الضَّحيَّتان

نظمية أكراد قرأها 7
  

كانت تتمتع بجمال ورشاقة وشباب غضّ، تطاردها الأعين أينما ذهبت، وتسكن قلوب كثيرين تشكل هواجسهم وتعشش في عقولهم. ولم يلبث أن أصبح جمالها مطارداً حتى البيت، فقد كثر طارقو باب أهلها ولم يلقوا غير الصدّ والردّ وخيبة الأمل.‏

في يوم ربيعي جميل حملت كتبها مسرورة لتقابل الصباح والقلوب المتلهفة لاستطلاع إطلالتها الباهرة، وقبل أن تصل إلى الباب الخارجي صادفها عمُّها في صحن الدار، فسألها:‏

ـ      إلى أين العزم إن شاء الله.‏

ـ      إلى المدرسة..‏

ـ      ارجعي وادخلي إلى غرفتك وأرسلي أمك.‏

دخلت على أمها ذاهلة لا تعرف ما جرى، وقد حان وقت المدرسة. خرجت أمها مهرولة للقاء العم، ثم عادت وقد احتقن وجهها وامتلأت عيناها بالدموع، احتضنت ابنتها وبقيت صامتة، لا تدري ما تقول. قالت مريم: لقد تأخرت، ثم سألت:‏

ـ      ما بك يا أمي؟‏

ـ      لا شيء، ابقي اليوم في البيت.‏

ـ      هل حدث شيء؟ أهناك مكروه، ما وراء عمي...؟‏

بقيت الأم طوال النهار تبلع دمعها وتقاوم ألمها. ما ذنبها؟..‏

كانت الفتاة تلوب وهي في مكانها... ماذا تعمل وإلى من تشكو؟ وهو العم الكبير في هذا البيت، الكل تحت سيطرته، ولا يخالف أحد أمره، أحد لا يستطيع الاعتراض أو التظلم. فكرت في الذهاب إلى زوجته لعلها تتدخل وتقنعه بعودة مريم إلى المدرسة لتأخذ قسطاً أكبر من العلم، فما زالت صغيرة. دخلتْ عليها فلم تجدها أحسن حالاً منها، كان أنفها محمراً وعيناها متورمتين من البكاء، لأنه أيضاً منع ابنته من الذهاب إلى المدرسة. عادت الأم إلى بيتها، وهي تضرب كفاً بكف: فالخائب وقع على قليل الرجاء.‏

حضّرت مريم دروس اليوم التالي وكتبت وظائفها، ومنذ الصباح كانت تزقزق وتغرد وتنشر الفرح، ارتدت ثيابها لتذهب إلى المدرسة. ركب الهم أمها وانعقد لسانها وانغلق الكون من حولها، الظلام دامس ولا بصيص ضوء. انتهت مريم من عقص ضفيرتها، واقتربت من أمها مودعة، جذبتها إلى صدرها وانخرطت في موجة بكاء عارمة. سالت قنوات الدموع فياضة على صفحة وجهها الصقيل وقالت بصوت مخنوق من تحت جبال القهر:‏

ـ      لن تذهبي بعد اليوم إلى المدرسة، لا أنت ولا ابنة عمك سارة.‏

ـ      لماذا يا أمي إني مجتهدة وأحب العلم والمدرسة؟‏

ـ       لأنك أصبحت صبية وجميلة يخاف عمك عليك، ووالدك لا يخالفه. ليس لك إلا الطاعة. سأحضر لك الكثير من الكتب وتدرسين في البيت وتطالعين، كأنك في المدرسة وأكثر. أنت حلوة، ستتزوجين وتهتمين ببيتك وأولادك.‏

بكت الاثنتان ما شاء لهما البكاء، ووضعت مريم على جرحها ملحاً، ودفنت همها في قلبها وصمتت. رضيت بواقعها المر حتى لا تخسر أمها التي وقعت مريضة من جراء ذلك وتجاهلت الأمر.‏

