تعازينا الحارة إلى المخبرين وكتبة التقارير

خطيب بدلة قرأها 96
 

إمبراطورية المجانين الديمقراطية العليا

تجارب قصصية ميدانية

خطيب بدلة

لازمات

 ملاحظة 1:

إن المجانين الذين يُحْـتَجَزون في مشفى الأمراض العقلية أقل بكثير من المجانين الطلقاء. ولعله من المدهش حقاً أن المجانين الطلقاء  يتسنمون مناصب مهمة في البلاد، وتوضع في أيديهم مصائر البشر الأسوياء!!

ملاحظة 2:

نُشرت هذه التجارب القصصية على امتداد الأعوام من 2001 و 2005، في  مجلة " الشهر "، وصحيفـة " النور "، وعلى بعض المواقع الإلكترونية.

  

تعازينا الحارَّة إلى المُخبرين وكتبة التقارير

على هامش مؤتمر المجانين اللغوي الأول الذي أقيم في العصفورية المتحدة، شهدتْ أروقةُ المهاجع وكواليسُها وممراتُها أنشطةً جنونية مكثفة، ولقاءاتٍ بين الأشقاء المجانين، واحتدمتْ بينهم حواراتٌ ساخنة اتسمتْ بالصراحة والأريحية والشفافية والحس العالي بالمسؤولية.

وفي إحدى هذه الجلسات، اقترح الزميلُ المجنون أبو نبّيرة المُفَلْفَس، الذي لا يستطيع المرء أن يميز بين وجهه وقفاه، حتى إنه يكون مُدبراً فتحسبُهُ مُقبلاً،.. اقترح أن يُرسلَ مؤتمرُنا برقيةً عاجلة إلى السادة المُخبرين وكَتَبَة التقارير في هذه البلاد، نعزّيهم فيها ببطلان زيهم، وكساد سوق التقارير الأمنية بشقيها (الصادقة والكاذبة)،.. فلقي اقتراحُه تجاوباً منقطع النظير، وفي الحال وضع أبو الطَّشَنة يديه على كتفي زميليه أبي سلمو العقرب وأبي عيد السعدان وهتفَ بصوت عالٍ:

-    يعيش عمي أبو نبيرة!

فعصَّ كل منهما على نفسه مثلما تفعل الدجاجةُ في اللحظة الحاسمة المتعلقة بإخراج البيضة من مؤخرتها، وصاحا بصوت واحد: يعيش يعيش يعيش!

وسرعان ما سرتْ عدوى الهتاف والتعييش في الأنحاء، فشملت أعضاء الوفود المختلفة كلهم، وخرج الجميعُ من المهاجع متدافعين على نحو عشوائي، وركض بعض الشباب المتحمسين إلى كدسة من أكياس الطحين الفارغة الملقاة تحت الدَّرَج المؤدي إلى سطح المبنى، ومزقوها طولياً، حتى أصبحت كاللافتات، وكتبوا عليها- بأعواد طويلة حُرقتْ رؤوسُها بالنار حتى تفحمتْ- عبارات حماسيةً مؤيدةً وشاجبةً ومواليةً ومستنكرة. وثقب أحدُهم الصفيحة التنكية الفارغة التي يُنْقَـلُ الماءُ بواسطتها إلى المهاجع، وربطها بخيط طويل من القنب، وعلقها برقبته كالطبل، وحمل العصا التي كان مُطَوِّعُ المجانين يضربنا بها، كيفما اتفق،على وجوهنا ورؤوسنا وأقفيتنا، (وكان قد استبدلها مؤخراً بعصا جديدة تناسب عصر العولمة!)، وشرع يضرب بها على الطبل، وراح الشباب يرقصون ويدبكون ويصيحون: بالروح بالدم نفديك يا.. (كل مجنون يذكر اسم رئيس أو ملك أو سلطان مهجعه).. وتابعنا طريقنا باتجاه الساحة الرئيسية القريبة من المبنى الإداري، وهنالك خرج المدير العام والطاقم الإداري إلى الشرفة خائفين مرتابين، وكان الحق- كل الحق- معهم، فلربما كانت هذه أول مَسيرة عفوية (حقيقية، غير مخطط لها) تشهدها عصفوريتنا في العصر الحديث.       

ولئلا تفلت الأمور من يد المدير العام، وخوفاً من أن يرقعه أحدُ مخبري الإدارة بتقرير لا تقوم له من بعده قائمة، فقد سارع إلى تهدئتنا، وطلب منا أن نشكل وفداً مصغراً من (عقلائنا) ونصعد فنشرب القهوة في مكتبه، كما تقتضي أصول الكياسة واللباقة الدبلوماسية. ففعلنا.

وحينما أصبحنا نحن أعضاء الوفد المصغر في مكتبه، تباسطَ الرجلُ معنا، وروى لنا نكتتين مضحكتين، ثم فتح موبايله وقرأ لنا بضع نكات من تحت الزنار، فضحكنا وسررنا، ووقتها استغل الفرصة وقال لنا معاتباً بمحبة:

-    ما هذا الذي رأيتُه وسمعتُه منكم قبل قليل يا شباب؟ قسماً بالله لولا أنني أحبكم لزعلتُ منكم! أأنتم (مجانين) حتى تصدقوا بأن عصر التقارير الكاذبة قد انتهى؟! حسناً، دعونا نشغل عقولنا قليلاً، ونتساءل: مَن هو الشخص الذي قال بأننا قد أصبحنا الآن في عصر الحرية، وأن التقارير المغرضة قد بطلَ زَيُّها؟ أليس هو فلاناً الفلاني المتربع على كرسي الـ .. منذ أكثر من عشرين سنة؟ ألم يفتك هذا الرجل بالشرفاء من أهل عصفوريتكم عبر السنين؟ أولم ينهبْ ويبنِ لنفسه البنايات ويملأ رصيده بالملايين؟ أصلاً كيف وصل هو إلى هذا المنصب الرفيع؟ بشهاداته العالية وعقله المتنور، أم بالتقارير الكاذبة التي كان يرش بها زملاءه رشاً؟!

وقف زميلنا أبو عقل وعقلين وقال محتداً:

-   أخي، أيا كانت الصيغة، فنحن نريد أن ينتهي عصر التقارير..

وفي اليوم التالي اختفى أبو عقل وعقلين، بطريقة غامضة، من العصفورية، فوقعنا نحن المجانين الآخرين أعضاء المؤتمر في حيرة عظيمة: هل نرسل برقية نعزي فيها إخواننا المخبرين ببطلان زيهم، أم أن للمسألة وجوهاً أخرى لم تستطع عقولنا الصغيرة إدراكها؟!! 

* ** *** ** *

صدر للمؤلف

§        حكى لي الأخرس 1987

§        عودة قاسم ناصيف الحق 1989

§        الساخرون- (نماذج من القصة الساخرة في سورية- إعداد) 1990

§        امرأة تكسر الظهر 1994

§        وقت لطلاق الزوجة 1998

§        حادث مرور 2002

§        التداوي بالأدب 2006

كتاب عن المؤلف: تجارب جديدة في القصة السورية- (عالم خطيب بدلة السردي)، تأليف محمد محي الدين مينو 2005.

رابط إلى المجموعة الكاملة