في عالم الفكر بناء للفكر!..

يونس عاشور قرأها 1,238

في عالم الفكر بناء للفكر!.. 

(الفكر هو علاقة بالذات والغير، بالواقع والحقيقة، بالعالم والأشياء. وكل فكر خلاّق يشكّل صياغة مفهومية فذّة، يُعاد معها خلق العالم، بإعادة ترتيب العلاقة بين الأفكار والأشياء والكلمات). /علي حرب

هل فكرت يوماً ما في عالم الفكر؟ أو في روّاده الذين يدأبون ليل نهار في تحصيله..! أو هل خطر على بالك أن تفكر في كيفية الإنضمام إلى ذلك العالم؟.. أو لا أقل أن تفكر في كيفية مشاركة هؤلاء فيما ينتِجون ويطرحَون من أفكار ورؤى ونظريات ذات معطيات صادقة ورؤى واعدة في مجال البحث والتنقيب الفكري الذي يكمن في مصلحة الفرد.

     تلك تساؤلات تشكّل مدخلاً رئيساً لكيفية الولوج في عالم الفكر، فهي بمثابة المفتاح الذي يكون لحلّ المعضلات والمشكلات الحياتية، ومتى ما امتُلك ذلك المفتاح كانت له الجدوى والثمرة النافعة اليانعة للحياة الإنسانية السعيدة التي ربما يفتقدها الكثير من الناس وذلك بسبب التخلف الثقافي والفكري الذي إذا غاب عن عقل الإنسان وجد حياتهُ في ضياعِ وتيه، تتقاذفه أمواج الجهل من هنا وهناك! وكأنه بحاجة إلى قبطان. هذا القبطان يتمثل في ديمومة اللااختفاء للفكر أي حاضراً مع الانسان حضوراً كلياً أينما حلّ ربما هذا يقودنا الى طرح مصطلح "الفكر الحضوري". سنحاول في موضع آخر ومناسبة أخرى التطرّق إلى ماهية الفكر الحضوري من حيث الأهمية والفاعلية.

إن لحظة تفكير جادة في عالم الفكر الأصيل خير ما ينتهجه المرء ويتبنّاه في حياته، فهذا يتيح له كشف الأسرار المعرفية وإزالة الغموض والإبهام الذي يتموضع حول عقله وفكره، ونذهب إلى أبعد من ذلك ففي عالم الفكر يجد الإنسان نهجه المنشود الهادف الى تزويده بالمعارف والعلوم التي يفتقدها، ومن ثمة تنفتح آفاقٌ عقلية جديدة وحينما نقطع المسافات تلو المسافات الثقافية والفكرية نغترف منها حقائق ونرتشف منها رؤى محضة تنقلنا الى ما نصبو إليه لنحيا حياةً سعيدةً قوَامُها الفكر، ومن المعلوم أن بنيوية ذلك وتكوينه تتأتّى من الرواد الذين لا شيء يشغلهم سوى الدأب لتحصيله وتفعيله على المستوى النظري والمعرفي الذي يستهدف خدمة العقل البشري، نعم أن المشتغلين بالفكر هم الذين يعون الحقائق الابيستمولوجية، فهم بمثابة الجهاز الحاكم لتوجيه عقول الناس والتحكم فيه لأنهم يرون ما لا يراه الآخرون ويعرفون ما لا يعرفه الآخرون. إنها حقيقة لا يُتنطّع لها من قبل المثقفين والدارسين الذين يحرصون على انتهاج منهجهم المعرفي واستخراج فكرهم الفلسفي وها نحن نلمس هذه الحقيقة في عالمنا وواقعنا المعاصر كيف أن الأمم استطاعت تحقيق الإنجازات والمكاسب العلمية والحضارية والثقافية عبر العصور؟ ألم تكن هنالك مقومات ومنطلقات وتطلعات على أثرها يتواصل درب الفكر ونهجه!؟

والسؤال الذي ربما يُطرح هو كيف يتسنّى لي أن أبني منهجاً فكرياً في عقلي؟.