دخل الفرح البيت فقد زوَّج عمها ابنته سارة لابن عمها. رقصٌ وغناء وضيوف ومهنئون، لم تسمع من ابنة عمها كلمة واحدة تريحها، هل هي سعيدة راضية أو مقهورة مجبرة؟ أعطيت سارة غرفة قريبة من أمها، فالعائلة الكبيرة ما زالت تسكن في دار الجد الكبير... الغرف تحيط بساحة واسعة تتوسطها بحيرة يعرّش عليها الياسمين والفل، وموزعةٌ فيها أشجار الليمون والنارنج والبرتقال والتوت، ودالية العنب تظلل قسماً من ساحة الدار، وشجرة الكينا العملاقة وارفة الظلال ونهايات أغصانها تكاد تلامس الغيوم، والسروة الهيفاء الرشيقة تتمايل للريح بدلال كأنها فتاة في ريعان الصبا... الأطيار تغرد في هذه الدار طوال النهار في الطابق الثاني تقع العلالي وهي غرف مخصصة لنساء البيت وللنوم، فلكل أسرة غرفتان بينهما صالة ومنافع، والغرف الأرضية الخارجية مضافة للضيوف ولنوم الغرباء، وفي الدار باب كبير لأهل البيت وآخر للضيوف. البيت كان رائعاً، ببلاطه وأبوابه نقوشه وشرفاته، إنه عالم جميل قائم بذاته, ولكن ما يجري فيه لا يسر.‏

وضعت سارة مولودها الأول من الشهر السابع فعاش بضعة أيام ثم طواه الموت، كان ضعيفاً جداً. دخل أبوها، العم الكبير، ووقف عند عتبة غرفتها وهو مطرق، وقال برضى وتسليم: الله أعطى والله أخذ، سيبدلك خيراً منه إن شاء. وانتهى الأمر بالصمت عند هذه الكلمات فبعد كلامه لا كلام سوى الصمت والتسليم والرضى المطلق.‏

كانت مريم تنتظر المجهول لعل الزمن يجود بشعاع من الأمل والفرح ولو كان واهناً. كانت الأيام تمر، وتسمع من آن لآخر همساً بين نساء الدار، وتلحظها العيون بحسرة فيها ما يشبه الضراعة.‏

في أحد الأيام كانت تسقي الشجر والورد وتنظف ساحة المنزل بدلاً من أمها التي أخذ الذبول يعتريها والحزن يطفو على ملامحها... أنهت عملها ثم دخلت لتطمئن على أمها، كان وجه الأم محتقناً من البكاء:‏

ـ      هل يؤلمك شيء يا والدتي؟ ما بك.. إن قلبي ينقطع من أجلك، كل العالم لا يساوي قلامة ظفرك، قولي يا أمي ما بك؟‏

أستندت الأم في فراشها والعبرات تخنقها والمر يفيض في حلقها وقالت:‏

ـ      لقد أصبحت كبيرة يا مريم يجب أن تعرفي كل شيء.‏

صمتت الأم وأدركت مريم أن هناك ما لا يسر.‏

مرَّ وقت قصير، قالت مريم: ماذا علي أن أعرف يا أمي؟‏

بكت الأم بحرقة، واستولى الصمت على مريم... ثم قالت الأم من بين دموعها:‏

ـ      لقد خُطِبت كثيراً، وكان عمك يرد الخاطبين بشتى الأساليب والطرق... لكن الآن..‏

ـ      ياوالدتي ليس هناك ما يبكي، أنا لا أريد الزواج، ما زلت صغيرة، وهذا ما تقولينه دائماً لي. أريد أن أبقى بجانبك، أنا لا ينقصني شيء.‏

ـ       أعلم يا ابنتي، الخير كثير ولكن ليس لك منه شيء.‏

ـ      لم أفهم ما تعنين، سهلي علي الأمر وقولي... ابدئي من الأخير.‏

ـ      لقد.. لقد.‏

عاصفة أخرى من البكاء اجتاحت كيانها بعنف، ومزقت داخلها، وأغمي عليها. بقيت مريم فترة تحاول إعادتها إلى الوعي ولكنها عجزت، تركتها وركضت إلى زوجة عمها مستنجدة. رشَّت سلفتُها على وجهها الماء، وكسرت أمام أنفها رأساً من البصل، وقالت:‏

ـ       اصبري قليلاً، وتوكّلي على الخالق، كل عقدة ولها حلال. والله مريم أحسن حالاً من سارة، ابنُ عمها لا يحبها ولا يطيق النظر إلى وجهها، ويجب أن تصبر وتسكت على هذا الذل والهوان كأنها المسؤولة عما جرى له ولها. مريم ما زال مستقبلها في قبضة الغيب.‏

صرخت مريم:‏

ـ      دخيلك يا عمتي خبريني ما وراءكم. أسرار وصمت وهمس وبكاء.. مالذي يجري في هذا البيت؟‏

