المجتمع المدني العالمي داعم لمنهج التفكير الفلسفي

يونس عاشور قرأها 968

المجتمع المدني العالمي داعم لمنهج التفكير الفلسفي 

فكرة العنوان الآنف الذكر كان يصول ويجول في خاطري كثيراً نظراً للحقبة الزمنية الطويلة التي قطعناها نحن العرب وما تمخّض عنها من تحولات على مستوى صعيد الفكر الانساني وبإمكاننا توظيف التأمّلات والقياسات الزمنية التي تقوم بتحديد المفارقات ذات البعد الإنجازي والحضاري بيننا وبين تلك المجتمعات الأخرى التي استطاعت ان توجد نفسها في أحضان الحداثة الفلسفية العلمية حيث التطور العلمي والصناعي والتقني وانعكاسه الحضاري على مستوى تلك المجتمعات التي أخدت بزمام الحضارة والنظام وكل أشكال التقدم وتستطيع أن تُحدّق بعينيك على ما تشهدهُ تلك المجتمعات من مكتسبات ومنجزات أو إحرازات وإفرازات علمية هائلة لا تنفكّ عن التوقّف والانقطاع أو التقهقر والانعدام.

إن توضيح المفاهيم الواقعية والبراجماتية التي حُقِقَتْ خاصةً في ميادين "العلوم الفلسفية وتطبيقاتها العملية" لدى المجتمعات الأخرى تستلزم منا الإلحاح على طرحها وتوظيفها ومن ثمة استثمارها وصرفها وتحويلها الى منهج عملاني يتيح لنا الانطلاقة الخلاّقة الخارقة لخلق مجتمع مدني عالمي يقوم على إحداثيات وغائيات منهج التفكير الفلسفي بحيث يكون داعماً ومؤسساً له، ومرتكزات جوهرية تنطلق من مفهوم الاستقراء النظري الى تطبيق المنهاج العلمي والعملي ومن القراءة الثقافية الى الصياغة المعرفية ومن التأمل الناقص الى التفكّر المتكامِل ، ومن التنظير السطحي الى التفكير المنطقي على نحو يساعد تحويل المجتمع وقولبته الى مجتمع قابل تصنيفه مدنياً وعالمياً ومتى ما كان المجتمع يشكّل حراسة أمنيّة ومنهجية بمفهومها التفكيري والتطويري آنئذٍ يكون المجتمع مجتمعاً عالمياً يواكب انجازات ومعطيات المجتمعات الأخرى . والتسابق الحضاري اليوم يعتمد على الرؤى الخلاقة الواعية بقيمة الفرد كفرد وتحويله من ثابت الى متحرك ومن عنصر مستهلك الى مُقرّر وفاعل ومنتِج ومن مدني الى كوني وعالمي بحيث يمارس حضوره كلياً على مسرح عالم اليوم المليء بالتحولات والتطورات العلمية المنبثقة من مفهوم التحّول (التحويل) باعتبار هذه الصيغة الرياضية الفلسفية هي صيغة مُمْكِنَة ومُنْتِجَة كما هو مطروح ومتداول في الأبحاث الفلسفية المعنية بهذا الشأن.

يشكل "منهج التفكير الفلسفي" اليوم موضعاً هاماً على الصعيد التدريسي المدرسي وفاعلاً أساسياً في كيفية توليد محتويات علمية جديدة ومعطيات فعلية مفيدة نستطيع من خلالها تخطي الصعوبات والمنعطفات التي نواجهها أو نصطدم بها على أكثر من صعيد وفيما يخصّ المناهج التعليمية اليوم أو المنهاج بشكل عام فهو بحاجة الى إعادة نظر وتحويل هذا الكم الهائل من المخطوطات والمكتوبات الى ورش عمل تلائم مبتغيات ومستويات عقول هذا الجيل الجديد المنفتح على مقتنيات التقنيات الجديدة وتلك هي الفرص السانحة اليوم لدعم عجلة هذا الجيل بما يلائمه هو على صعيد الرغبة والتوق على التعّلم وكل أشكال التدريب حتى نستطيع قطع المسافة التي تفصل بينا وبين سائر المجتمعات الاخرى.

وما دام الكلام وسياقه يتمحور حول أهمية إيجاد هذا المنهج التفكيري الفلسفي لانبثاق مجتمع مدني عالمي يتّسم بالكونية فإننا من المناسب التطرق والحديث عن ميكانيزمات هذا المنهاج على نحو الإيجاز لكي يتسنى لنا الدخول في معترك الحياة بأساسيات ومعدات تقنية تساعدنا على حل شتى القضايا الحياتية:

الشمولية (التوتاليتاريه): والمراد بها دراسة الكليات لا الجزئيات، أي الاهتمام بما هو شمولي عام والابتعاد عن الحالات الفردانية المعزولة في الزمان والمكان.

النسقية: وهي من جهة التنظيم والترتيب المنهجي المحكم للقضايا والإشكاليات والأفكار ومن جهة ثانية الاتساق وعدم التناقض مع الذات.

الصرامة المنطقية: وتتمثل في التدرج في عرض الافكار على شكل سلسلة مترابطة ومتناسقة الحلقات حتى يتم فيها الانتقال من البسيط الى المركب ومن السهل الى الصعب ومن المعلوم الى المجهول ومن ثمة استخلاص النتائج والمعطيات المترتبة عنها وتبريرها منطقياً.

الموقف النقدي: وهو إعادة النظر الدائمة في القضايا والأفكار والقيم القديمة السائدة حول موضوع ما.

التساؤل المستمر وهو في الوقت ذاته نتيجة للموقف النقدي وسبب له فالأسئلة في النظام الفلسفي للتفكير أكثر أهمية من الأجوبة، وكل جواب يصبح بدوره سؤالاً جديداً.

الاهتمام بقضايا الانسان: وذلك بالبحث فيه من حيث أصله وطبيعته ووظيفاته ومصيره ومختلف علاقاته مع نفسه والآخرين.

تلكم كانت بعض الخصاص والصفات لماهية "التفكير الفلسفي لإيجاد مجتمع مدني عالمي" تحتاج منّا الى مُراجعة وتوضيح باستمرار من قبل أهل الفن والاختصاص العلمي المقتضى توافره بإسهاب في مجال البحث والتنقيب الفلسفي.