مقالات ودراسات في مفاهيم الفكر الفلسفي المعاصر*
.jpg)
*هذه المفاهيم والنصوص التي بين يدي القارئ هي باكورة التأليف والعمل الفلسفي في المسار الدراسي المدرسي بالنسبة لنا وقد استفدنا من المراجعات والأبحاث الفلسفية التي تُعنى بهذا الشأن من قبل نُخبة الاساتذة المتخصصون في هذا الحقل مما كان لها الأثر والانطباع في التحفيز نحو البحث والتنقيب الاركيولوجي عن استنباطات واستنتاجات مفاهيم فكرية جديدة تبث فينا الروح الفلسفية من جهة وروح النقد والتساؤل من جهة ثانية وتدفعنا الى تملك مفاهيم الفكر الفلسفي والاشتغال على نقده وفحصه وتقييمه تقييماً فلسفياً حتى يكون حافزاً لنا في اكتساب أرقى درجات العلم والمعرفة.
معنى المفهوم (Concept):
يعرّف المفهوم من قبل الباحثين والاساتذة الرياضيين بأنه فكره تخرج من عالم الفكر (العقل/ Ratio) إلى عالم التعبير عن طريق وضعها في قالب لغوى وعلى هذا، فالكلمة مفهوم منطوق أي أنه فكره في صورة لغوية ناتجة عن سيرروات عقلية بالغه التعقيد (تعميم، تجريد) حيث أن كلمه شجرة أو حيوان أو مرض هي ألفاظ تجمع فيها خصائص الشيء المشتركة بين عناصره وتضعها في مفهوم واحد.
يمثل المفهوم- في الفكر والمعرفة- الوحدة الأساسية في كل منظومة فكرية ونظام معرفي، من شأنها تعبر عن موقف أو نظرية، أو جانب من جوانب التفكير المستقيم، يتمظهر المفهوم بفعل دوافع النفس وآليات العقل وحاجات ومقتضيات وظروف البيئة الخارجية.
وقد اهتم البحث منذ القدم بشروط وأسس بناء المفهوم، وأهمية بناء المفهوم من أهمية بناء المعرفة وإنتاجها، التي تمثل الغاية القصوى للمسعى الإنساني العاقل ومساره في الوجود، ارتبط بها ولا زال مرتبطاً كلّ بحث فلسفي أو علمي أو غيره (1)
إذن بعد هذه المقدمة تتجلى لنا الحاجة الى دراسة وفهم معنى المفهوم على النحو الدي يتيح لنا تشخيص ماهيته وإيضاح فلسفته الغائية ذلك ان الرؤى والافكار والنظريات التي تطرح في مجالات الفكر المعاصر تتضمن مفاهيم متعددة من حيث المعنى والدلاله والمفهوم وهذه المباني قد لا تفهم من حيث بعدها المدلولي إلا بتوظيف ودراسة المفهوم كما أسلفناه آنفاً.
أن ماهية اللاحضور لمعنى المفهوم وعدم مثوله عند كثير من المثقفين هو بسبب عدم كيفية التعامل معه وتفكيكه تفكيكاً رياضياً قائماً على الملاحظة والتجريب والصياغة الرياضية والتكميم الحسابي الأداتي العقلاني، بوصفه قراءة مبتكرة نشتغل عليه من اجل تصريفه وإعادة تحويله أو انتاجه وإخراجه على نحو يُسفر عن ابتكار إمكانية جديدة للتفكير أو للعمل يخضع للنشاط الفكري والمعرفي، بل قراءة الحدث الفكري نفسه، بالتعامل مع الأفكار والمفاهيم كأحداث مولدة للحقائق، أو كأشياء لها كينونتها وواقعيتها.(2)
كثير من الدراسات الألسنية او الأبحاث الفكرية أو حتى على مستوى الطروحات الثقافية بين طلاب المعرفة قد لا يُفهم محتواها ومعناها الغائي بشكل تكاملي ذلك بسبب غياب قاعدة رياضية ندعوها "بالمفهوم".
ان غياب المفهوم يعني غياب المعنى، غياب الابتكار النظري للحدث وتشريحه وتفكيكه الى معاني وموضوعات قابلة للفهم والتحويل الموضوعي.
