رحل نقولا زيادة - تاريخ حافل بالعطاء

د. مفيد مسُّوح قرأها 6
  

رحل نقولا زيادة ..

بالأمس .. وفي وقت من أشد أيامنا المظلمة حلكة وأكثرها حزناً وقلقاً رحل الدكتور نقولا زيادة دون أن ينال حظَّه من الحزن عليه .. فدموع مآقينا محجوزة الآن لأطفال لبنان وفلسطين والمعلم الكبير الراحل مات حزيناً غاضباً قلقاً لا ينتظر دمعة واحدة من محبيه عليه، والأوطان منكوبة غارقة بمحنتها ضائعة بين الاستعمار والرجعية ورجالها عاجزون عن فعل أيِّ شيء تائهون في غاباتٍ مظلمة، طغت فيها معايير الأنانية والوحشية والقسوة والاستهتار بالإنسان وبحقوقه وبمشاعره على معايير الحرية والعدالة والسلام والتعايش الصادق وانتفى في أيامهم الشعور بالأمان والاطمئنان والأمل بمستقبل معقول لهم أو لأبنائهم وأحفادهم.

تسعة وتسعون عاماً مليئة بالعطاء بدأت في دمشق، مسقط رأس نقولا، في الثاني من كانون الأول/ ديسيمبر 1907 لوالدين انتقلا إليها من الناصرة عندما أرسلت شركة ألمانية يعمل الأب فيها إلى هناك لإقامة سكة حديد، في وقت كان الجميع يتكنَّى بالانتماء إلى سوريا _ بلاد الشام. أما الآن، وللأسف، فقد نعى الإعلاميون والأوساط التربوية والأدبية والرسمية نقولا زيادة_ الفلسطيني اللبناني، كون الناصرة بلدة فلسطينية ولأنَّ نقولا زيادة، الأديب والمفكر والمؤرخ والإعلامي السوري الكبير، يحمل جنسية لبنان ويعمل فيها.

ليس العلم الكبير الراحل شخصاً عاديَّاً. إنه رمزٌ من رموز العلم والمعرفة والفكر في منطقة يتسم تاريخها بالغنى والتنوع ويمتليء بالأحداث والحوادث .. منطقة تمتد في المكان كما في الزمان وتمتلىء بآثار حضورها عتبات التاريخ ورفوف سجلاتها. إن انتمائية نقولا زيادة الفكرية والتصاقه ببلاد الشام وحضاراتها جعله شغوفاً منذ ريعان شبابه بالتاريخ السياسي والاجتماعي والفكري لبلدان الشرق الأوسط وبعلاقات هذه البلدان بمن أحاط بها أو احتلَّ أراضيها أو طمس ثقافاتها أو تبادل مع شعوبها ثقافات إيجابية إنسانية في محطَّات تنوعت كثيراً وتقلَّبت كثيرا.

منذ سنيِّ مراهقة نقولا، دفعته رغباتُه المعرفية والأكاديمية إلى حقل التعليم فأصبح معلماً، ولم يكن قد أنهى الثامنة عشر من عمره بعد، وكان ذلك بعد عودنه وأسرته إلى عكَّا عقب وفاة والده. كان يدرس ويبحث وهو يعمل. قضى عشر سنوات في ثانوية عكَّا، ونال شهادة البكالوريوس عام 1939 واستمر بالتدريس وانتقل بعدها إلى القدس ليصبح معيداً في الكلية العربية حتى نكبة 1948 إذ انتقل إلى بيروت فعيُِّن أستاذاً في الجامعات الأمريكية واللبنانية وتنقل في السنوات اللاحقة بين بيروت وعمان أستاذ شرفٍ حيثما حلَّ وحاضر الذهن حكيم التحليل واضح الطرح والتفسير وهو في عقده التاسع ونيِّف.

منذ كان معلِّماً في فلسطين كتب نقولا زيادة العديد من الدراسات والمقالات بادئاً حياته الأكاديمية شاباً في166.jpg مقتبل العمر. وفي الأربعينيات بدأت كتبه بالانتشار وكانت موضوعاتها محطات الحضور العربي في التاريخ (رواد الشرق العربي في العصور _ 1943 ، العالم القديم _ 1942، وثبة العرب _ 1945، شخصيات عربية تاريخية_ 1946، صور من التاريخ العربي _ 1946، صور أوروبية _ 1947، عالم العصور الوسطى في أوروبا _ 1947.

ومن منشوراته الصادرة مؤخراً (الفكر اليوناني والثقافة العربية _ حركة الترجمة اليونانية - العربية في بغداد والمجتمع العباسي المبكر – 2003 – مترجم عن اليونانية)، تاريخ البشرية _ 2003 _ مترجم، المسيحية والعرب _ 2001، شاميات _ 1989 وكثير كثير غيرها.

منذ تلك الأيام أتقن نقولا زيادة، الذي ألمَّ بعلوم اللغة العربية منذ فتوته، اللغتين الإنجليزية والألمانية كباحث وأكاديمي واللغتين اللاتينية واليونانية كمؤرخ محترف. وقد ترجم إلى العربية عدداً كبيراً من الكتب والدراسات عن الإنجليزية والألمانية. واستمر في إصدار الكتب في التاريخ حتى أوائل القرن الحالي ففاق عدد هذه الكتب الخمسين باللغتين العربية والإنجليزية.

