أين تكمن الخبرة البرجماتية في المسار الوظيفي؟
من خلال المراحل الادارية التي كنا نتمرحل بها عبر مساراتها الوظيفية والادارية لسنوات عديدة، وما كنا نراه في بعض الاحيان من قصور وظيفي لدى بعض الموظفين الاداريين والاكتفاء بمستويات روتينية رتيبة وعدم الرغبة في الدأب للانطلاق نحو تأهيل الكادر الوظيفي بمؤهلات وتدريبات عالية في المعنى والمفهوم تساعد على إيجاد قواعد بنيوية لتطوير الكفاءات الوظيفية والرمي بها نحو القمة الادارية الهرمية العليا، رأينا أنفسنا ملزمين بالحديث عن توظيف مسار رئيس في تقويم المسار الوظيفي وهو "اكتساب مفهوم الخبرة العملية".
يتداول الكثير من الجمهور/ المجتمع مصطلح "خبرة" (Experience) أو خبير (Expert) فيقال إنسان عندهُ خبرة أو لديه تجربة عملية في الحقل الكدائي، والمقصود هنا هو التجربة الفذة التي تنبثق من سيرورة عقلية عملانية واستراتيجية تستند في كل الأحوال على قواعد وخلفيات عملية ذات طابع تقني ذي نجاعة فاعلية وبراعة هندسية في كيفية إعمال التخطيطات والتطبيقات العملية الصحيحة في مسارها الصحيح. وعلى حد تعبير الدكتور عبد العزيز ساتــي فإن الخبرة هي العلم بالشيء، يقال خبر الشيء إذا علمه وعرف حقيقته، من هذا المعنى العام تعددت الاستخدامات فاستُدِّلّ بلفظ الخبرة على كل حذق أو إجادة لمهنةٍ أو عملٍ ما أو تخصص في علم من العلوم باختلافها وتدل أيضاً على طول الممارسة التقنية الميثدولوجية وكثرة الدخول في التجربة المعينة كما ويطلق اللفظ على تراكمية المعارف الوجدانية والأدائية وكمية الإلمام بالأمور الحياتية المختلفة في الميادين العلمية المختلفة من غير تخصص في علم محدد، والخبير بالشيء: العالم بهِ بصيغة مبالغة، مثل عليم وقدير واستعمل في معركة كنه الشيء وحقيقته، قال تعالى (فاسأل به خبيراً) الآية - الفرقان 59-.
ويمكن لنا تعريف الخبرة من منظور فلسفي آخر بأنها ثمرة التفاعل والتداخل الذى يحدث بين الإنسان والبيئة، بين الذات والاحتكاك بالخارج والخبرة هي التجربة الحية التي يعيشها الإنسان في مواقف حياته المتعددة أو هي عملية تأثير بين الفرد والبيئة حيث يربط بين ما تقوم به من عمل وما يحصل عليه من نتائج فيستفيد من ذلك في تعديل سلوكه والفلسفة التي تقوم عليها الخبرة هي أن الإنسان لا يتعلم إلا نتيجة للتفاعل المستمر مع البيئة واتخاذ الخبرة أساساً للتعلم لذلك أن التربية الحقيقية تتحقق عن طريق الخبرة.
لقد أصبحت الخبرة في وقتنا المعاصر لها مؤثراتها البُعدية والهدفية على زحزحة المسار الوظيفي والعملي Career Path من صيغته الثابتة إلى سيرورته النافذة بشكل فعّال، وبدون الخبرة يكون العمل ناقصاً لا يؤدي جدواه ومنحاهُ التكاملي الذي يهدف الى وضع الخيوط العريضة ورسم الاستراتيجيات الدقيقة التي تقوم ببناء منهج إداري يلامس القفزات الكمية والنوعية للخبرات والقدرات الوظيفية ومتى وجدت هذه الأهداف كان لها النصيب الأوفر في إحداث النقلات النوعية الادارية نحو التطوّر والسمو الإداري الخلاّق على أنه مفهوم يعتمد على الفكر الإداري الخلاق أيضاً، من هذا المنطلق يقتضي علينا أن نولي هذا المنحى اهتماما بالغاً على الصعيد النظري والعملي والانسان بدوره يجب عليه أن يكون ديناميكياً ينطلق من مسارات تقنية عديدة واستجلاب افكار خلاقة جديدة قوامها التدريب والتطوير أو التجديد والتغيير البراجماتي الهادف الى بناء مناهج وتجارب تكون بمثابة المصدر والمرجع لكيفية الدخول في مضمار الأعمال الإدارية والتقنية منها. سواء كان ذلك عبر عقد الدورات التدريبية المكثفة أو اللقاءات الحوارية المتلفزة واستثمارها على ارض الواقع بالاستفادة من وسائل الاتصال وخلافة الذي يسهم هو الآخر في طرح الموضوعات التدريبية في هذا السياق.
