الكائن المفترس داعش..!!

يونس عاشور قرأها 1,173

الكائن المفترس داعش..!! 

أتذكر في فترة بداية السبيعينات والثمانينات من القرن الماضي، بالتحديد عندما كانت السينما الأمريكية والأوروبية وحتى الشرقية منها تروّج لمنظومات إعلامية كاسحة وذات ملامح سياسية وفنية واضحة في الرؤية والمعنى والمفهوم بحيث كانت تلك المنظومات السينمائية حينها تتضمن معاني الترجمة والنقل باللغات المختلفة (multi-translation) ومن ثمة تسويقها في أنحاء أرجاء المعمورة لكي يستطيع المتلقي أن يستوعب ما يدور في فلك هذه المشاهد والسيناريوهات الغربية والشرقية، وقد كان لعالمنا العربي والاسلامي نصيباً وافراً منها في التسويق والترويج والتشويق لها خاصةً وانها أيضاً كانت تحمل في طياتها أدواراً تمثيلية ونصوصاً دراماتيكية وأفلاماً فكاهية مختلفة تقوم بصنع الإثارة والحماس والانجذاب نحو صندوق العجائب (الشاشة) بحيث أنك ترى من يجلس ويتفرّج معك تنتابه هتافات وصيحات وصفير إن لم يكن اندفاعاً بكامل أعضاء جسمه وقولبته وحركته الحماسية من صنيعة تلك الأفلام والتأثير على مشاهديها في البيوت وصالات العرض ودور السينما.

كأنما في وقتنا الحاضر خرج هذا العفريت الحقيقي المدعو بـ(داعش) من رحم تلك المشاهد التي كنا نشاهدها على هيئة مسلسلات وأفلام ونصوص إثارة وكل معاني العنف والرعب التي كانت تتضمنه في البث والنشر عبر الوسائط الاعلامية البدائية (شرائط الفيديو – الكاسيت – الاسطوانات المختلفة).

وربما داعش هو نفسه وذاته من كان يهوى الاطلاع والمشاهدة على تلك الافلام في الحقب الزمنية التي قد تشبّع بها ومن تقنياتها المختلفة بفكره التدميري Destructive فأصبح يُمارس الفتك والقتل والترويع والتجويع بأساليبه المفترسة ناصباً نفسه البطل الحقيقي والمخلّص الموعود به في نهاية المطاف لأعماله الشنيعة في الشاشة التمثيلية التي كان يمارسها سابقاً وفي الواقعية الحاضرة التي يُحققها ويُظهرها لنا الآن ولاحقاً على أشكال قتلٍ وانتهاك للحرمات وسفكاً للدماء البريئة.

بين الخيال والواقع ثمةَ مسافة وفاصل فالطيف التمثيلي في العقل يمرّ بمحطات ووقفات يصنعها هذا الانسان من خلال إعمال تفكيره قد يتوقّف عندهُ وقد يحاول تفعيله على أرض الحدث والواقع ولعلّ هذا الكائن المفترس داعش هو من حاول القيام بهذه الأدوار التراجيدية البشعة عند بدء ظهوره لنا.

التصوير الفلسفي للعلاقة بين مفهوم الإرهاب و"الكائن المفترس داعش" هي علاقة شيطانية وطيدة لا ينفكّ كلاهما عن الآخر، فهما وجهان لعملة واحدة، داعش مأواه الإرهاب الذي يقطنه ويتربّى في أحضانه عبر تدريس فتاوى التكفير وتلقي كل منهجيات الفكر الهمجي من جذوره والإرهاب أيضاً هو من يكون الوجه الآخر لداعش ومرآته التي يتوجها لها بعقله وسكنات فكره وأفعاله عبر الجماعات التفكيرية التي تنظّر لهذا المنهج الفاسد للقيام بهذه التمثيلات الشنيعة المروّعة كممارسة القتل والذبح وأعمال التفجير والتفخيخ في دور العبادة وغيرها، إلا ان هذا الكائن الإرهابي العجيب لا يقيم لحق الحياة وزناً فهو في نهاية المطاف يكون ضحية هذه الأعمال الإرهابية أيضاً بهلاك ذاته وذات من يسير في فلكه.

إرهابيو هذا العصر (داعش) يحاولون بالقوة رسم التاريخ المزيف وتلقين كل أبجدياته الخرافية المصاغة بمعاملهم الايديولوجية المدمّرة لدمغها في عقول الناس لاستهدافهم واستقطابهم لتلك الخلافة التي يؤمنون بها، خلافة الكهوف وتدمير المعتقدات والرؤى التي لا يؤمنون بها ليس بفكرهم الإيماني الواقعي وإنما بفكرهم البربري الهمجي.