بالطبع إنما ذلك يكمن في الاستفادة من المصادر الفكرية والفلسفية والتعامل الصحيح معها ولكي يبني الإنسان صرح فكره لا بد له من هدم الرواسب الفكرية العالقة في ذهنه لان البناء المنهجي يعتمد على عملية الهدم والبناء.. هدم الأفكار الرجعية المتخلفة وبناء الأفكار الإيجابية الهادفة.

ومن المعلوم أن كل فرد يملك مسبقات فكرية وعليه استثمار تلك الموضوعات وينميّها بصورة ميثودولوجية، ولنعلم أن السابقيات الفكرية التي تملكها النفس البشرية مثل العلم باستحالة التناقض والصدفة، وقبح الظلم، والشر وإمكان الخلق والإبداع وحسن العدل والخير انها ليست ذاتها العقل. بل أنها حقائق يكشفها نور العقل للنفس كما تكشف الشمس ألوان الحقول فالعقل أداة الإنسان الأولى لبناء فكره وباستثارة تلك السابقيات العملية.

سنحاول عرض بعض العناصر الرئيسة التي تساعد على بناء الفكر واستنساله على ضوء الاستثمار القرائي المنهجي والمتمثل في:

• (الحفر القرائي):

لا بد من عملية التثقيف المستمر وذلك من خلال الحفر المعرفي المكثّف. إذ لا تنمو المعلومات الفكرية والثقافية عند الإنسان إلا من خلال المطالعة المستمرة. فالفكر لا يُمنح بل يُكتسب.. ولا بد من الجهد لكي يبني الإنسان فكره والاطلاع هو من أهم الوسائل التي يساعد على التحصيل الفكري وحينما نتحدث عن الاطلاع فإننا لا نحصره في منحى واحد فقط وإنما يكون متشعباً ومتفرعاً بحيث يلمّ شتات المستويات الفكرية والثقافية للانسان.

• مزاحمة أهل الفكر:

أن ثقافة الإنسان أنما هي وليدة لما يراه ويسمعه فبواسطة السمع يستطيع الإنسان بناء فكره والحصول على اكبر قدر ممكن من الأفكار وذلك كل حسب منهجه وطريقته التي من خلالها يستطيع أن يحرز اكبر قدر من الفائدة. وخير جليس لبناء الفكر هم العلماء والمفكرون حيث التجارب والخبرات والمعارف والقدرات المتدفقة من عقولهم النيرة.

• التدبّر:

عملية التدبُّر تساعد على عملية البناء المنهجي لتفكير الإنسان. لذلك فالتدبُّر عنصر أساس يقتضي ألا يتجاهله من يريد أن يحصّل الفكر أثناء عملية التدبر. وقد بيّنا اهمية هذا العنصر الفعال لتوجيه الفكر والتفكير الى التوجيه والبناء الصحيح.

• تحليل مواقف الشخصيات الفكرية:

من المعلوم أن الشخصيات الفكرية لها مواقف كثيرة تكشف حقائق هامة من الفكر الأصيل ولكن نظرة تحليلية إليها لهي كفيلة بأن تكشف لنا تلك الحقائق والرؤى. والمفكرون هم بالنسبة لنا مسيرة واحدة تسعى لتحقيق هدف واحد ألا وهو سعادة الإنسان لذلك فان مواقفهم يجب دراستها وتحليلها لكي نستفيد منها الدروس ونستخرج منها الأفكار والعبر فهده المواقف حينما ينظر إليها يستفاد منها في عملية إنتاج الفكر.

• ملامسة الواقع اليومي:

كلما احتكّ الإنسان بالواقع ارتقى فكره في عملية التحصيل الفكري لأن الواقع توجد به تجارب كثيرة يمرّ بها الإنسان من خلال ملامسة هذه التجارب الحية يقوم الإنسان بالتحصيل، ولذا قيل (في التجارب علم مستحدث) لأن في التجارب علوم كثيرة كنا نجهلها ولكن متى يلمس الإنسان التجارب عندما يلامس الواقع ويحتكّ به وإلا فإن الإنسان البعيد عن ساحة الحياة ولا يحتكّ بالواقع فانه لا يمرّ بالتجارب التي تبني فكره وتزيد من المعلوميات والمفهوميات الواقعية.

وثمة أمورٌ لا حصر لها تتضمّن القابلية لبناء منهج الفكر وذلك عندما نقوم بالبحث عنها في عالم الفكر!!.