ـ      عمك البارحة ردَّ خطابين جاؤوا لخطبتك، وخطبك لابنه، وتركك كجامع الوقف.‏

ـ      ماذا؟ خطبني لابنِه.. مَن ابنُه؟ أنا لا أعرف لكم أولاداً سارة وحيدة، ليس لها أخ حتى الآن.‏

ـ      ولكني حامل، فهو خطبك لابنه الذي في بطني، خطبك من والدك وأمام الناس وبوجود أخوتك، وهم لا يعرفون أنه جنين في أحشائي لم يتكون بعد ولا يعرف إلا الله إن كان ذكراً أم أنثى.‏

ـ      وقفت مريم ذاهلة، تنظر إلى أمها بطرف عينها وكل خلية في جسمها ترتعش. تجمع الدمع في عينيها وتوقف عقلها تماماً. مرت لحظات مديدة قاسية.. شيء لا يصدق.‏

كانت أمها تبكي وترتعش وزوجة عمها تحاول أن تكفكف دمعها وتهدئها. نظرت مريم إلى أمها التي كادت تفارق الحياة، تماسكت قليلاً عندما علَتْ وجهَ أمها صُفرةٌ كصفرة الموت، وقالت بتكلف مؤلم:‏

ـ      كم أنا سعيدة بما سمعت. أن أكون كنّة لك ياعمتي ولعمي الكبير هذا شيء عظيم، من لها مثل حظي واحترامي.‏

ـ      أحقاً ما تقولين يامريم، كنا نخشى عليك من الصدمة. سوف يسقمك طولُ الانتظار، سوف تصبحين عانساً ذاوية الروح ضامرة الجسد ويذبل جمالك الباهر، سوف يذبل هذا الجمال ويتبدد هذا السحر.. و..‏

ـ      ياعمتي الوردة التي على أمها ستبقى وردة والزمن يمر بسرعة. يا أمي هذا الذي يزعجك إنه مصدر سعادة لي. لقد ارتحت وسعدت بهذا الخبر.. ارتاحي يا أمي أرجوك.‏

مرت الأزمة الصعبة المؤلمة كطعن الحراب، ووضعت زوجة عمها الولد المنتظر.. إسماعيل، كان ضعيفاً سقيماً، مرض عدة مرات وكان يصل إلى حافة الموت ثم يتعافى. كانت مريم تحمله في حضنها وتطعمه وتدرجه ليتعلم المشي وتغسل وجهه ويديه. لم يتعلم لأنه كان أضعف من أن يتعلم ويقضي أغلب وقته في النوم، وكانت مريم تعلمه حتى أصبح يقرأ ويكتب ويحسب، وعندما بلغ الرابعة عشر زوَّجوه، وأقيم له عرس كعرس أبناء الملوك. بعد أشهر ماتت والدة مريم وولدت عمتها طفلة لا أجمل ولا أحلى، سميت مها على اسم أمها إحياء لذكرها. وتغيرت أشياء كثيرة، في المجتمع.‏

كانت مريم موضع شفقة واحترام، فقد تحملت الكثير وصبرت ولم تخالف كبير الأسرة، وبعد أن ماتت أمها أصبحت أكثر تحملاً للمسؤولية, أخذت تراعي ظروف العائلة بدقة وحرص وتظهر حكمة وتعقلاً ملحوظين. لم يكن أبوها يجرؤ على مخالفة عمها، وقد أدركت هذه الحقيقة منذ حادث منعها من الذهاب إلى المدرسة، وترسخ ذلك في حوادث أخرى كثيرة كان أهمها وأقواها خطبتها لجنين في أحشاء امرأة عمها الكبير. كان لا بد لها أن تعرف ما يترتب على هذا الوضع وأن تتصرف حسب ظروفها.‏

أنجبت مريم ولدها الأول وبعد عام ولد أخوه وقبل أن يتم الأربعين يوماً مات أبوهما إسماعيل بهدوء شديد. دخلت عليه مريم لتقدم له الطعام فلم يرد عليها، كان ما زال دافئاً عندما لمسته.. ركضت إلى عمها ونادته:‏

ـ      يا عمي إسماعيل أكلمه ولا يرد علي...‏

قام أبو إسماعيل وهو يسبِّح ويستغفر ودخل على ابنه، أسبل له جفونه وقال:‏

ـ      لا يدوم إلا وجهه الكريم.

