عيد الديمقراطية

خطيب بدلة قرأها 95
  

إمبراطورية المجانين الديمقراطية العليا

تجارب قصصية ميدانية

خطيب بدلة

لازمات

 ملاحظة 1:

إن المجانين الذين يُحْـتَجَزون في مشفى الأمراض العقلية أقل بكثير من المجانين الطلقاء. ولعله من المدهش حقاً أن المجانين الطلقاء  يتسنمون مناصب مهمة في البلاد، وتوضع في أيديهم مصائر البشر الأسوياء!!

ملاحظة 2:

نُشرت هذه التجارب القصصية على امتداد الأعوام من 2001 و 2005، في  مجلة " الشهر "، وصحيفـة " النور "، وعلى بعض المواقع الإلكترونية.

  

عيد الديمقراطية

بينما كنا نحن المجانين، نزلاء المهجع رقم خمسة في العصفورية المتحدة، نستمتع بحصّة التربية الرياضية والذهنية والعقائدية، محاولين اكتشاف الألعاب الأكثر انسجاماً مع واقع أمتنا المناضلة، كلعبة التزمير عند المنعطفات (التي تُلعبُ حينما يظهر سياسي مُحَنَّـك جديد)، ولعبة التلميس على الرؤوس (وتُلعَبُ حينما تونعُ الرؤوس ويحينُ قطافُها)، ولعبة التجاوز على الكفاءات والصلاحيات التي اصطُلح على تسميتها بالـ (دوبلة)، ولعبة الدسّ وكتابة التقارير الكاذبة التي يسمونها (لعبة طقطقة البراغي)، ولعبة الشعارات المرنة، كشعار "الرجل المناسب في المكان المناسب"، الذي جرى عليه تحويرٌ واقعي طفيف، فأصبح (اختيار الرجل الأكثر غباءً لملء المنصب الأكثر حساسية، وذلك لكي يسهل امتطاؤه)،..  وشعار "النقد والنقد الذاتي" الذي تم استبداله بشعار (حكّ لي لأحكَّ لك)، باعتبار هذا الأخير أكثرَ سهولة في التطبيق، وأكثر فائدة للأطراف جميعها،.. وشعار تشجيع السياحة الذي عُبِّرَ عنه بشوارعَ محفورة، وأوساخ متراكمة، وكهرباء ومياه وهواتف مقطوعة، وسيارات عتيقة منسقة، وعربات تشبه القمامة، ورجال مدنيين يبرزون مسدساتهم من تحت ثيابهم، وينظرون إلى من حولهم بوجوه تنقِّط سمّاً، مما يجعل السّياح الأجانب يتمنون لو أنهم يرتدون الدشداشات بدلاً من البنطلونات، وذلك لكي يضعوا أطراف دشداشاتهم بين أسنانهم ويركضوا هاربين متلفتين، ولسان حالهم يقول:

-    ملعون أبوكم وأبو السائح الذي سيعيدها في بلادكم!

أقول: بينما كنا منسجمين في ألعابنا المسلية داخل المهجع، إذ سمعنا صوت مُطَوِّع المجانين المرعب (الذي يمارس، بعلم الإدارة، كافةَ الأشياء التي يمنعنا من ممارستها بالقوة، كتعاطي الحشيش، وشرب العرق، واللواطة، والزنا) يصيح عبر مكبرات الصوت، طالباً منا التجمع أمام المبنى الإداري حالاً.. فهرعنا إلى هناك برؤوس ومن دون رؤوس، اللهاثُ يسبقنا، والخوف يكاد يفقدنا السيطرة على أماكن خروج البول والغازات من أجسامنا، وإذا نحن، بعد قليل، ضمن قاعة الاجتماعات، أيدينا مشبوكة أمام صدورنا، وأعيننا مترادفة باتجاه المدير العام الذي رحَّب بنا، وقال: إنه، باختصار، يريد منا أن نقدم له اقتراحاتنا حول اختيار اليوم الأنسب ليكون (عيداً للديمقراطية).

ولئلا تخرج الأمور من يد المدير العام، أضاف:

-   فعلى كل واحد منكم أن يتحدث، بعد أن يطلب الإذن، وألا يلف ويدور و(يَتَطَعْـوَج مثل الطنطات)، وأن يقدم الأسباب المسوغة لمقترحه إن وجدت، وإلا..

ولأننا نعرف ماذا تعني كلمة (وإلا) فقد أجبنا عن السؤال بكل جدية وانضباط، فقال زميلنا أبو عبدو الطَّشَنة:

-   يا سيدي أنا أعرف أن أي جمهور يزيد عن خمسة أشخاص يستحيل أن يتفق بالرأي حول أية مسألة، ولذلك أنا أقترح أن يُعتبَرَ اليوم الذي انتَخَبَتْ فيه الملايين من العراقيين القائدَ المناضل صدام حسين، قبل إسقاطه، رئيساً للجمهورية العراقية، بنسبة مئة بالمئة، عيداً للديمقراطية!

وقال زميلنا أبو حِرْدَبّة:

-    أنا أقترح عليكم العودة إلى تاريخ المجازر التي ارتكبها حكام العالم الثالث بحق شعوبهم، عبر العصور، واختيار تاريخ المجزرة التي ذهب فيها أكبر عدد من القتلى والمفقودين عيداً للديمقراطية.           

وقال زميلنا أبو زميرة:

-    أقترح تاريخ جلوس أقدم أمير.. على...

فقاطعه أبو عقل وعقلين فقال:

-    بل الأفضل أن يقام عيد الديمقراطية بتاريخ تسلم أقدم رئيس لاتحاد الكتاب واتحاد الصفيين لمهام منصبه!

وقام زميلنا أبو البهراوي ومد يده وكمَّ بها فم أبي عقل وعقلين، وهو يقول له:

-    اخرس يا كرّ، ألا ترى ما يجري وراءك؟

نظرنا كلنا إلى الخلف، وإذا بمطوع المجانين ومجموعته المحاربة الساهرة على أمن العصفورية وحماها، يظهرون على نسق، ويباشرون بضربنا بعصيهم، ورفسنا بأرجلهم.. احتفاء بعيد الديمقراطية الذي نحن بصدده! 

* ** *** ** *

صدر للمؤلف

§        حكى لي الأخرس 1987

§        عودة قاسم ناصيف الحق 1989

§        الساخرون- (نماذج من القصة الساخرة في سورية- إعداد) 1990

§        امرأة تكسر الظهر 1994

§        وقت لطلاق الزوجة 1998

§        حادث مرور 2002

§        التداوي بالأدب 2006

كتاب عن المؤلف: تجارب جديدة في القصة السورية- (عالم خطيب بدلة السردي)، تأليف محمد محي الدين مينو 2005.

رابط إلى المجموعة الكاملة