يمكن لنا الحديث في هذا السياق عما يحدث في العادة داخل أورقة الخطاب المعاصر، والخوض في قراءات ومناقشات وجدالات عقيمه لا تؤدي بُعدها الموضوعي ولا تنتج منحاها التحوّلي لأنها لم تنبثق من ماهية أساسية أولية هي ما ندعوه بمعرفة ودراسة (المفهوم).
ولو أننا دأبنا لتوظيف هذا المنهج ضمن خطاباتنا او توجهاتنا الأيديولوجية لاستطعنا تفادي كثير من المغالطات والمهاترات والهرطقات الكلامية التي تحدث في عالمنا الخطابي.
وتوظيف المفهوم يحتاج الى تمتين روابط معنوية ووضع اسس وثوابت فكرية تمكنه من الانطلاق الخلاّق حتى نستطيع التجاوز بثبات نحو البناء المنهجي الصحيح القائم على قاعدة المفهومية والمعلومية التي تنطلق من بواطن العقل الخلاّق.
صناعة التفكير:
أن ماهية مكونات التفكير هو مقومات لماهية التغيير للتفكير وانبعاثه واستحثاثه نحو ارض الحدث (المشكلة)، فالصانع للتفكير هو الحدث وبدون حدث لا يُصنع تفكير ولا تتبلور رؤى ولا تتطلق مفاهيم لاستيلاد أفكار ولا يتعدى التفكير نطاق العقل وحدوده الجغرافية ما لم يكن في الأغلب الأعم مشكلات على أثرها يتحرك التفكير من موقعه باتجاه إيجاد حلول سواءً كانت بصياغة اسلوب أو خلق منهج أو إنشاء فكرة معينة. ولعل الحياة المعاصرة هي في جملتها قائمة على أحداث ومتغيرات فيزيائية تستلزم منهجاً للتفكير.
الفكر والتفكير:
ثمة علاقة حميمية بين كلا المصطلحين والمفهومين فالفكر قوامه التفكير والتفكير قوامه الفكر أيضاً وبذلك يصبح التداخل بينهما صميمياً متفاعلاً كلياً. الفكر ينطلق من محصلات ورؤى وأفكار ثقافية ومعرفية، أما التفكير فهو سيرورة إعمال العقل بشكل متكامل وشامل لشتى مفاهيم الأمور الحياتية فنحن عندما نفكّر ننتج نظريات للتفكير وعندما نتأمل نستخرج منظومات ومفهومات هي في الحقيقة نتاج إعمال العقل البشري ولعل الكثير من الدراسات والاجتهادات العقلية في هذا المضمار لها القسط الأكبر من الانشغال في موضوعية التفكير عينه وعلى سبيل المثال انطلقت مفاهيم ورؤى كثيره من الفلاسفة حول علاقة التفكير بالعقل او بالحياة فالفيلسوف ديكارت يستثمر الكوجيطو على أنه نشاط عقلي يجمع بين الذات والفكر والوجود وينطلق به من منطلق جهازه المفاهيمي الدي جعلهُ يؤسس لنظريات خلاقة في ميادين العلوم الحديثة كالرياضيات والفيزياء المعاصرة مما جعل هذا العلم ينمو بشكل مطرد ويتطور ويجنى ثماره حتى يومنا هذا.
"أن الفكر مهمه، بل حيوية بالنسبة الى الفرد والمجتمع، فالأهم هو إمكان التفكير، أي القدرة على الانتاج الفكري، سواء بتوليد افكار جديدة، او بتغيير شكل التفكير او نمط العلاقة مع الأفكار نفسها، والفرق بين الفكرة من جهة وإمكان التفكير او الطاقة الفكرية من جهة اخرى، يشبه الفرق بين السلعة والمصنع الذي ينتجها، بهذا المعنى فالمفكرون المنتجون او المبدعون، هم اشبه ما يكونون بالمعامل التي تصنع الافكار او تفبرك المشكلات الفكرية" (3).
الفكر الحضوري:
هو الفكر المحايث للذات المفكرة أو الكوجيتو بحيث لا يتوقف عن الإعمال والأعمال الفكرية المتلاحقة لبعضها البعض للأحداث الحياتية.
