في الحديث عن الهاتف المحمول أيضا.!؟

يونس عاشور قرأها 377

في الحديث عن الهاتف المحمول أيضا.!؟ 

     ليسمح لنا الاستاذ الفيلسوف عبدالسلام بنعبدالعالي باقتباس أحد عناوين مقالاته الأدبية وتحليلاته الفلسفية في دراسته القيمة عن "الهاتف المحمول" وكيف أن هذا النوع من التقنية العجيبة بدأ يشغل حيزاً كبيراً في أوقاتنا بل وشؤون حياتنا اليومية على النحو الذي لا ننفك منه بشكل متواصل بل أصبح يغطي كل حياتنا ويتملّكنا أينما كنا ونكون مما يجعل منه أداةً ذات أهمية بالغة بالنسبة لنا على الصعيد الحياتي، في وقتنا الحاضر عندما تجتمع الأسرة أو الاصحاب أو حتى الأصدقاء ويدور الحديث حول موضوع ما فإن الذي يُبادر بالحديث ويتصدّرهُ تراه يتحدث كما لو كان لوحده لأن البقية الباقية مشغولون في عالمهم "عالم الهاتف المحمول" الذي لا يقل أهمية عن المتحدث اليهم.

لقد أصبح من يمتلك هذا الهاتف لا ينصت اليك بأذنيه ولا ينظر اليك بعينيه ولا يبادلك الحديث بشفتيه، فإحساسه ومشاعره وتفكيره منصرفة أتمَّ الانصراف الى شاشة المحمول وتبقى حركاته وهمساته هي التي تتحدث معك بدلّ حضوره الحقيقي معك لأنه يمارس وجوده الذاتي والكوكبي داخل هذه التقنية السحرية فيمارس الهروب من الحاضرين لكي يذهب بعقله ومشاعره الى الغائبين ولو كانوا الغائبين الذين يتواصل معهم حاضرين بقربه لمارس ذات النمط معهم. كان المفكر الألماني نيتشه يقول (أحبوا بعداءكم كما تحبون أنفسكم) وإذا كان الفيلسوف نتشيه يقصد بهذه العبارة هو دعوة إلى خلق مسافة مع الآخر إذ أن كل تواصل من شأنه أن يسقط المرء في الابتذال والتشيؤ فنحن نستطيع أن نفهمها على أنها دعوة لتقريب المسافة مع البعيد وذلك بخلق هوة وإقامة بعد مع القريب.

يتجاوز الهاتف المحمول حدوده بأن ليس كما كان في بداية الأمر، لقد غدا أداةً للكتابة والأرشفة وتخزين للصور والمشاهدة وتحميل لكل حدث وخبر للمنافسة السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تُبث من هنا وهناك ومن هذا وذاك، وإيلاء اهتمامات لكيفية اختيار تلوينات تقنية مستجدة باستمرار كالأغلفة والالبسة والكراسي التي بدورها تُضفي ديكورات شكلية لهذا الهاتف بوضعه فوقها بحيث اصبح البعض يركنه على قواعد جمالية يستأنس الرائي لها.

لقد اصبح الانسان المعاصر يشعر بالنوموفوبيا عند فقدان هذا النوع من التقنية بحيث لا يستطيع مغادرة المكان إلا  ومعهُ هذا الجهاز الجيبي واليدوي.

يستنتج الاستاذ عبداللسلام بنعبدالعالي حقيقة أدبية وجمالية عن هذا الجهاز بقوله: من الألفاظ التي تقترن بالهاتف المحمول لفظ «التعبئة». فضلاً عن معانيه المباشرة التي تدلّ على الشحن الكهربائي وتزويد الهاتف بالرّصيد، فإنه يضمر معنى آخر لَعلّه أكثر أهمية. ذلك أن المحمول يأخذ بتلابيبنا، ويعبؤنا فيرغمنا على الردّ والاستجابة، بل على العمل المتواصل. وكأنه قيد عسكري، إنه «يجندنا» في كل وقتٍ وحين، ان صح التعبير. في هذا السياق يُحوِّر أحد الدارسين عبارة كانت قد ظهرت إعلاناً مع بدايات المحمول تقول: «باقتنائك للمحمول، يغدو العالم في يدك». غير أن تطوّر الأمور جعلنا في تعبئة دائمة وغدونا نحن الذين «في يد العالم» صباح مساء.

إذن الشغل الشاغل لهذا الانسان في هذا الموبايل هو "مسألة الرصيد" أو التعبئة  التي تلاحقه فما أن تقرب المدة الزمنية من الانتهاء حتى يفكر في دفع هذا القسط المادي للتزود بالشحن من جديد وهكذا دواليك بحيث أصبح الانسان يبحث عن التخفيضات والعروضات المغرية التي تلبّي رغبته في استمرارية الاستخدام والاتصال.