في المفهوم الاكلينيكي الفلسفي بوصفه علاجاً للأوتوقراطية
قدمت الفلسفة نفسها في العصور القديمة والحديثة على أنها أمثل نظام وعلاج لإقامة حياة عقلية عقلانية بمقومات وعناصر مترابطة أي محكمة وثابتة في الرؤى والمنهج والتطبيق العملي بحيث تتصف بالشمولية Totalitarianism لمواجهة الأسئلة التي تلحّ على الانسان في كل زمان و مكان والقضاء على عاهات التخلف الاستبدادي والفكري الذي بموجبه يُلخبط نظام الحياة.
تُشكل الفلسفة جوهراً ومحوراً عملانياً في البحث عن ماهية الأشياء وأصولها وعلاقة بعضها مع بعض ومع الانسان والوجود الانساني وبهذا التشكيل الجوهري تصبح الفلسفة نموذجاً ومنهجاً ناجعاً لحل المشكلات والمعضلات الحياتية المبتلى بها في عالم اليوم، واحدة من تلك المشكلات الرئيسة التي توغلت وتتوغل بشكل مباشر في كافة جوانب حياة الفرد هي مسألة " الاستبداد السياسي Tyranny " باعتباره مسطرة حديدية توّظف في الجانب السلطوي وتستأثر حب التملك والهيمنة على مرافق الحياة العامة.
في قبال هذا النظام الاستبدادي/ الأوتوقراطي وكيفية القضاء على عاهاتة المستشرية يقترح الفيلسوف افلاطون طرح منهج اكلينيكي فلسفي جديد يقدم وصفاً علاجياً ودواءً فعالاً للقضاء على عناصر الجهل وهو "حكومة الفلاسفة " المنبثقه من فكرة العقل الاخلاقي العقلاني للفرد والذي يعتبره محور العدالة والقانون والدستور الذي يمكّن من القضاء على شقاء النوع الانساني وتصحيح أوضاعه.
مصطلح حكومة الفلاسفة Government philosophersهو اشبه ما يكون باليوتوبيا/الفردوس فهو ليس موجوداً إلا في مُدن الخيال الغير قابل للتحقيق والمنال والتصديق في العصر الحديث أي بمعنى آخر في سحاب الجمهوريات الفاضلة المبنية على أخلاقيات التعليم والتفقيه الفلسفي المتجرد من حب الذات وجمع المال وبسط الجاه وسيطرة الانا.
لأن الحاكم الفيلسوف هو الذي يدأب إلى تقويض تلك المفاهيم واستبدالها ببناء منهج هرمي الشكل في قمته المدرك والمتعايش لمشاكل الجمهور وإيجاد حلول براغماتية بحيث يكون هذا الأخير هو الأب الروحي للجمهور في طرح رؤى ونظريات ومقولات تلامس شؤون الحياة، وإذا كان الفيلسوف ليس بمقدوره الاقتراب الكلي للجمهور كما هو مطروح عند البعض من المفكرين باعتباره يفضل الانعزال والانفراد لممارسة التفتيش البحثي والمعرفي في القراءات الفلسفية المختلفة فإن غيابه هذا يشكل أيضاً جوهراً استراتيجياً ومحوراً غائياً يبعث بالتساؤل والانجذاب المتواصل اليه من قبل النخب بكافة مستوياتها الثقافية والفكرية.
المشرحة الفلسفية التي توصّل اليها الفيلسوف افلاطون في عيادته العلمية والفلسفية فيما يخص النموذج الأمثل لإرساء أسس المدينة الفاضلة بوصفها علاجاً للقضاء على مفهوم الاستبداد يتجلى في عدة حُزْمات نذكر منها:-
1- مدينة الجمهور التي تستأثر بالعقل والمنطق في إيجاد حلول للقضايا السياسية المختلفة وتستبعد الانصراف الكلي للتمجيد الحربي والعسكري وذلك من أجل تقوية الارضية المعرفية لإيجاد فلاسفة ومفكرين أو أساتذة متفلسفين على نحو التحول من منطق الإضعاف والاستغلال إلى منهج الانصاف والاستعمال العقلي في جوهره الصحيح الذي يتيح المشاركة الفعالة في إدارة شؤون البلاد على أساس فلسفي ينتهي بالجميع الى العيش الرغيد والهناء السعيد.
2- المدينة العامة أو ما يصطلح عليها بحكومة اليمين فتشمل جميع أطياف الجمهور ويشارك فيها الناس على حدٍ سواء بحيث لا يكون لأحد استئثاراً على أحد للسيطرة وحب والهيمنة أو التمركز في زويا الحكم المطلق Despotism.
3- مدينة الدستور أو القانون التي يسود فيها العدل والمساواة للحد من إيجاد الفقر والفقراء وإشاعة النظام بحيث تعمل على التآخي والتواد والتحابّ فيما بين الجمهور وكل معاني الوحدة الاجتماعية التي تقتضي على الاستبداد.
4- مدينة الاصلاح الجماعي التي تسعى إلى احترام حقوق الانسان ونبذ كل اشكال الكراهية والاحتقار للإنسان بصفته كياناً فعالاً ينبغي ان ينخرط في سيرورة اصلاحية جماعية تهدف إلى إشاعة منظومة اخلاقية مهنية لا يكون للاستبداد فيها مكاناً للمنظور البعيد.