الثورة التقنية المعلوماتية الكبرى بين الوقائع والعواقب

يونس عاشور قرأها 1,630

الثورة التقنية المعلوماتية الكبرى بين الوقائع والعواقب 

تعدّد تعريفات المعلوماتية ليس بسبب تعدّد المرجعيات الموضوعية، بل بسبب الخلط بين أدواتية جمع ومناقلة المعلومات والوضعية الجديدة التي أوجدها توافر هذه الأدوات. إذ يرى بعض الخبراء (الابيستمولوجيون) أن المعلوماتية هي: علم معالجة الأخبار في إطار المنطق وتلقائية المعلومات والاتصالات البشرية والمعرفية والإعلامية.

فمن قائل بأن الثورة المعلوماتية هي ثورة المعلومات والثورة الحاسوبية. أما ثورة المعلومات Information Revolution أو انفجار المعلومات فهي النمو السريع لكمية المعلومات وهذا ما أدى إلى هذه الحقبة الحالية في تاريخ البشرية التي حلَّ فيها امتلاك المعلومات ونشرها محلَّ المكننة والتصنيع باعتبارها سلطة محركة للجميع.

ويذهب باحثون آخرون إلى أن المعلوماتية هي: حالة من تسامي قيمة المعلومات وارتفاعها إلى المستوى الذي يجعلها واحداً من عناصر الإنتاج وأحياناً أهمها، وواحدة من عناصر القوة المعاصرة ولربما أهمها أيضاً، حالة تحققت بفضل التقدم التكنولوجي الهائل في إنتاج المعلومات وإيصالها وتوزيعها. التعريفات المشار إليها من المدنية (Civilization). فيما تنطلق الثانية من نتاج تلك الآلة وفعلها. ومن خلال التقريب بين الروايتان نستطيع القول بأن المعلوماتية تشير إلى التطور الهائل في أجهزة ووسائل إنتاج المعلومات، وتخزينها واسترجاعها وتوصيلها إلى الحد الذي أصبحت معه المعلومة والمعلوميات قابلة للتراكم الكمي الهائل والمؤثر في تفاقم سياق سيرورات المنتوجات الفكرية والمادية منها. ويمكن لنا الاشارة في هذه الاطروحة الى توضيح جذر مصطلح "المعلوماتية" فهو مُنحدِر من الكلمة الفرنسية informatique، ولا يوجد في اللغة اللاتينية مصطلح يقابله تماماً. وتشير المعاجم إلى أن هذا المصطلح ظهر أول مرة في أدبيات "شركة المعلوماتية التطبيقية" التي كانت تدير المركز الأول في الحساب بفرنسة. غير أن عبارة علوم الحاسوب computer science تستعمل في كثير من الأحيان بديلاً من مصطلح المعلوماتية، مع بعض التجاوز.

يتمثل الانتشار المعلوماتي اليوم في عدة عناصر ومركبات تقنيه ورقمية وقيميه منها: التلفاز، الحاسوب، المذياع، أجهزة الهواتف النقالة الحديثة التي تساعد على نقل المكالمات، وأجهزة التنصت "الكاميرات" Transmitter التي تساعد على إرسال المعلومات إلى غرفة العمليات، والذكاء الصناعي الذي يتمثل في الأقمار الصناعية، والصحون المقعرة المتجهة ببطونها الفارغة صوب تلك الأقمار الصناعية لتجميع المعارف والمعلومات والصور وبثّها في كل أرجاء العالم، وأجهزة التحكم عن بعد التي تقوم بإرسال الداتا للتنفيذ Switch On وغيرها من الأجهزة الصناعية الذكية التي تقوم التقنية بنشرها في أرجاء المعمورة.

هذه المعلومات التي نشاهدها أو نقرأها أو نحصل عليها أو نشتغل وننشغل بها من هنا وهناك إنما هي وليدة ثورة تقنية معلوماتية كبرى تتمثل في الكيف الانتشاري والكم المعلوماتي الهائل الذي ليس له حدود والعابر للقارات من قبيل العقل البشري الذي استطاع تحطيم الحدود بين الدول والقارات وجعلها قرية كونية متقاربة المسافات من حيث الأبعاد الجغرافية فأنت عندما تريد الحديث عبر وسائل الاتصال ينتقل صوتك إلى أقصى المسافات الكونية الكوكبية الأخرى بسرعة فائقة وهذا ملمح من ملامح تطوّر التقنية السيّارة التي تتمثل هي الأخرى في تكوين العلاقة بين المعلومة ورسم الصورة الواقعية من هنا وهناك وتقديمها بشكل جلي لهذا الإنسان، ويمكن القول بأن المسافة التي قطعتها التقنية المعلوماتية من الناحية الكورنولوجيه (30) عاماً هي في أوج انتشارها الرهيب وَضِيفَتُها إضفاء عنصراً رئيسياً من حيث التزويد التقني وهو ما يُعرف بإخراج المعلوماتية من أبناك المعلومات إلى الإنسان المعاصر وجعله قادراً ومتمكناً على اكتساب المعارف والعلوم.