وسرَتْ رعشة باردة في أطرافه وارتجف شعر لحيته. انتحبت مريم فأخذها من يدها وقال بصوت يشوبه الحنان والألم:‏

ـ      وحّدي الله... لا حول ولا قوة إلا بالله.‏

لم يمض إلا وقت قصير حتى أخرجوه من البيت بنفس الهدوء الذي غادر به الحياة، وبقيت مريم مع طفلين لم يعرفا أباهما، كانا جميلين دائبي الحركة والنشاط يحبهما جميع سكان البيت من أعمام وأخوال وجدود، لم ينقصهما إلا وجود الأب وما له من بالغ الأثر في حياة الأبناء.‏

كانت تئد أفكارها وأحلامها وتطلعاتها قبل أن تنطلق وتحلق وتتمرد عليها، وتجلب لها العار حسب جاهلية عقول متخمة بالتخلف والعنفوان والتسلط الأعمى الذي لا يبقي ولا يذر.‏

قالوا لها: لك الاحترام وكل ما تريدين، حافظي على ولديك وربيهما ولا تتركيهما يحتاجان لشيء، ونحن جميعاً نقدر لك ذلك.‏

أحاطت بها الهموم ولفتها بسور قاتم وموحش، ليلها موحش ونهارها لا يكاد يختلف عن الليل، وعندما كانت تضيق الحياة عليها إلى حد الاختناق تمضغ المر الذي اعتادت على مضغه وتسأل: ماذا جنيت؟‏

كان حنان الجد الفياض يعوض الطفلين عن غياب الأب، فالصغير خليل كان لا يعرف أنه والده ولا يصدق أو يقتنع بأنه جده وليس أباه، أما إبراهيم فقد كان هادئاً معتداً بنفسه، له شخصية فريدة يكتب ويقرأ ويهتم بالدراسة، ينزوي في أي ركن وينسى نفسه دون طعام، وعندما يدخل خالُه الكبير إلى المنزل يرافقه ويلبي جميع طلباته، ويمطره بالكثير من الأسئلة التي لا يجد لها عقله الصغير تفسيراً. الطفلان كانا مولعين بعمّتهما الصغيرة، كانت ناعمة لطيفة في لعبها معهما، تقضي نهارها عند مريم وكثيراً ما كانت تنام معهم وتأكل معهم كأنها ابنة لمريم، وأخت حقيقية للصغيرين. صغُر البيت على كبره وضاق بسكانه، ترك الخال مصطفى البيت واشترى سكناً قريباً من المشفى الذي يعمل فيه ولحقه عادل أيضاً واشترى بيتاً قريباً من مكتبه، وهكذا أخذوا يتسللون واحداً تلو الآخر من البيت ومن صرامة النظام فيه، من الاستيقاظ حتى النوم، وحتى طقوس الطعام.‏

في الصيف، في باحة المنزل، تحت العريشة وظلال الأشجار، يجلسون في حلقات، ولا يستطيع صغير أو كبير أن يمد يده إلى الطعام قبل أن يقرأ العم الكبير الفاتحة بصوته الرخيم ويترحّم على الأموات، ويسمي باسم الله، ثم يدعو الجميع للطعام، ولا كلام على الطعام. يرفع الطعام, ويقدم الشاي يشربونه، وبعد أن يحمد الله على نعمه يغادر العم المائدة يتفرق الجمع. وفي أيام الجمع والأعياد يعج البيت بكل العائلة وأولادهم، فهم لا يستغنون عن البيت الكبير ويتلهفون إلى المجيء إليه، فله نكهته الخاصة، وطقوسه المقدسة، ورائحته العطرة، وأشجاره الباسقة، ووروده الفواحة، ورذاذ بحرته المنعش. من بين الجميع كانت مريم تكتوي بالنار المستعرة بين ضلوعها في هذا البيت، تكتوي وتتألم بصمت لفقدان الأم والزوج والأب، وخروج الأخوة من المنزل.. ولكن كانت لها الكلمة العليا... إنها ذكية لبقة عاقلة، وكانت ذات رأي راجح، رصينة، تستشار من قبل الجميع في الصغيرة والكبيرة. كانوا يدعونها "الحَجّة" مما جعل لها شخصية فريدة واحتراماً ملموساً، ويعد محظوظاً من كانت الحجّة تقبل دعوته وتشرفه بالزيارة، وجميع نساء البيت يتودّدن لها ويقدمن لها خدماتهن. لها حضور لافت وأناقة لا مثيل لها. كبرت وما زالت تُخطب من عَليّة القوم، مع إنها أعلنت موقفها الرافض للزواج من أي إنسان مهما علا وسما.