ان الخصيصة الجوهرية التي يقتضي ان يتسم بها النشاط العقلي هي حضورية الفكر التحصيلي عبر نسج قراءات فلسفية مختلفة واستنتاج اتجاهات فكريه ومعرفية مختلفة ايضا.
الفكر الحضوري هنا هو ما نقوم به من انتاج وتحصيل معرفي على الصعيد النظري وهذا ما ندعوه بالاستنباط العقلي لكيفية توجيه الفكر نحو مساره الصحيح القائم على مفهوم التصحيح والتوضيح والتفقيه وهذه العناصر هي التي تساعد على ديمومة الفكر الحضوري للإنسان وعلى سبيل المثال لا الحصر لو مكثنا لبرهة من الوقت في المطبخ المنزلي وبدأنا بإعداد الطعام كالطهي والتنظيم واختيار الأصناف والدقة في توزيع نوع الأطباق فإننا سنخرج بفكرة مفادها ان هذا الأمر كان يلازمهُ فكر حضوري ساهم في التنظيم المحمود الذي طمحنا لأجله.
"إن ما يدركه الفكر الحضوري، من حيث هو إدراك، هو الحاضر في حضوره، وفي هذا الحضور يجد الفكر قياس كينونته الخاصة به، أي قياس (إدراك)ـــــــه. فالفكر إذن هو هذا المثول للحاضر، هذا المثول الذي يمدنا بالشيء الحاضر في حضوره فيموضعه بذلك أمامنا كي نبقى ماثلين أمامه، وكي نتمكن ونحن بداخله، من الإبقاء على هذا المثول. فالفكر من حيث هو هذا المثول، يحمل إلينا الشيء الحاضر ويقحمه في العلاقة التي لنا به. إنه يعيد الشيء الحاضر إلينا. فالمثول إذن تمثل. لقد ظل التمثل هو الميزة الأساسية للفكر إلى حد الآن، وتبعاً للمذهب القديم للفكر فإن هذا التمثل يتم داخل اللوغوس: واللوغوس كلمة تعني : عبارة – حكم. والمنطق هو التسمية التي اقترنت بمذهب الفكر، أي باللوغوس." (*). انظر كتاب/ التقنية – الحقيقة – الوجود. للأستاذ محمد سبيلا.
الاحتجاج المنطقي: هو تقديم الدليل او البرهان الواضح والفاضح لمعنى اللامعقول ومن خلال توظيف القياس والمسطرة الحسابية العقلية على اسس لوغراتمية منطقية دقيقة نستطيع من خلالها صناعة الاقناع الخطابي لدى المتلقي، من هنا بدا مفهوم الاحتجاج (Logical Proof) يشق منهجيتهِ في القاموس الفلسفي والحاجة اليه من قبل المناطقة والمتفلسفين باعتباره وحدة رئيسية من وحدات التحكم الفلسفي وعلم المنطق يُركن عليه عند الاستدلالات المتعددة للمعنى والمفهوم.
الحداثة الفلسفية:
هو المنهج الفلسفي القائم على التطوير والتحديث والارتقاء والتغيير بحيث يكون مواكباً لعصر التحولات والتطورات الحياتية الحضارية، فمفهوم الحداثة الفلسفية شغل حيزاً كبيراً في مجال الدراسات الانسانية الحديثة (Humanities Science) كعلم الاجتماع والاقتصاد والسياسة...الخ، والحداثة الفلسفية اليوم تشكل الجوهر العقلاني لماهية المنطلقات والمقومات في شتى الميادين.
يبلور الجوهر الرئيسي لمفهوم الحداثة الفلسفية أهمية كبرى على صعيد الفكر المعاصر وقد كان لمثل هاته الموضوعات والمطروحات اهتمام بالغ من قبل الباحثين والمشتغلين في الحقل الفلسفي وقد وجدنا هذه المفردة لثمرة عنوان كتاب مترجم إلى اللغة العربية للفيلسوفان محمد سبيلا وعبدالسلام بنعبدالعالي لمجموعة نصوص فلسفية لفلاسفة غربيين حتى يتسنى للباحث والمترجم الاشتغال في الحقل الفلسفي الاستفادة من المصادر والمراجع الغربية على أمل أن تكون مناهج نقوم بتفكيكها وتركيبها أو حفرها وبناءها أو استثمارها وإعادة قراءتها من جديد على شاكلة خلاقة تتغير معها العلاقة الغائبة بيننا وبين المنهج الآخر (الحداثي)، وبالتالي النتاجات المرتقبة إنشاء الله. والاشتغال بالحداثة الفلسفية يتطلب منا جهداً متتالياً ومتصاعداً باتجاه الحفر المعرفي الدؤوب.
