الحداثة والهوية، من الإنتاج التقني الى الاستهلاك الأنوي

يونس عاشور قرأها 1,081

الحداثة والهوية، من الإنتاج التقني الى الاستهلاك الأنوي 


 

ليس ثمّة شكٌّ بأن للحداثة مفاعيل تحويلية لفكر الانسان بقدر ما لها من اختراقات واجتياحات بنيوية لثقافة حياة الانسان، فهي تحويل للجواهر الى علاقات وللماهيات الى سيرورات وللغايات الى وسائل. انها تدنّس كل مقدّس وتؤرِّخ كلَّ أبديّ، وتبخّر كل ما هو صلب وفعلها أشبه ما يكون لذلك السائل المذيب لكل المواد فما ان يقع على أي موضوع حتى يحلّلهُ ويفكّكهُ على حدّ تعبير الاستاذ محمد سبيلا عن الحداثة وفعلها التفكيكي.

 المسار الحداثي عادةً ما يستقصد هذا الانسان بحيث يكون هذا الأخير هدفاً أولياً ونموذجا ربحياً لهذا الاستقصاد، الذي يتمثل في استقطاب رساميل الأموال عبر تقديم الخدمات  للمنتجات بشتّى أشكالها وصنوفها سواءً كانت أدوات ومعدّات أو وسائط وتقنيات أو وسائل وعينات ثقافية بدورها تداهم عقل الانسان وثقافته وكل أشكال سلوكياته وأدبياته المعنوية والمادية والثقافية منها جاعلةً منهُ نَسقاً مُسترسلاً "بالمفهوم النمطي الاستهلاكي المحض" (The typical consumer pure concept)  الذي يضرب بجذوره في كل مكوّن من مكوّنات الثقافة العقلية الجديدة، وقد بدا جلياً بأنّ هذا الانسان لم يعد قادراً على نهي ذاته أو صدّها  وإبعادها أو إضمارها عن هذه البضاعات التقنية السحرية. فالتّلقي اليوم أصبح إجبارياً وليس اختيارياً، استهلاكياً وليس عفوياً عن تلقّي هذه التقنيات او المعطيات العلمية الفائقة التطوير والتحديث باستمرار من قبل الشركات العالمية الكبرى العابرة للقارات التي تحتل اليوم موقعاً استراتيجياً مهمّاً على الصعيد الكوسموبوليتي ففي الولايات المتحدة الامريكية ثمّةَ الكثير من هذه الشركات العملاقة وغيرها في دول أُوروبا وآسيا باتت تتحكّم في مصير السوق العالمي المعاصر، فهي المصدر الرئيس لتلك التقنيات، والترويج التنافسي اليوم بات قائماً على امتيازات وإحرازات ومواصفات صناعية عالية الدقة في النوع والجودة التي تتمتّع بها هذه الدول المتقدمة دون غيرها.

يتمثّل النمط الاستهلاكي الحداثي اليوم في مجالات ومسارات عديدة أهمها وسائل الاتصال الإلكتروني بأنواعه العددية الذي بدا يشغل حيزاً كبيراً في الحياة اليومية فهذا الاتصال المتواصل لم يعد حكراً على أحد ما.

لقد اخترقت وسائل الاتصال الالكتروني كافة أشكال الحياة اليومية، فالدول والحكومات أو المؤسسات والنقابات الجمعية تذأب اليوم لاقتناء أكبر قدر ممكن من هذه الأجهزة لأغراض أمنية فمثلاً موضوع مكافحة الإرهاب يتطلب وجود هذه الأدوات والمعدّات الدقيقة للمؤازرة في الحدّ والكشف أو الفضح والهتك للجريمة المنظمة التي تستهدف النواحي الأمنية.

ان نِتاجْ المعرفة القيمية لهذه الحداثة التقنية يكمن في العديد من المجالات الحياتية، يكفي اليوم أن تقف عند أبواب مراكز التسوق التجارية وبدون إشارة أو حركة ما فتنفتح لك تلك الأبواب إنها أجهزة قِراءة وتعريف تنتقل من موجات الإرسال إلى ذبذبات الاتصال والاستقبال المباشر على شكل إشعاعيٍّ واتصاليٍّ وقرائيٍّ إضماريّ لترجمة هذه البيانات والمعلومات والمفهومات اللامرئية للإنسان ومن ثمّة أيضاً نقل مباشر لمراكز المراقبة الرئيسية لفهم هذه البيانات التي لا يمكن لأحدٍ منّا التعرف عليها وقراءة مبهماتها وخلفياتها إلا على نحو علمي بفكّ تلك الشيفرات لمعرفة رموزها من ألفِها إلى يائها.

ويمكن لنا الحديث في سياق متّصل عن ماهية هذا الاستشراء الكمّي للتقسيط المالي الهائل، والاتفاقات المالية الهائلة التي تُنفق في قبال هذه العروضات  والمعروضات الترويجية الرائجة لهذه الوسائل التقنية الساحرة بحيث أصبحت حاجيات ورغبات ملحّة داخل كيان الإنسان لامتلاكها ضمن مبتغياته الضرورية.

ان النمط الاستهلاكي بدأ يضرب بجذوره في كل مكون من مكونات الحياة العصرية الحديثة واحدة منها على سبيل المثال التوجُّه نحو كيان المرأة "نجوم السينماء، المشاهير، الأبطال الجماهيريين بالمصطلح العصري، باعتبار هذا المنحى يشكّل مصدراً للدخل المادي الهائل. بإمكاننا ان ندعو هذا النوع من النمط الاستهلاكي بسيرورة تدجين وتطبيع انصهاري بين الرغبة والذات، أو بين الأنا والآخر.

ولو دلفنا للحديث عن المرأة في العصر الحديث لوجدناها تشكل نموذجياً إعلامياً دعائياً تسويقياً وترويجياً أن لم يكن هو الأساس في تسويق الدعايات للمنتوجات التجميلية الاستهلاكية الضخمة وتلك انما يتم تسويقها عبر المرأة اليوم سواءً في النشرات والمجلات او عبر الوسائل الدعائية الأخرى باعتباره مصدر كسب وربح للمال وجمع للثروات من هنا وهناك.