الثقافة الفلسفية الجديدة
ربما يتساءل البعض هل ثمة ثقافة فلسفية جديدة في حقل الدراسات الألسنية والأدبية أو غيرها من العلوم الإنسانية الأخرى ؟!.
يبدو لأول وهلة قد يثار تساؤل حول هذا النوع من الطرح الثقافي الجديد خاصةً وانه يلامس نظرية "المنهج الثقافي الفلسفي" (Cultural philosophical approach) بثوبه الجديد أو ينظّر له بإعمال التثقيف على نحوٍ فلسفي ولملمة ثقافة فلسفية جديدة لإدخالها في أتون المواجهات والمجابهات التي تُطرح من هنا وهناك وعلى أكثر من صعيد خاصة في مجال الفكر الإنساني أو العلوم الانسانية الحديثة.
إذا سلّمنا بأن أهم مقوّم وداعم لمعرفة الأمور هو ابتكار أساليب جديدة للبحث والتنقيب حول قضية ما فإننا عادة ما نلجأ إلى إعمال الفكر والنظر والتأمل باستثماره في تلك الأبعاد النظرية الهامة التي تقوم بتأسيس ما ينبغي تأسيسه وتفعيل ما يقتضي تفعيله على نحو الترشيد والتسديد وكيفية البناء والتشييد بطرائق مختلفة ووسائل متعددة ومتفاوتة وبآليات هندسية دقيقه قوامها الصياغة الرياضية التي تنتهج طريقة التحسيب والتجريب والتكميم بالكم الحسابي الأداتي أو النشوء لخلق عملة نادرة نستطيع من خلالها حل المشكلات والمعضلات في الشؤون الحياتية وخاصة نحن العرب اللذين لم نكتشف بعد آفاق المعطيات التي من خلالها صنع صيرورة السمو والرقي والتقدم وكل مفردات الحداثة العقلانية.
وفي هذه المقالة التي هي خروج عن المألوف الكتابي سنحاول قدر الإمكان التركيز على الأسس والمرتكزات أو والبواعث والمنطلقات التي تساعد على إحداث تأسيس نظرية ثقافية جديدة في عصر يتسم بحضارة علمية متعددة الجوانب والأبعاد، كقوة الانتاج العلمي التقني المتقدم وارتباطه بكافة اشكال التقنية الصناعية ومما يكمن في هذا السياق ايضاً السيرورة التقنية الادارية وكيفية صنع القرارات وتوظيفها بنحوٍ عقلاني رشيد نتاجها النجاعة والفعاّلية والواقعية والإجرائية والبراغماتية. ولعل المنحى المهم والأهم هو العامل الاقتصادي الكبير الذي بدا يتوغل في شؤون الحياة بكافة أبعاده ومستوياته فهو الباعث التعبوي لأي مجتمع يستطيع من خلاله اكتشاف العناصر الرئيسية الجوهرية لدعم دفة القيادة المركزية والتحكم في شؤون الحياة.
بعد هذه الديباجه المتواضعة نقترح في هذه الدراسة استعراض واختزال بعض الملامح الفكرية أو بعبارة أدق الكيفية المنهجية وما تمخضت عنه من توليد ثقافة فلسفية جديدة في حياة العالمان والفيلسوفان فرنسيس بيكون Francis Bacon ورينيه ديكارت Rene Descartes.
فالأول يؤكد على ضرورة التطبيقات العملية لنجاح النهضة الجديدة وتطور الفنون وفائدتها للحصول على المعلومات التي يستطيع الإدراك السليم تقديرها وخاصة في مظاهر الكون التي تحيط بالإنسان، وبسبب معيشته.
كان الفيلسوف بيكون يجمع العناصر اللازمة ثم يجري عليها التجارب ثم يستخلص منها النتائج المدعمة بالبراهين وهي الطريقة الاستقرائية، ومنذ بدء حياة بيكون العلمية كان ينادي بالنظرية التي تقول "أن هدف العلوم الأسمى هو إثراء الحياة الإنسانية بالاكتشافات الحيثية والقوى الضرورية. وكان يرى نفسه ليس بالعالم أو المخترع ولكن ملهماً للعلم والاختراع، وفي هذا الموضوع يقول: أخذت على عاتقي أن أدق الأجراس لأدعو العقول المفكرة لتجتمع وتعمل.
الفيلسوف ديكارت كان يؤمن بالبديهيات التي تشق طريقها بحد السيف، وحمل هذا الرأي بفكره الرائق وكان ينادي بأنه يستطيع اكتشاف أي شيء يمكن استنتاجه بالمنطق أما التجربة فتأتي كعامل مساعد وهي الطريقة الاستنتاجية، فكان هناك إصرار على المنطق الاستنتاجي والمقترحات البديهية، ولكنه بدأ في استخدام الرياضيات وكان في ذلك أستاذا عظيماً توصل إلى النتائج التي لم يستطع الوصول إليها مفكرو العصور الوسطى.
كان المنهج الديكارتي منهج ثقافي فلسفي محض تمخص عنه تشكيل علمي جديد وهذا ما نحن بصده في المحاولة لصياغة أطروحة جديدة تحمل هذا العنوان وهو (الثقافة الفلسفية الجديدة) آملين الاستفادة من المصادر والمراجع التي تعني بالدراسات والمراجعات ذات الشأن التنظيري للمفهوم الثقافي بأوجهه المتعددة ومساراته المتجددة في مجالات العلوم الإنسانية الحديثة.