لقد كان للحداثة الفلسفية حضوراً كثيفاً متكوثراً في أوساط المجتمعات الغربية التي اخدت بزمام التقدم والسباق الحضاري وكان لها نصيباً أيضاً في مجال تحقيق الانجازات الحضارية الكبرى على صعيد العلم.
ان إيجاد البنيات والقواعد أو الأدوات والمناهج هي التي تساعد على تمخيض الحداثة الفلسفية وتوليد صيرورتها.
ان ماهية الحداثة الفلسفية إنما تكمن في معرفة الأطر الكامنة التي نقوم بغربلتها وبلورتها والاستفادة من آفاقها وخلفياتها كالتغيير من أجل التغيير، و التغيير الذي لا يتوقف باتجاه التغيير والثورة الابيستمولوجية المستمرة، والتجاوز المستمر، وحركة أشكال لا تنتهي واعتدامية إيجابية لا قرار لها. جوهرها نفي مستمر، وتجديد من أجل التجديد الذي هو تجاوز للأنماط والأطر التقليدية إلى أعراف ورؤى عقلانية تجديدية " قولبة " ذات قوى تقوم ببسط كل ما هو حداثي وموصول بالفكر والثقافة والمعرفة او في مجال الشعر والفلسفة او في حقل الفنون التي تقوم هي الأخرى بنمذجة التحولات والتغيرات ألإبيستمولوجية لاستنهاض كل ما هو ثابت الى متحرك وكل ما هو متجدد الى متعدد في المعنى والمفهوم على شاكلة التوليد الحداثي الذي لا يقف عند ركيزة معينة بل في جوهرها ركائز ترمي إلى إحداثيات مفهوميه جديدة قوامها الحداثة الفلسفية.
1- الموضوعانية (Objectvism)
2- المواضعاتية (Conventionalism)
3- الموضوعاتية (Themes)
ثمة فروقات مفهومية وتباينات معنوية من ناحية التعريف الفلسفي لكلا المصطلحات الآنفة الذكر.
· فالموضوعانية: تؤكد على الحقيقة الموضوعية، وبخاصة بوصفها متميزة عن الخبرة الذاتية.
ويقصد بالموضوعانية ايضاً نظرية اخلاقية تقول بأن الخير حقيقي على نحو موضوعي. كما يقصد بها النزعة الى معالجة الموضوعات الفنية بصورة موضوعية وبمعزل عن شخصية الكاتب او الرسام. ومن الفلاسفة الذين صاغوا هذا المصطلح من أجل تطوير نظام فلسفي هي الفيلسوفة الروائية الامريكية الروسية/ Ayn Rand حيث اعتبرت ان الموضوعانية هي فلسفة أخلاقية كحقيقة الخير على أنه موضوعي وبأن المفاهيم الأخلاقية صحيحة موضوعياً.(4)
· المواضعاتية: وتعني التمسك بالتقاليد وأعرافها التي يُجمع عليها مجتمع ما. "وقد استخدم هذا المصطلح هنري بوانكاريه وحذا حذوه عدد كبير من الفلاسفة المعاصرين للدلالة على اسس العلوم التي لا تكون من البينات ولا من العموميات ولا هي فرضيات مطروحة للتحقق من صحتها " ان المسلمات او البديهيات الهندسية ليست إذا أحكاماً توليفية قبلية ولا هي ظواهر اختبارية إنها مواضعات".(5)
· الموضوعاتية: "هي خِيار وجوديّ متشعّب الأشكال متعدّد التعابير كثير التنويعات والتحوّلات، أي إنّه مجموع الوجوه البلاغيّة والصور البيانيّة والمشاهد الوصفيّة والمواقف السيكولوجيّة والأشياء التي يستعملها الكاتب لبناء عالمه الداخليّ، وتشكيل أناه الخالقة (المبدعة)، وهو يتحدّد وَفْق تكراره وثباته عبر متغيّرات النصّ" (6).