مرت الأيام وهي تتجرَّع المرّ صابرة ولا تترك أحداً يحسّ بما يعتلج في داخلها، وبقيت محطَّ أنظار الجميع ومحبتهم وحسدهم أيضاً لما تلاقيه من احترام وتبجيل وطاعة لكل ما تقول وتطلب وهذا انعكس على أولادها مما جعلهم في المقدمة من حيث الرعاية والاهتمام والحب والنجاح والتفوق بالدراسة. وهذا كان يزيدها ثقة وشموخاً.‏

وزاد من احترام الجميع لها قدرتها على حل بعض المشكلات التي تعترض أقاربها، عمها الأصغر كان تاجراً كبيراً وثقة من الجميع، تاجر جملة، ولم يواته الحظ في صفقة كبيرة فقد تلفت البضاعة وعاد إلى البيت مهموماً لا يدري كيف يستطيع ترميم خسارته والوقوف على قدميه في عالم التجارة، وكيف يرد الأموال إلى أصحابها وهو التاجر الثقة. اسودّت الدنيا في عينيه وحار في أمره واعتكف في بيته وانقطع عن السوق وركبه الهم. لاحظت الحجة ما به من هم فسألته عن سبب همه وانقطاعه عن السوق والعمل، وعندما وقفت على معاناته وعرفت أن مشكلته مادية هوَّنت عليه الأمر، ووعدته أن تتصرف وتعمل ما تستطيع ويكون لديه المبلغ الذي يجبر عثرته ويعيده إلى سابق عهده وأحسن. كان يشك بكلامها لأنها لا تملك شيئاً، ولكن لم يستطع رد أي كلمة ودخل بعض الأمل إلى نفسه، فما تقوله الحجة لا يرد..‏

في الصباح دخلت عليه ضاحكة مستبشرة تحمل حقيبة ثقيلة، جلست ووضعتها أمامه وطلبت منه أن يلبس وينزل إلى السوق ويباشر عمله، وقالت بثقة:‏

ـ      هذا أكثر مما طلبت وأكثر من خسارتك، خذه وانطلق والله يفتح عليك. تركت ما حملته أمامه وخرجت، وعندما فتح الحقيبة وجد فيها الكثير من الحلي والعقود والأساور ومبلغاً نقدياً، استغرب من أين أتت الحجة بكل هذا وبأسرع وقت، أخذ ما أحضرته وهو يحمد الله ويشكرها على مساندتها له في وقت الشدة البالغة أنقذت سمعته وكرامته ومركزه الاجتماعي وأبعدته عن تقولات الناس. ولكن من أين؟ وممن أحضرت المبلغ والحلي؟ إنها ثقة ولكن من يسلمها هذا كله ويستغني عنه ولأي أجل.‏

أخذ المبلغ وأفكاره تطوح به من أقصى اليمين إلى أقصى الشمال وقرر أن ينهي مشكلته.‏

ويسأل بعدها من أين جلبتْ هذه الأموال كما لو أنها من خزانتها، وعندما سارت أموره واستوت أحواله عرف أن الحجة جمعت من نساء البيت كل ما يملكن من حلي ومال ولم تتأخر واحدة أو تترك عندها شيء لثقتهن الكبيرة بها، ولم تسألها واحدة عن سبب طلبها، ولا عن الزمن الذي ستعيد إليها ما أخذته منها. أكبر فيها كل ما قامت به وارتفعت بنظره وعمل ما بوسعه ليعيد إليها كل ما أحضرته له.‏

وكانت مها متعلقة بالحجة وبأبناء أخيها لا تفارقهم وتجد راحتها ومتعتها بالبقاء معهم، تدرس معهم وتنام عندهم والحجة ترعاها وتهتم بها كأولادها، كانت متفوقة وخجولة، وكل يوم تزداد جمالاً وأنوثة، وأصبح باب والدها يطرق كثيراً من أجلها. كانت فاتنة بكل المقاييس ومن أسرة كريمة، وكانت الحجة تستشار كلما يأتي خاطب لها، وكان ردها:‏

ـ      ليس بعد إنها صغيرة، وإن نضجت بسرعة، ما زالت تبكي على اللعبة.‏

وفي يوم ماطر بارد بعد العشاء، ارتدت الحجة أكثر ثيابها رسمية، وأرسلت ابنها خليل إلى جده وكان عنده بالمضافة أخوتها وجميع رجال العائلة بعد قضاء يوم العطلة في البيت الكبير ليستأذنه إن كان غير مشغول ويستطيع استقبال والدته. سرّ العم وهتف: "وهل تحتاج الحجة إلى استئذان؟ كل الأبواب مشرعة أمامها وكل الأماكن تتشرف وتسعد بزيارتها". في المجلس أخذ كل واحد يفكر لوحده وعلى طريقته؟ ماذا تريد الحجة، وماذا وراءها؟‏