ان الجمود الاداري الذي يخلو من الخبرة والتجربة لا يمكن له خلق منهج قائم على التحولات العلمية فما هو مطلوب هو تكثيف عقد البرامج والمناهج الإدارية الفعالة بأسلوب يتناغم مع مبتغيات العصر الحديث ولعل عقد الدورات التدريبية سواءً كانت محلية أو خارجية فيما يخص شأن المؤسسة بإمكانها صنع حالة من الثقة لدى الموظف وبالتالي دفعه الى الحرص والاجتهاد والتفاني في روح العمل من اجل الاسهام في تطوير أساليبه وبرامجه الادارية.
أن النجاح الاداري انما يتأتى من تلك المواصفات القيمية كالعلم والمعرفة والتجربة التي يتصف بها الموظف في عمله فالانضباط الوظيفي القائم على روح الاخلاص هو الذي يساهم أيضاً في تشكيل وصقل شخصية الموظف وجعله ناجحا على أن اندفاعه نحو الأعمال يشكّل توجهاً ذاتياً ينطلق من بواعث الرغبة في إنجاز الأعمال بمهنية عالية ومن هذا المنحى تتولد سمات الخبرة والاتصاف بها.
ويمكن لنا توضيح وتصنيف اهم الخصائص المنميّة للخبرة التي يجب ان نتعرف عليها من خلال عرض القراءات المنهجية لبحث الأستاذة ايمان محيى عيسى حول دراستها القيمة للمبادئ العامة للخبرات التعليمية والقانونية على النحو التالي:-
1- تقوم الخبرة على أساس التفاعل: الخبرة حصيلة التفاعل بين الفرد وبيئته، وهى تقوم على نشاط وإيجابية المتعلم والنشاط هنا هادف وغرض والمناهج الجيدة تقوم على أساس دراسة علمية لحاجات الموظفين ومتطلبات نموهم وأغراضهم ونشاطهم وتفاعلاتهم والبيئة العملية الحديثة تقوم الدراسة بها على أساس النشاط، الذى يعتبر جزءاً من المنهج الوظيفي.
2- توصف الخبرة بالشمول: لا تقتصر الخبرة على الجانب المعرفى فقط، ولكنها تتضمن الجانب الوجدانى والجانب الأدائى حتى تنمى التفكير البناء وتكون الاتجاهات والميول والمهارات المناسبة واللازمة للنجاح في الحياة العملية.
3- توصف الخبرة بالاستمرارية والتكامل: الخبرة التي تكتسبها من موقف ما تقوم على ما قبلها وتمهد لما بعدها لأنها بناء متماسك مع غيرها لذلك فإن عند تهيئة مواقف الخبرة الجديدة أمام الموظفين، ينبغى أن يكون لدينا تصور واضح عن خبراتهم السابقة، حيث نعمل على تصحيحها وتوجيهها، ولذلك نراعى تماسك المناهج وترابطها وتكاملها من درس إلى درس، ومن مادة إلى مادة ومن مرحلة إلى مرحلة، وكذلك ينبغي ربط خبرات البيئة الوظيفية بخبرات الحياة التي يعيشها المتعلم والمتدرب والموظف.
4- الاتجاهات الإيجابي والسلبي منها للخبرة: الاتجاه الإيجابي للخبرة هو ما يحقق نمو الفرد وتقدم المجتمع، أما الاتجاه السلبى فهو الذى يعوق تقدم الفرد والمجتمع، ومن هنا وجب توجيهه الخبرة توجيهاً اجتماعياً لتحقق للفرد إمكاناته وللمجتمع تقدمه ورفاهيته من خلال تكوين القيم والمثل العليا، التي توجه السلوك وتكسبه نوعاً من الثبات. (التجارب ليس لها غاية والعاقل منها في الزيادة).
إذن هذه الخصائص التي عرضناها تشكّل عملية استنساج (Networking) فكري مترابط مع بعضه البعض، ومتداخل مع البنيات الاساسية التي تكمن في توليد الخبرة البرغماتية والقيمية في المسار الوظيفي الفعّال فالمؤسسات والشركات والهيئات والمراكز العملية الوظيفية تبحث عن الموظفين الذين تتوافر لديهم الخبرات والتجارب والقدرات الادارية الجيدة المستندة على التكتيكات والأساليب والمفاهيم الادارية الحديثة مما يساعدها على الانطلاق الى مستويات متقدمة في الجانب الأدائي البراجماتي.
وفي نهاية هذه المقالة الدعوة الى التزود بالتجارب العملية بحيث تكون تجارب تراكمية لا تقف عند حدٍ محدود أو افقٍ مسدود. وقد قيل في هذا الصدد بـأن "لتجارب ليس لها غاية والعاقل منها في الزيادة".
· الهوامش:
1- بحث في (انواع الخبرات التعليمية) مقدمة من طالبة ماجستير الاستاذة/ إيمان محيى عيسى.