تطور الثورة المعلوماتية خلق تصوراً جديداً للمكان قوامه التداخل بين المكان واللاّموقع (أو اللاّمكان) أو ما يطلق عليه بعض الباحثين: نزع الطابع المكاني أو الانقلاع المكاني (Deterritorialisation). فالنص الكبير Hyper text، أي المحتويات المعلوماتية في الشبكة العنكبوتية، مثلاً ليس له مكان موقعي محدد ونهائي وكأن ليس له مكان. فهو موجود في كل مكان وفي أية نقطة من الأرض دون أن يكون مثبتاً أو مركّزاً في مكان ما هنا أو هناك. هذا النمط الجديد من الوجود المكاني هو نمط الترحل أو الوجود الانتشاري الدائم في كل نقطة على وجه الأرض. وعدم مثوله في هذه النقطة أو تلك لا يعني أنه غير موجود بل هو موجود وجوداً إضمارياً أو ضمنياً أو افتراضياً. إنه ضرب من الوجود يندغم فيه المرئي باللاّمرئي، والداخل بالخارج، والحضور بالغياب، والوجود باللاّوجود، والمكان باللاّمكان.

هذا النمط من الوجود المضمر يصبح نمطاً جديداً للتمكن specialization والتزمن Temporalisation أي للحضور المكاني والمثول الزماني للموجات الضوئية الرابطة والفاعلة لكن غير المرئية. وباستعارة التشبيه بالجذمور الذي طالما استعمله بعض الفلاسفة فإن النموذج هو الجذمور الذي يوجد مركزه في كل مكان ومحيطه في لا مكان.

من المؤكد أن هذا النمط الجديد من الوجود يتجاوز مقولاتنا الذهنية البسيطة المتوارثة ويغير كلياً تصوراتنا عن الزمان، والمكان، والمادة، والهوية.. إلخ. ويقلب العلاقة التقليدية بين الوجود بالقوة والوجود بالفعل فيجعل الانتقال العكسي من الفعل إلى القوة أمراً وارداً بجانب الانتقال المتداول المعروف من القوة إلى الفعل.

إن الواقع الافتراضي واقع أنطولوجي جديد، واقع مرئي لكنه غير ملموس، واقـع "يقع" بين الخيال المحض والواقع الفيزيائي الصلب.

الايجابيات الإنسانية الكبرى للثورة المعلوماتية أن أدواتها ووسائطها تحتاج إلى ذكاء مستخدميها بدلاً من عضلاتهم ، فهي تقدم العون للبشر من خلال توفيرها قدراً اكبر من التسهيل في تخزين المعلومات ومراكمتها ونقلها، وتفعيل القدرات البشرية بصورة أعمق عن طريق منظومة واحدة للاتصال وإدارة الأعمال بطريقة آلية وتقنية واكتشاف ثقافات مغايرة واختيار أصدقاء جدد وتكوين جمعيات من مختلف التوجهات سياسية وثقافية واجتماعية وتقنية بسرعة غير مسبوقة.

يتحقق من ذلك صيرورة سوق معلومات كونية هائلة، توفر لنا خيارات أوسع فيما يتعلق بجميع الأشياء والعلاقات من الخدمات والربح الاقتصادي إلى الأفكار والنظريات والقيم الإنسانية، بما يوسع إمكاناتنا الإنسانية والمادية ويفتح إحساسنا بالهوية وبالآخر، ويعمل على تحررنا من التقوقع والتركز حول الأنا.

وبقدر ما كان متحققاً من هذه الثورة السحرية العجيبة في تذليل الصعاب للإنسان وجعله متحكماً ومسيطراً على مظاهر الطبيعة فإن هذه المكتسبات والمنجزات تنطوي على تيار عاطفي خفي وقوي، يتمسك بثقافة وقيم ومفاهيم أخذت قاعدتها السوسيولوجية والمادية والتربوية تتزعزع، وغدا بادياً للعيان أنها اليوم تترنح تحت وطأة قوى التكنولوجيا والمعلوماتية والاتصالية، التي تلح علينا بالانفتاح، بالمعرفة والصوت والصورة. وإذا كنا قد تغيرنا عن آبائنا دون ضجة كبيرة كالحاصلة اليوم، فهل يمكن أن نتوقع غير ذلك بصدد أولادنا؟

لكن هذه الثورة المعلوماتية بقدر ما لها من إيجابيات فإنها لا تخلو من سلبيات لا راد لفعلها فقد تكون أكثر تعقيداً والتباساً واقل رسوخاً وبالتالي اتفاقاً. إذ أنها على الغالب تتصل بأخلاقنا وقيمنا الراسخة وبأيديولوجيتنا ومواقعنا وأنظمتنا الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وتستفزها بعمليات تفكيك منظمة يطلق عليه الغزو الثقافي والتلويث الثقافي وإفساد الثقافات الوطنية خاصة المتعلقة بالخصوصية الثقافية إذا ما نحن حاولنا استيعابها وفهما وفك رموزها وشفراتها التي ربما تكون مدمرة على مسار حياتنا الاجتماعية والثقافية والسياسية .... الخ.

يونس عاشور - باحث في الشأن الفلسفي المعاصر

المراجع:

·       د. صبري مصطفى البياتي: المعلوماتية والشباب العربي، بحث في: مجلة دراسات اجتماعية (بغداد: بيت الحكمة، 2001 )، العدد 10, ص 44 ـ 45.

·       د. محمد سبيلا الثورات العلمية (التقنية الكبرى وتخومها الفلسفية والأخلاقية ).

·       د. سمير إبراهيم حسن (الثورة المعلوماتية عواقبها وآفاقها ).