وتُستخدم هذه المصطلحات الآنفة الذكر كثيراً في كتابات الفكر الفلسفي والنقد الأدبي المعاصر مما يستدعي منّا فهمها فهماً جيداً والتعامل معها على نحوٍ منهجي خلاّق.
الفلسفة الغائية (Teleology):
"هو مذهب العلل الغائية، الذى يرى ان الكون تنظمه غايات ومقاصد وعلى ذلك فمن الواجب تفسير الحوادث لا على سوابقها أي " العلل الفاعلية ". وإنما على اساس نتائجها (أي العلل الغائية)" (7).
إذن هو المنهج الدي يكون نهايته هدف ذي مصلحة ومنفعة سواء كانت ذاتية او سوسيولوجيه وتقوم الفلسفة الغائية على منهج عقلائي يستهدف الغاية المنفعية التي تحقق للفرد الرضا والاقناع من عمل شيء ما.
مفاعيل كرة القدم :
قد تثار الدهشة لأول وهلة عن ماهية سبب طرح هذا العنوان في هذا السياق وهو هل ثمة ربط ميكانيكي بينه وبين الفكر الفلسفي؟ وللإجابة عن هذا التساؤل بودنا ان نتعرف أولاً على القوة السحرية التي تتمتع بها كرة القدم على المستوى السوسيولوجي فهي تلامس جميع مستويات الوجود الاجتماعي كافة كظاهرة ثقافية وسياسية واقتصادية وترفيهية بامتياز وكأنها مفعول انصهاري تعمل على تذويب المجتمعات ببعضها البعض في قولبة ثقافية قوامها التحفيز والتشجيع والهيجان والميجان بالطنين والأنين بكل الأصوات.
كرة القدم تعمل على خلق حالة من الانفتاح والتداخل والتفاعل بين مكونات الأفراد والجماعات خالقةً مجتمع حواري تواصلي واستدماجي وأخوي بمكوناته الثقافية والسياسية والاقتصادية وغيرها، وقد تصادف اشخاصاً لا تعرفهم لأول مرة في "عالم كرة القدم" فأنت عندما تبادرهم بالحديث كأنك تعرفهم قبل ألفي عام هذا المفهوم هو التحول الفعلي لمفاعيل كرة القدم حيث تعمل على تحويل المجتمع من ميكانيكي الى ديناميكي ومن مجتمع انغلاقي الى مجتمع انفتاحي تنفيسي يبوح عما في داخلة من آلام وكبت سياسي واجتماعي وغيره.
إذن هذا المفهوم من التحليل السيكولوجي لهذا التقديس لكرة القدم يخلق مجتمعاً موجاتوياً /الموجات ينطلق من فكر وثقافة فلسفية قد لا يستشعرها الإنسان فهو أشبه بالذرات المتناثرة التي أن وجدت هذه الكرة توجهت اليها تلك الملايين مكونةً نسيجاً واحداً هو المجتمع الانصهاري.
مفهوم التواصل عند الانسان المعاصر:
لقد اصبح التواصل في وقتنا الحالي يتمنهج عبر استخدام وسائل التقنية الحديثة بإفراط وحرص محايث للإنسان ذاته بحيث لا يستغني عنها، واحدة منها الهاتف النقال الذي يُطلق على هذا النوع من الشعور " بالنوموفوبيا " أي الشعور بالخوف من فقدان الهاتف المحمول أو التواجد خارج نطاق تغطية الشبكة، ومن ثمة عدم القدرة على الاتِّصال أو استقبال الاتِّصالات. مع تزايد استخدام الهواتف المحمولة، انتشر نوع جديد من الرهاب، يعرف باسم "نوموفوبيا"، وهو عبارة عن مرض يصيب الفرد بالهلع لمجرد التفكير بضياع هاتفه المحمول أو حتى نسيانه في المنزل. وأشارت دراسة أجرتها شركة «سكيوريتي انفوي» المتخصصة في الخدمات الأمنية على الأجهزة المحمولة، إلى أن 66 في المئة من مستخدمي الهواتف المحمولة في بريطانيا وحدها يعانون من الـ"نوموفوبيا" الذي لم يعد اتصالاً فعلياً أو تواصلاً حقيقياً ملموساً كما يستشعر هؤلاء إذ لم يعد قريبك اليوم هو القريب منك، بل قريبك اليوم هو البعيد عنك ليس هو جارك وابن حيك الذي تقطن بجواره ذلك بسب مسائل ووسائل التقنية التي غدت حاضرةً لدينا في كل وقت وحين مما ساعدت على خلق هوة بيننا وبين الأشخاص الاخرين الذين نعرفهم أو ننتمي اليهم.
