أعظم الشعراء

د. إياد قحوش قرأها 7
 

"الى صديقي بانيوتوس وكل الذين يحبُّون الله والشعر"


الشاعر هو كل من يرى من خلف زجاج الجسد هيجان العواطف وبحار الأحلام, ويحسُّ بحرارة حضن الطبيعة, ويزور من فترة لأخرى عوالم بعيدة وغريبة يقطف منها ألغازاً, ويضع كل هذا في نهر من الكلمات التي تذوب في مهجة المتلقي لتتدفَّق شعوراً يعلو فيلامس الشمس تارة وتارة ينحدر مع مياه الينابيع الى باطن الأرض.

أما الشعر فهو عصارة روح تترقرق من فواكه القلب والعقل الحامضة والحلوة, فيحتسيها الإنسان في كؤوس اللغة, لتسقي مساحات من الإدراك ومافوق الإدراك في دنيا مزيج من الخيال والواقع.

الشاعر قوّتُه خياله، فبدون خيال مارد متمرّد يكون الشعر مفردات مبنية على ضفاف الشعر بأشكال هندسية من اللغة، لا تلبِّي أشواق الإنسان ولا تهز وجدانه.

الثقافة هي أيضاً فضاء الشاعر. وشاعرٌ بلا ثقافة زهرةٌ بلا ماء. فالثقافة جسر الشاعر, منها يعجن طحينه واليها يورِّد خبزه.

الموهبة أخيراً أهم عامل من عوامل تكوين الشعراء, فبدون موهبة يكون الكلام لا وزن له، وإنْ كان ثقيلاً، ولا حجم له، وإنْ كان كثيرا.

ولكي تكون شاعراً لابد من خلط الألوان الثلاثة أعلاه في بوتقة النفس, لتكون في الأرض نهراً وفي السماء بدراً وفي الإنسان شعوراً وفي اللغة تألُّقا.

فقوس القزح هذا الثلاثيُّ الألوان المكوَّن من الخيال والثقافة والموهبة هو موشور الشعر ومن دون هذا الموشور تتكسَّر أضواء الكلمات وتتشتَّت في اتجاهات شتَّى, وبشكل يصعب على عين المتلقِّي الانسجامُ معها فتسقط تارةً أبعد من الحقيقة فتتلاشى وتتبعثر, وتهوي تارةً أقرب من الخيال فتضمر وتجفّ.

فالشاعر الذي يمتلك الخيال الفضفاض والموهبة الدفَّاقة والثقافة الوافرة, هو رسول للحق وللخير وللجمال, يختزل الأفراح في رقص حروفه والأحزان في دموع نقطها.

والحق يقال فان الله هو أعظمُ شاعر على الإطلاق لأنه خلق الألوان والمطر والورد والأنهر والسماء والجبال والشمس والقمر والعصافير والدمع والنسيان والنوم والأحلام .. وأخيراً، وهو أفضل ماخلق، الإنسان.

فلا خيال أكبر من خياله ولا موهبة أعظم من خلقه وإبداعه ولا معرفة أكبر من معرفته.

الله أعظم الشعراء .. وما الشعراء سوى أنبياء رؤىً وقديسو حق, كلٌّ له كتابه وشعبه, أما هو فللجميع.