في الأساس الفلسفي المعرفي لماهية المنهج

يونس عاشور قرأها 1,484

في الأساس الفلسفي المعرفي لماهية المنهج 

يُشكل الجوهر الحقيقي لماهية وسيمياء المنهج بأنه المسطرة والنظام والأسلوب الاستراتيجي القائم على المبادئ والأسس الفلسفية الواعية التي ترسم خطوطه المتشابكة وتبيّن معانيه المترابطة في القول والفعل المنطقي اللذين يشكّلان أداتين رئيستين ومقومين فاعلين معطيين في انبثاق نهج الطريقة من جوهرها الغائي والمبني على الاساس الفلسفي المعرفي الذي يُشكل ايضاً قاعدة اسمنتية لانطلاقه نحو المطلب والمقصد والهدف المستهدف المرجو اتباعه ومتابعته متابعة حسابية وعقلانية تهدف بدورها الى التشريع في آليات معرفة ماهية المنهج معرفة حسابية وأداتية قيميّة بالانتقال من المجهول الى المعلوم ومن المركّب الى البسيط ومن الغامض الى الواضح ومن المعرفة الحدودية الى المعرفة الشمولية "فما يميز المعرفة العلمية عن المعارف العامة هو الالتزام الفعلي بالمنهج والانتظام البحثي والنسقي المتراتب لهذا المنهج الذي يتمثّل في جملة من المبادئ النظرية، والخطوات الإجرائية الدقيقة، ويستخدم مفهوم المنهج بدلالات متعددة، حيث يترادف أحيانًا مع مفهوم النظرية والنموذج المعرفي، ويتحدد أحيانًا بجملة الأدوات والتكنيكيات البحثية techniques، ويختلط كثيرًا بمفهوم العلم الذي يدرس تكوينه وبناءه المنطقي والمعرفي الذي يعرف بالمنهجية Methodology (1)."

المقترح النظري الذي نريد بسطه ومداولته في هذا البحث المختزل حول اهمية إيجاد القاعدة التي يجب أن ينطلق منها المنهج لمعرفة ماهية خلفياته ومرجعياته الايديولوجية هو القيام بعملية تنظيمية وترتيبية وتزامنية فكرية لكيفية تصنيفه تصنيفاً منطقياً وتبويبه تبويباً جمالياً من حيث الرؤية التي ترتكز على إحكام قيادة العقل والبحث عن الحقيقة لإضفاء صيغة منهجية في تقنية الوضوح والاخراج النهائي لهذا المنهج وذلك انما يكمن في الاطر والآليات الفلسفية التي تقوم بدعمه نحو المعرفة التكاملية الواعية.

يمكن لنا التطرق عن اهمية تفعيل التنظيم المنطقي للمنهج الذي يهتم بوضع المعارف والحقائق بحيث يبنى بعضها مع البعض الآخر بصورة علائقية وتكون الأساس لما بعدها أي جعل الموضوعات مقدمات لنتائج تشتق منها موضوعات أخرى، والتنظيم المنطقي يهتم بالاتساق الداخلي للأفكار والوحدة الداخلية للمادة.

وثانياً في التنظيم النفسي والسيكولوجي للمنهج بالاهتمام نحو ربط المادة الدراسية باهتمامات وميول الباحث في منهج ما لأن حضور العامل النفسي يشكّل هنا ايضاً عنصراً هاماً للشخصية المستقلة والتواقة للبحث العلمي بحيادية وموضوعية تامة تمكّنه من الوصول الى النتائج المتوخاة.

التجديد الموضوعي للمنهج يضفي أيضاً مشهداً تكاملياً وتحسيناً إبداعياً في الحصول على إزالة الالتباس والشكوك التي قد تعترض الباحث أثناء التقصّي والاطلاع على المناهج فالقواعد التي تقوم على إضفاءات وقراءات منهجية تعطي معطيات ودلالات ذات أبعاد غائية نستطيع من خلالها تخطي الصعوبات للصول الى ما نصبو اليه سواء كان ذلك عبر تشخيص النص بالفحص والنقد أو بتفكيك الآليات ومعرفة الخلفيات أو بترميم الأفكار وتوجيه الانظار نحو الاستدلالات المنهجية التي تمكّننا من الحصول على معرفة جديدة منطلقة من تلك الإحداثيات.