فالوسيلة الناقلة للتواصل الآن هي الهاتف الجيبي أو كما يدعوه احد الدارسين بالهاتف النقال الذي اصبح ينقلنا في هذا العالم الرحب، إذن وسيلة النقل والاتصال في هذا العالم هي " التليعالم" الذي يجعلنا متواصلين مع الاخرين، لكن ما هي نوع القرابة او الاقتراب الحقيقي الذي يحققه هذا الهاتف.؟
فهذا الانسان الكوكبي إذ يحاول ان يعيش في العالم وان يقترب من الجميع لا يقترب من احد وهو إذ يحاول الحضور في كل مكان يغيب عن جميع الأمكنة بل هروبه في حقيقة الأمر هو هروبه من ذاته.
في كتابه الأخلاق والتواصل يحدد يورجن هابرماس حقيقة معنى التواصل بقوله " لقد اصبح التواصل الصوت الوحيد القادر على توحيد عالم فقد كل مرجعياته لنتواصل، ولنتواصل بالأدوات والتقنيات التي تضعف التواصل نفسه هذا هو جب التناقص الذي وضعنا فيه "، بحيث التجأت المجتمعات الحديثة إلى إعلاء القيمة المركزية للتواصل لمعالجة المشاكل التي نتجت عن خيارتها الاساسية، وعقدت البشرية الأمل على عصر الاتصال. غير أننا في الوقت نفسه اصبحنا نعاني فيه من اللاتواصل: والمفارقة ان كثرة وسائل الاتصال ألغت التواصل وغيرت من سماته، حيث يعاني الانسان الحديث من الإحباط والعزلة وعدم تماسك النسيج الاجتماعي، ومن العزلة والاغتراب والقيم المعرضة للاندثار.
ويؤكد هابرماس في هذا السياق بأن العلاج لمعنى التواصل الشمولي هو امتزاج سيرورات التأويل الثقافي والمعرفي والتوقع الاخلاقي القيمي والتعبير الحضاري اللغوي الذي بإمكانه ان يوفر القواعد الاساسية المشتركة لتأسيس مفاهيم التواصل الحقيقية والواقعية لدى الانسان المعاصر(8).
ثقافة الكتاب:
يشكّل اقتناء الكتاب أهمية بالغة في القضاء على الجهل والأميّة والتخلف الفكري وقد كان لهذا النوع من الثقافة انتشار واسع على صعيد التأليف والتصنيف والإعداد لمشروعات برامج ثقافية توعوية ضخمة تساعد على تأهيل كوادر ذات منحى تربوي وثقافي وتعليمي.
ثقافة الكتاب هي بمثابة التوجّه العام للكتاب والاندماج بمكوناته الثقافية منطلقةً من التفكير بالإعداد للتأليف والتصنيف إلى الإعمال بالتثقيف والتفقيه الغذائي للعقل البشري.
يتعدد ثقافة الكتاب اليوم بمسميات وتقنيات جديدة هي كتاب الجيب ما نقتنيه في أيدينا أو جيوبنا لسهولة التنقل به وعدم الاستشعار بأعباءه، وكتاب العقل ما يخطر في العقل من خواطر وأفكار وثقافات سواء كانت واقعية ام خيالة، وكتاب الشاشة " الالكتروني" الذي بدأ متوغلاً في شتى مرافق الحياة العامة.
لكن ثقافة الكتاب هاته بدأت وكأنها في اضمحلال في الآونة الأخير بسبب التراكمات والانبعاثات الاعلامية الأخرى المزاحمة لهذه الثقافة الجوهرية، فلم يعد الابناء لهم التوق في اقتناء الكتاب وقراءته والتعرف على مكنوناته ومكوّناته الثقافية أو مرجعياته وخلفياته الفكرية.
