أديبٌ في العصفوريّة
إمبراطورية المجانين الديمقراطية العليا
تجارب قصصية ميدانية
خطيب بدلة
لازمات
ملاحظة 1:
إن المجانين الذين يُحْـتَجَزون في مشفى الأمراض العقلية أقل بكثير من المجانين الطلقاء. ولعله من المدهش حقاً أن المجانين الطلقاء يتسنمون مناصب مهمة في البلاد، وتوضع في أيديهم مصائر البشر الأسوياء!!
ملاحظة 2:
نُشرت هذه التجارب القصصية على امتداد الأعوام من 2001 و 2005، في مجلة " الشهر "، وصحيفـة " النور "، وعلى بعض المواقع الإلكترونية.
أديب في العصفورية
دخل زميلنا أبو مرداس الإدلبي، المجنونُ الوافد الجديد، إلى مبنى العصفورية المتحدة، باحتفالية جنونية تليق بمقامه كأديب مشهور (سابقاً)، له عدد من المؤلفات الأدبية، والمسلسلات الإذاعية والتلفزيونية، ومساهماتٌ صحفية صِدَامية، كانت تسبب له- حينما كان طليقاً- المزيدَ من المشاكل، وزيارةَ المخافر وفروع الأمن، وتعرضه لسين وجيم تؤدي كلها إلى سؤاله بارتياب، عن الأسباب التي تجعله يتمسك بحب الوطن إلى هذا الحد المَرَضي المهووس.
وقف المجنونان الأزليان أبونبيرة وأبو عبدو الطشنة عند مدخل العصفورية، وأمسكا فيما بينهما بطَرَفَي حبل يشبه جديلةَ صبية سمراء، مصنوع من أنابيب البصل الأخضر، وطلبا من أبي مرداس أن يمشي وراء الحبل، بينما راح الزميل أبو الدعبولة يضرب بقبضة يده الضخمة على الثلاجة العتيقة المرمية قرب المدخل، مصدراً إيقاعاً كإيقاع الطبل، وأطبق (أبو بريم المرعز) كفيه حول فمه، وأخذ يعزف بصوته ولهاته عزفاً حائراً بين صوت المزمار وصوت إخراج الغازات من المؤخرة، وأخذنا نحن نرقص وندبك ونصفر، بينما راح المتفرجون منا يرشقون الضيف الجديد بالحصى وعقوب التفاح والبيض المسلوق والشحاطات البلاستيكية، ويصيحون بصوت واحد: قيق!!..
وحينما أصبحت الجلسة مصغرة ضمن المهجع رقم خمسة من عصفوريتنا المتحدة، قدمنا لأبي مرداس واجبات الضيافة والاستقبال على أكمل وجه،.. أطعمناه ما توفر لدينا من مأكولات، وسقيناه كأساً من الشاي المتخمر، ولكزناه في صدغه وخاصرتيه أكثر من مئة مرة، ثم قلنا له بصوت واحد:
- إحك ولاه أبا مرداس، هات احك لنا عما يجري في بلاد العقلاء،.. ولماذا جاؤوا بك إلى هنا في هذا الوقت الذي يتحدثون في صحفهم وإذاعاتهم وتلافيزهم عما يسمى بـ (تبييض العصفوريات من المجانين).
تنحنح أبو مرداس عدة مرات، وعَزَّل لهاته وقال:
- صارت معي قصة تجنن. يا شباب حينما كنت في المدرسة كان معنا ولد غبي وكسول إلى درجة أنه كان يمضي في كل صف مدرسي سنتين أو ثلاثاً، وكان دائماً ينفي تهمة الغباء عن نفسه أمام أهله وأقرانه قائلاً بأن يده بطيئة في الكتابة، وأنه يعرف الأجوبة الصحيحة لأسئلة الامتحانات، ولكن وقت الامتحان ينقضي وهو لا يتمكن من كتابة الأجوبة بسبب بطء ذات يده.. إلى أن مل من الدراسة، وترك المدارس بأنواعها، وتطوع في سلك المخابرات، بعد أن أقنعه رفاقه بأن هذا السلك لا يحتاج إلى ذكاء ولا إلى سرعة في الكتابة، بل يحتاج نفسية حامضة وقسوة في القلب وكتابة بعض التقارير بين الحين والآخر.
أراد الزملاء المجانين أن يعقبوا على هذه المعلومة الطريفة ولكن أبا مرداس أسكتهم بإشارة من يده وقال:
- انتظروا البقية أرجوكم.
المهم يا شباب، لقد حضر بالأمس إلى مدينتنا رجل له علاقة بالسياسة والشأن العام، وألقى محاضرة مطولة تحدث فيها عن موقف الدول التي تهددها أمريكا، وكيف أنها تقوم بكل ما من شأنه (سد الثغرات) و (سحب الذرائع) و (نزع فتائل الأزمات لتلافي شر أمريكا)..، فلما انتهى المحاضر من عرض أفكاره، قمت أنا، محسوبكم أبو مرداس الإدلبي، وطلبت الإذن بالكلام، وقلت للمحاضر بأن ما نطلبه في هذا الوطن عملية إصلاح شاملة مخصصة لنا نحن أبناء الوطن، وليست مخصصة لإرضاء أمريكا والاتحاد الأوربي.. ولنفرض أن أمريكا تركتنا بحالنا ومشت، ماذا نفعل؟ هل نعود إلى سيرتنا القديمة التي تتلخص بكم الأفواه وشحط الناس إلى الانفراديات، و..
والتفتُّ جانباً، فرأيت زميلي الذي كان يرسب في كل صف دراسي سنتين أو ثلاثاً بسبب بطء ذات يده، وعلى ركبته دفتر، وفي يده قلم، يكتب ما كنت أقوله بسرعة البرق، ليرفع بي تقريراً عاجلاً، لكي يجندلني ويوقعني من طولي، فطق عقلي من فرط الدهشة، وجيء بي إلى هنا بناء على ما ذكرت!
* ** *** ** *
صدر للمؤلف
§ حكى لي الأخرس 1987
§ عودة قاسم ناصيف الحق 1989
§ الساخرون- (نماذج من القصة الساخرة في سورية- إعداد) 1990
§ امرأة تكسر الظهر 1994
§ وقت لطلاق الزوجة 1998
§ حادث مرور 2002
§ التداوي بالأدب 2006
كتاب عن المؤلف: تجارب جديدة في القصة السورية- (عالم خطيب بدلة السردي)، تأليف محمد محي الدين مينو 2005.
رابط إلى المجموعة الكاملة