ربما يقودنا هذا البحث في مجمله الى كتاب "مقال عن المنهج أو خطاب المنهج" للفيلسوف رينييه ديكارت الذي يبين فيه الكيفية والماهية لبناء صرح فكري منهجي سواء كان علمياً أو فلسفياً عبر إعمال الحدس والاستنتاج وقد أطلقنا على هذين العنصرين الأساسيين المتوازيين والمترابطين بالقواعد للخطوات المقتضى اتباعها في مسارات البحث المنهجي، والتجديد الموضوعي للبحث المنهجي النموذجي بأن عامل الإدراك واليقين للأمور البحثية كما هو الحال ايضاً في استخلاص النتائج الذي بموجبها توصل الباحث الى معرفة ماهية المنهج على اساس الحدس والاستنتاج الذهني.

يخلص أندرييه لالاند بأن فكرة المنهج هي على الدوام إتجاه قابل للتحديد ومتابع بانتظام في عملية العقل. فهل يمكن قبليّاً، تحديد منهج، بمعزلٍ عن تطبيقه، وصوغه مسبقاً واستعماله برنامجاً لعمليات إجرائية لا تبدأ إلاّ بعد صياغة قواعد المنهج؟ أم إنّ المنهج ليس له قيمة نافعة،  ولا يمكن اكتشافه إلا من خلال عملية فعلية، تكون منه بمنزلة التصميم المبسّط إلى هذا الحدّ أو ذاك؟ هنا سجالٌ اعتقاديٌّ بالغ الأهميّة ينقسم فيه منظّرو المعرفة، لكنه سجالٌ يدور، مبدئياً على الأقل حول تكوين فكرة المنهج أكثر ممّا يدور حول دلالته.

من أندرييه لالاند إلى سقراط ثمة تبيانات في الرؤية حول فكرة المنهج وقواعده من حيث مستوى التنظير الابيستمولوجي يمكن لنا أن ندعو هذا الاتجاه أو المسار بالاجتهاد الفكري أو التجديد المعرفي أو التحديد الموضوعي للمعرفة (الابيستمولوجيا) الذي ينحدر من الإستنباط العقلي للمشكلات الفكرية والفلسفية المختلفة في مجالات العلوم الانسانية.

المقارنات والمقاربات الفكرية تساعد على الاستفادة من الرؤى والتوجهات في ميادين العلوم الفلسفية وتطبيقاتها العملية من هنا أردنا ايضاً ربط مسار فكري آخر بصلة البحث وهو المسار الفكري للفيلسوف سقراط حول "فكرة الاساس الفلسفي للمنهج".

كان سقراط يعتمد في منهجه على الحوار الاستنباطي القائم على التهكّم والتوليد وذلك من اجل الوصول الى تحديد الماهيات. فهو صاحب الحد الكلي ومنهج الاستقراء، وهو الانتقال من المحسوس إلى المعقول، ومن صغار الأشياء إلى كبار الأشياء للوصل الى المعنى الكلي أو الماهية أو ما يسمى بالفلسفة التصورية لماهية المنهج (conceptualism) التي تنطلق من معرفة الاشياء والجزئيات إلى معرفة الماهيات والكليات فالمنهج الجديد بالنسبة اليه هو مفهوم "التوليد والتجديد الفكري" لمعرفة ماهية المنهج. نكتفي بهذا القدر من هذه الدراسة الفلسفية التي تشكل مدخلاً رئيساً لعلم المنهج نستفيد من خلالها معرفة الكيفية أو الماهية للكمية المعرفية الواجب اتخاذها عند عملية البحث والتنقيب لشتى المشكلات الفكرية التي نواجهها أو نصطدم بها في عالم الفكر والمعرفة.

هوامش:

نصر محمد عارف، (نظريات السياسة المقارنة ومنهجية دراسة النظم السياسية العربية: مقارنة ابستمولوجية) جامعة العلوم الإسلامية والاجتماعية، ليزيرج/فرجينيا، الطبعة الأولى، 1998م، ص73-74.