حديث ناري لمجنون اعتباري

خطيب بدلة قرأها 86
 

إمبراطورية المجانين الديمقراطية العليا

تجارب قصصية ميدانية

خطيب بدلة

لازمات

ملاحظة 1:

إن المجانين الذين يُحْـتَجَزون في مشفى الأمراض العقلية أقل بكثير من المجانين الطلقاء. ولعله من المدهش حقاً أن المجانين الطلقاء يتسنمون مناصب مهمة في البلاد، وتوضع في أيديهم مصائر البشر الأسوياء!!

ملاحظة 2:

نُشرت هذه التجارب القصصية على امتداد الأعوام من 2001 و 2005، في مجلة " الشهر "، وصحيفـة " النور "، وعلى بعض المواقع الإلكترونية.

حديث ناري لمجنون اعتباري

   ثمة مثل شعبي نستخدمه نحن المجانين كثيراً في أحاديثنا اليومية، يقول: (ليس كل من يصفّ الصواني يُدعَـى حَلَواني)! وهو يعني أنه لا يجوز أن يدَّعي الجنون كل من حَوَل عينيه، أو شَعَّـث شعره ومشى في الزقاق حافياً، أو وقع في السويداء وشرع يخبط بيديه وقدميه..، فنحن المجانين لدينا مراتب ودرجات، وتصنيفات اجتماعية تنزل بالبعض إلى مستوى المخبول، المهبول، المشوش، المعتوه، الأجدب، وترفع بعضنا الآخر إلى مستوى المجنون الاعتباري المصاب بالشيزوفرينيا، أو جنون العظمة!

       وعليه أستطيع القول، بعبارة أخرى، إنني مجنون اعتباري، مثقّف ومسيّس، أعرف ما يجري خلف الكواليس، ولدي أحساس قوي بأن الحريات التي تحققت في مجتمعنا  حتى الآن لا تكفي لبقاء مجنون اعتباري واحد خارج العصفورية!

ومما أعرفه، مثلاً، أن أنظمة دول العالم الثالث القديمة كلها كانت تقوم على حكاية الأطباء الجراحين الثلاثة، الأمريكي والفرنسي والعالمثالثي الذين التقوا على هامش مؤتمر عالمي، وشرع كل منهم يحكي للآخرين عن تطور الجراحة في بلاده التي وصلت في أمريكا وفرنسا إلى مستوى الجراحة بالأمواج الصوتية والليزر دونما حاجة إلى استخدام المشرط، فقال الطبيب العالمثالثي بأن الجراحة في بلده قد تجاوزت في تطورها هذه الترَّهات الشكلانية!

دهش الأمريكي والفرنسي وسألاه: كيف؟

فقال: نحن يا صاحبي توصلنا إلى استئصال اللوزتين عن طريق فتحة الشرج.

فلما سألاه، باندهاش أكبر: لماذا لا تستأصلونهما عبر الفم؟

قال: لأن فتح الفم في بلادنا ممنوع!!

إن اللعبة في أساسها  تقوم على الحديث في العموميات، يعني أنك تمتلك كل الحق في أن تهجو أنظمة العالم الثالث، دون استثناء، مستخدماً أقسى العبارات وأكثرها إقذاعاً، شريطةً ألا تخص أحدها بالهجـاء وحده، وهذا المذهب أسسه، وبرع فيه، أستاذنا الأديب الكبير محمد الماغوط  ثم حذا حذوه كل أولئك الذين سوَّلت لهم أنفسهم أن يكتبوا بجرأة ويمشوا ضد التيار، وأنا منهم، بدليل أنني كتبت ذات مرة أنتقد مجلـة كانت تتباهى بجرأتها وتطاولها على الأنظمة المستبدة، طالباً من طاقمها ومحرّريها  أن يخصوا بهجائهم نظاماً بعينه، مهما كان هذا النظام ضعيفاً ومقلَّم الأظافر، فردُّوا عليّ في مجلتهم بطريقة أفحمتني وأسكتني، إذ روى محرِّرهم، في معرض رده علي، حكاية الأفعى التي ألقيت على الأرض، وقال واحد للآخر:

- خذها ولا تخف!

فقال له الآخر:

- لماذا لا تُرينا شجاعتك وتأخذها أنت؟!!

وأنا حقيقة لا أستطيع أن آخذها، لأنني أخاف كثيراً من الحيايا والعقارب، ولا أذيع سراً إذا قلت إن ثلاثة أرباع الأسباب التي أدت بي إلى الجنون هو هذا الخوف.

بيد أن الخوف، كما قال رائد المكيافيلّية الأول (بيدبا الفيلسوف)، يجعل الثعالب تنظر إلى رأس الثور المقطوع، فتتعلم منه الحكمة، التي تعني هنا المراوغة واللّفَّ والدوران، وأحياناً يفعل الخوف فعله فيُرفَّع المجنون الأدنى (المهبول) إلى منزلة المجنون الاعتباري.. وهذه الفكرة استهوتني كثيراً قبل بضع سنوات فترجمتها إلى سلسلة مشاهد تلفزيونية على النحو التالي:

في المشهد الأول يرى شابٌّ مهبولٌ حشداً من الناس يخطب فيهم أحد مرشحي البرلمان، فيعتقد أنه يعمل دعاية لمرشح البلد التقليدي، فيهتف: عاش فلان.

وفي المشهد الثاني نرى معلمه يطرده من الدكان بحجة أنه ضبطه متحدثاً في السياسة.

وأما المشهد الثالث الذي يتضمن عملية المصالحة بين الطرفين، فنرى الشاب المهبول يقول لمعلمه:

-يا معلمي، أنت عرق عيني، إذا أنت أمضيت النهار بطوله راكضاً في الشوارع، وتصرخ حتى يطق لك عِرْقٌ في مكان حساس من جسدك: (يعيش فلان ويعيش علان)، فإن هذا كله ليس بالسياسة، ولكن قل: (يسقط فلان). أي نعم، هذه صار اسمها سياسة!

* ** *** ** *

صدر للمؤلف

§ حكى لي الأخرس 1987

§ عودة قاسم ناصيف الحق 1989

§ الساخرون- (نماذج من القصة الساخرة في سورية- إعداد) 1990

§ امرأة تكسر الظهر 1994

§ وقت لطلاق الزوجة 1998

§ حادث مرور 2002

§ التداوي بالأدب 2006

كتاب عن المؤلف: تجارب جديدة في القصة السورية- (عالم خطيب بدلة السردي)، تأليف محمد محي الدين مينو 2005.

رابط إلى المجموعة الكاملة