دخلت بكل هيبتها وحضورها اللافت، ورحب الجميع بحضورها، وأفسحوا لها المكان اللائق بمقامها، وأصبحوا أكثر جدية وتطلعاً لما ستتفوه به.‏

بعد أن انتهت من السلام والمجاملات، التفتت إلى عمها وقالت:‏

ـ      جئت إليك ياعمي طالبة يد كريمتكم مها لأخي الكبير مصطفى.‏

صعق الحضور من هول المفاجأة وخاصة أخوها مصطفى الذي تجاوز الستين عاماً وزوجته جميلة، وحياتهما مستقرة وهي أم أولاده ويعيش معها في أحسن حال وأهنأ بال. نظر أبناؤه في وجوه بعضهم بعضاً، وساد الحضور صمت مطبق، وأصبح وجه عمها أصفر كوجوه الأموات. ارتجفت يده الممسكة بفنجان القهوة المرة. تنحْنَحَ أخوها عدنان وهو يطقطق بحبات سبَّحته، يريد أن يتكلم لينقذ الموقف ولكنها أوقفته بصوت واثق:‏

ـ      الكلام لعمي الكبير ومنذ متى يتطاول أحد في حضرته، كلنا تحت أمره، هكذا كنا وهكذا سنبقى.‏

صمتٌ مشوبٌ بالترقب والخوف، ثقُل الجو، كانت تتلاقى العيون وترتد، وكأن صاعقة حلت بهم، وأطرق البعض ولم تبق إلا الحجّة رافعة الرأس بشموخ واعتداد وكأنها مستعدة لكل ما يترتب على طلبها.‏

أدرك العم أن الحجة ترد له الصاع صاعين، وخاف على مركزه بين الأسرة وعند الناس، وقف وهو يحاول أن يتمالك نفسه تماماً، رسم ابتسامة على ثغره وهو يقول: لك ما تطلبين ياحجة، وهل أستطيع أن أرد لك طلباً، مها لابن عمها مصطفى.‏

قالت الحجة بفرح:‏

ـ      هذا ما كنت أتوقع من كرم ونبل أخلاق، مبروك على الجميع اقرؤوا الفاتحة على القبول والرضا، وأحضُروا البنت وأمها حتى نعقد القران فالعرس بعد أسبوع، البيت الجديد جاهز ومفروش حديثاً، ولم يبق إلا المصاغ وثياب العروس. أمها تتولى هذا الأمر، وأنت ياعدنان ستحضر الحلويات مع ابنك الآن.‏

بعد دقائق كانت الزغاريد تخرج الجميع من غرفهم ليستطلعوا الأمر ويشاركوا في هذا الحدث السعيد الذي كان غير سعيد على الأقل لزوجة أخيها وأولادها وأم العروس ووالدها وللعروس التي لم تدرك بعد ماذا حصل وكيف حصل.‏

همس عدنان لمصطفى: "عرفت بحنكة كبيرة وتخطيط لا مثيل له أن تصل إلى ما تريد وتنصف نفسها بنفسها وتصفي الحساب القديم مع عمها، في حين وقفنا جميعاً متفرجين صامتين بجبن وغباء وهي تعاني، إنها كبيرة وتبقى كبيرة، ومع إنك أنت المستفيد الوحيد ولكن ما ذنب مها؟ الآباء يأكلون الحصرم والأبناء يضرسون".‏

وعاد الجميع إلى غرفهم وبيوتهم غير مصدقين والأمطار على غزارتها لم تمح أو تغسل هذه الصدمة العنيفة، وكان البعض يقول العين بالعين والسن بالسن والبادي أظلم... وعادت الحجة إلى بيتها بكل الاعتزاز يغتسل قلبها من ألم، كأنها عادت صغيرة. تذكرت يوم منعها عمها من الذهاب إلى المدرسة، ويوم خطبتها لابنه الذي كان في بطن أمه، وما سبَّبه من ألم لها ولأمها التي ماتت من شدة القهر والظلم. لقد كانت هي أرحم منه، فقد خطبت مها لرجل كامل الرجولة عاش الكثير ويملك الكثير وإذا أنجبت سيعيش أولادها من مال والدهم، وليس على ما في أيدي الناس.

الأسبوع الأدبي