مقولات واخبار ومعلومات أو ما يصرّح به من مدلولات وأفكار ومفهومات لتلك المعلومات للبيئة الاجتماعية التي تحيط به فهو على الدوام متصل بهذا المجتمع الذي يعيش ويحيى ضمنه وبالتالي الكلام معه على نحو التواصل والإخبار والإعلام بما لديه سواء من خلال ما يظهر له او من خلال ما يقتبسه من الآخرين، وتكمن هذه الرؤية في أن للإنسان الحق في تلقي الاخبار والتزود بالمعلومات عبر الشبكات الاعلامية الحديثة، له الحق في المكاتبة وله الحق في حرية المراسلة، وله الحق في حرية المحادثة سواء كان الشفاهية منها او الخطابية التي يقوم بإلقائها على المجتمع وبما أن هذه الحقوق تعتبر بمثابة الخصوصيات للإنسان والحرية في توظيفها إلا أنه في الآونة الأخيرة بدأت تشّرع نظماً وضمانات حمائية لهذه الحقوق لكي لا تسبب في نشر الفوضى وانتهاك للحرمات والتدخل ربما في خصوصيات الطرف الآخر.

6- الحقوق القضائية والأمنية:

تعتبر هذه الحقوق من الحقوق الأساسية لحماية حفظ حق الحياة للإنسان فهي لب الحقوق ايضاً وجوهرها الفلسفي الغائي التي تشكل ايضاً القاعدة الامنية التي ينطلق منها الإنسان لكافة الحقوق المتعلقة بمنظومة حقوق الإنسان كما انها تدعم الأبجديات الرئيسة لكرامة الإنسان وبالتالي خلق حالة من الثبات والاستقرار الكيفي والقيمي لحياة الإنسان ومتى توفر العدل والقانون وساد القضاء الأمني كان لهذه المفاهيم الأثر الفعال في ترسيخ مبدأ الاستقرار المعيشي للإنسان.

7- الحقوق الثقافية:

الحقوق الثقافية هي مجموعة نظم وعناصر من المقتضى على كل فرد الانتماء اليها وبالطبع ان مظاهر هذا النوع من الحقوق يحفظ للإنسان ازدهاره ورقيه في اوساط مجتمعة.

تتجلى الحقوق الثقافية في مظاهر التربية والتعليم، واكتساب الثقافات المختلفة، كالحق في الهوية الثقافية والحق في التأليف والإبداع، والحق في الاختلاف.

8- الحقوق البيئية:

الحقوق البيئية ذات وجهين حقوق الإنسان على الطبيعية وحقوق الطبيعة على الإنسان. فمن حقنا على الطبيعة أن نتولّى الكشف عن أسرارها، واستخراج خيراتها وطاقاتها لصالح الإنسان، لكن من حق الطبيعة علينا ان نحميها من التلوث والإنخرام والاستنزاف، وحان الوقت لإحداث التوازن المطلوب بين مطالب الإنسان ومطالب الطبيعة عبر نشر هذه الثقافة الحقوقية من قبل أهل الاختصاص والعاملين في حقل البيئة من خبراء وعلماء وغيرهم من الطبقات الفاعلة التي تعني بشؤون البحوث حول موضوع البيئة.

9- الحقوق العقدية والميتافيزيقية:

يقصد بهذه الحقوق هو الحق في ممارسة المعتقد الديني الذي يؤمن به الإنسان حسب فكره وتوجهه وما يمليه عليه ضميره وتتضمن الحقوق العقدية عدة حقوق حزئية:

أ‌-              الحق في الاعتقاد في أي عقيدة دينية كانت.

ب‌-           الحق في الانتماء داخل هذه العقيدة لأي نحلة أو فرقة.

ت‌-           الحق في ممارسته الطقوس والشعار الخاصة.

وتعتبر هذه البنود الرئيسة مبادئ نظرية مثالية وأخلاقية وقيمية تذكي روح التسامح والتفاهم بين الأفراد والجماعات الدينية المختلفة ذات التوجهات الدينية المختلفة.

أما الحقوق الميتافيزيقية فهي حقوق الإنسان تجاه مسائل الحياة والموت والانتحار، والجنازة والإعدام. فإن على الإنسان المحافظة على قدسية حياته وصيانتها ورعايتها قدر الامكان ويترتّب على ذلك انها شيء يتملكه ولو مؤقتاً وله حق التصرف فيه في إطار وصية الرعاية والصيانة.

10-                    حقوق الآخرين:

أصدرت الجمعية العامة للأم المتحدة سنة 1975 الإعلان الخاص بحقوق المعوقين تنادي "بضرورة حماية حقوق المعاقين جسمانياً وعقلياً وتأمين رفاهيتهم وتأهليهم".

والمقصود بالإعاقة هنا "كل شخص عاجز عن أن يؤمن بنفسه ضرورات حياته الفردية أو الاجتماعية العادية بسبب قصور عضوي في قدراته الجسمانية أو العقلية" والحقوق التي تتعلق بهذا المنحى هي حقوق العلاج الطبي والنفسي والوظيفي وحقوق التعليم والتدريب والتأهيل المهني والوظيفي.

     تلكم كانت صورة شمولية في تبيان شرح "الأسس الفلسفية والمناحي المنهجية لمفهوم حقوق الإنسان" نحتاج الى قراءتها وتوظيفها، واستثمارها منهجيا وفلسفياً اعتمدنا فيها بشكل أساس على كتاب "الأسس الفكرية لثقافة حقوق الإنسان" للدكتور محمد سبيلا.