ويبدو لي أن اهم عامل تحفيزي الآن هو تحويل هذا الكم الهائل من المخطوط إلى مقروء الكتروني ما دامت التقنية هي الان المهيمن الوحيد في عصرنا الحالي، وما يقتضي التعامل معه هو مسايرة التحولات الحياتية وفق المتطلبات والتغيرات الإحداثية التحولية على صعيد العلم والمعرفة, فالعصر الرقمي الآن بدا يشكل جوهر آخر مفاده السرعة في الفعل والعمل وتنميط الحياة العامة بهذا المنحى جاعلةً من الانسان انساناً ذي سيرورة عاجلة لا تعرف البطء والانكفاء أو التقهقر والانزواء العقلي.
ان عصر المكتبات الان هو "المكتبات الرقمية" متمثلةً في عدة مكونات الكمبيوتر، والهاتف، والتلفاز، والأقمار الصناعية يتداخل فيها الصوت والصورة والحرف المكتوب معبراً عنها كلها بنظام رقمي يستدعي التعامل بهذه المعطيات على النحو ذاته حتى يتسنى لنا تأصيل ثقافة الكتاب بثوبه الحداثي الجديد.
مجتمع الفرجة:
يتواجد هذا النوع من المجتمعات في أماكن عديدة باستمرار وتكرار فارتياده للمجمعات التجارية الكبرى وصالات العرض والازياء ودور السينما وساحات ملاعب كرة القدم الشاسعة وغيرها من الأنشطة التنفيسية التي تتجه الأنظار دوماً اليها لهي خير شاهد على خلق مجتمع مشدود ومشدوه للفرجة نحو الآخر والنظر اليه بشغف فالإنسان المعاصر لا يهتم بأناقته ومظهره إلا من أجل مجتمع الفرجة spectateur لقد غدت انظارنا تتجه للأخر لتقييم نوعية هندامه ومستوى أناقته وشكلانيته الظاهرية Representation التي هي الآن محط اهتمام من قبل شركات الترويج العالمية المتخصصة في صنع الأزياء والديكورات والاكسيسوارات وتحسين مستوى العمران لتكون محل اهتمام وفرجة يتفرج عليها الانسان خالقةً منظومةً سيكولوجيةً واكسيولوجيةً يندمج فيها كل احاسيس ومشاعر الانسان بالتذوق والافتتان والتلذذ.
إذن مجتمع الفرجة هو مجتمع يعاش فيه الشيء مفوضاً بديله وصوره عنه. انه المجتمع الذي يستبدل فيه العالم المحسوس بمقتطف من الصور التي توجد فوقه، والتي تقدم نفسها على انها هي المحسوس بلا منازع في مثل هذه المجتمعات يغدو العالم صوراً، كما يصبح الانسان فيه مشاهداً متفرجاً ولعلها اهم صناعات العالم المعاصر ذلك العالم الذي اصبح فيه " كل شيء يباع ويشترى، أي سلعة والفرجة بالضبط هي اللحظة التي تحقق فيها السلعة، احتلالها الكلي للحياة الاجتماعية. ليست الكوكاكولا والاديداس والنايك منتوجات نستهلكها، ولا هي مجرد صور نراها انى اتجهنا بأنظارنا انها عالمنا المعاصر (9).
هوامش:-
(1) مفهوم التجديد ومفاهيم محايثة له للدكتور جيلالي بوبكر.
(2) الماهية والعلاقة – نحو منطق تحويلي / علي حرب الطبعة الأولى 1998.
(3) الماهية والعلاقة – نحو منطق تحويلي / علي حرب الطبعة الأولى 1998.
(4) آين راند Ayn Rand تطوير النظام الفلسفي.
(5) موسوعة لا لاند الفلسفية المجلد الأول الطبعة الاولى 1996.
(6) د. جوزف لبُّس: المنهج الموضوعاتيّ (في البحث عن النغم التائه).
(7) الفلسفة أنواعها و مشكلاتها تأليف هنتر ميد وترجمة د. فؤاد زكريا- الطبعة الخامسة 2009.
(8) يورجين هابرماس "الاخلاق والتواصل" لأبو النور حمدي أبو النور حسن – الطبعة 2012.
(9) "مجتمع الفرجة" للأستاذ عبدالسلام بنعبدالعالي جريدة الحياة اللندنية العدد12642