 177.jpg

كأديمي محاضر أو مشارك في مؤتمرات عربية ودولية كان لنقولا زيادة عشرات الأوراق أما كإعلامي فله مئات المقالات والخواطر والرسائل المتبادلة مع أدباء ومفكرين من أقرب أصدقائه وله ما يزيد عن الألفي حلقة إذاعية في محاور تاريخية عربية وعالمية، معاصرة وقديمة، وقد جمَّع مقالاه وخواطره في كتاب صدر قبل أربعة أعوام وحمل العنوان (إيقاع على أوتار الزمن) وتحدث في غالبيته عن تاريخ العرب وثقافاتهم وأحوالهم ونشاطاتهم التجارية والفكرية وعلاقاتهم مع الشعوب الأخرى، جيراناً أو غزاة محتلين كما استعرض شخصيات مرموقة، سيرةً وصفات ومواقع متميزة في المجتمع أمثال المصلحين188.jpg المعتدلين (الإمام الغزالي، ابن جبير إبن بطوطة، التيجاني، خير الدين التونسي، إبن زاكور، أبو القاسم الزياني والحشائشي) .. لقد أثرى الراحل نقولا زيادة المكتبات العربية بما تستحقه من عطاءات فكرية وتسجيلية.

 في أواخر الأربعينيات حضَّر نقولا زيادة في لندن رسالة بحث أكاديمي موضوعها (سوريا في العصر المملوكي) ودافع عنها أطروحة نال بفضلها درجة الدكتوراه عام 1950

حرص نقولا زيادة طيلة حياته أن يكون بعيداً عن الالتزام باتجاه سياسي أو فكريٍّ محدَّد. كان مؤمناً بالبعد الإنساني العميق لانتمائه الوطني الشامي. وكمؤرخ، كان نقولا كثير القراءة وحادَّ الذاكرة وحاضراً للإجابة على أي سؤال تاريخي مما جعل حضوره أو مشاهديه واثقين من إجاباته وتحليلاته المبنية على معرفة عميقة مترابطة متماسكة نزيهة موضوعية. ولأنه كان شديد الاستمتاع بملاحته التاريخية الممتدة عبر القرون فقد كانت له خاصية جعلتنا نقتنع، ونحن نستمع إليه محاضراً أو ضيفاً على برامج تيليفزيونية، بأننا أمام شابٍّ يمسك العمر بين يديه ويتحكَّم بأعوامه وحقباته. ومما يجدر ذكره ما تمتع به نقولا من روحٍ لذيذة طريفة محبَّة للمرح وما زيَّن وجهه من ابتسامات وإيحاءات رضى دائم وتفاؤل بعث في مشاهديه ومستمعيه وقارئيه أيضاً الإحساس بالأمل والشعور بالثقة بالنفس وبالكفاءات والإمكانات. كم تصوَّر من يجهل معاناة نقولا زيادة خلال حياته الطويلة أنه ابن عزٍّ ورفاه، لما اتَّسم به من ميزات الطيبة والصبر وضبط النفس وقت الشدَّة. وكان له مزاجٌ خاصٌّ في ما يتعلق بالحوار والمساجلة يبعده عن199.jpg أجواء النقاش الحاد أو المهاترات التي كان يكرهها ويميل فقط للحوارات الهادئة اللطيفة والمرحة، وكان لنقولا لسان ناعم الكلمات وفم مليء بعبارات الملاطفة والمجاملة والرقة والعذوبة دون أن يتحاشى النكات اللذيذة والاستعانة بروح السخرية عندما يتطلب الأمر وصف حالة غريبة أو مواقف غير متوازنة، سياسية كانت أم ثقافية أم اجتماعية.

كانت لنقولا ذي النفسية الرياضية والحالة الاجتماعية الخاصة، فقد قضى حياته الطويلة عازباً، علاقة خاصة بالقهوة والغليون تقترب من الولع بالصديق. كان انهماكه بتنظيف وتوضيب غليونه ورشفه لفنجان القهوة قبالة منظر طبيعي جميل كفيلٌ برفع مزاجه وتحقيق حالة من الارتخاء كافية لمنحه الطاقة بعدها على العمل ساعات متواصلة.

ولأن نقولا كان منذ شبابه فخوراً بانتمائه إلى سوريا التاريخية فقد منحها حبَّه والتصاقه وقلمه وجهوداً علمية وبحثية كبيرة توَّجتها أطروحة الدكتوراه الخاصة بتاريخ سوريا. ولأن نقولا زيادة فخورٌ بعطاءاته وبحضوره على منابر أكاديمية وفي أروقة البحث التاريخي وفي ساحات المعرفة المتصلة بالمتلقي مباشرة، تدريساً وإعلاماً، فقد كتب الراحل مذكَّراته وسيرة حياته في مجلَّدين استعرض فيهما ذكرياته ومحطات تاريخه الطويل الحافل وأهم الأحداث التي عايشها وجاءت هذه المذكرات غنية بالوثائق والصور والشواهد مما أكسبها صفة الإمتاع متجاوزة حقيقة كونها شخصية.على الرغم من تركيز نقولا زيادة في الكثير من دراساته وأبحاثه وكتبه على الحضارة العربية في العصور الإسلامية، فإن نقولا زيادة، الذي ظنَّه الكثيرون مسلماً، كان أكثر ميلاً للتفكير على أسس مادية، وتبرز منهجيته في البحث والتحليل والربط والتفسير يشكلها المادي لمن يغوص عميقاً في دراساته المذكورة.

حزن نقولا زيادة على ما آلت له أحوال لبنان عقب استشهاد رفيق الحريري ومرافقيه وبعدهم باسل فليحان وسمير القصير وجورج حاوي وجبران تويني وازداد حزناً في أيامه الأخيرة على لبنان وهو يعاني جريحاً تحت قصف قوات جيش همجيٍّ حاقد استهدف حضارته وشعبه وحضوره العالمي المرموق. ومات حزيناً إذ مات في نفسه الأمل واسودَّت أمام عينيه الدنيا قبل أن يغمضهما إلى سجلات ذاكرة الوطن المفجوع.