المبدعون الكبار يولدون قبل أوانهم

خطيب بدلة قرأها 39
  

تضمنت رسالة الصديق مفيد مسوح الإلكترونية الأولى إلي دعوةً لطيفة للمشاركة في تحرير عدد خاص من مجلة "جماليا" الإلكترونية، بمناسبة مرور عشرين عاماً على رحيل الموسيقار الكبير عاصي الرحباني، مع التنويه إلى أن العدد سيشمل تجربة الرحابنة العظماء بشكل عام، إذ لا يمكن- كما هو معروف- فصل تجربة أي منهم عن تجارب الآخرين.

لم أجب على رسالته، ولم أكتب أية كلمة في هذا الموضوع، ذلك أنني، بمجرد ما قرأت الرسالة، تنبهت إلى مسألة على قدر كبير من الأهمية، وهي أن الكتابة عن قامات أدبية تسامق الجبال، كقامات الرحابنة، تحتاج من الكاتب، أياً كان، إلى جسارة تبلغ حدود التهور، وأنا بالأساس لست جسوراً ولا متهوراً!

ولكن (مفيد) يحسن الظن بي إلى حد أنه أصر على مشاركتي في تحرير العدد، فأرسل إلي، بعد أيام قليلة، رسالة إلكترونية ثانية يبرىء ساحتي فيها من التقصير، ويلقي باللائمة على الظروف، ولربما شكك في كون البريد الإلكتروني (الإميل) لم يوصل رسالتَه الأولى إلي، على طريقة (كتبنا وما كتبنا) الرحبانية التي تجاوز عدد مكاتيبها، التي بقيت من دون رد، مئة مكتوب!

ولكن احتمال عدم وصول الإميل يكاد أن يكون، في الحقيقة، رابعَ المستحيلات، فإذا أنت ارتكبتَ خطأ فنياً في إرسال الإميل سرعان ما يعود إليك، مع توضيح خطي بوجود خطأ فني ما، وإذا أُرسل بنجاح تستطيع أن تجده مسجلاً، بالدقيقة والثانية واليوم والشهر في عمود (العناصر المرسلة).. وهذا كله يقع على الطرف النقيض من البريد العادي، الذي أمضينا عمرنا ونحن نعاني منه السم والدم والأمَرَّين، أعني البريد الذي استخدمته الأنظمة العربية التوتاليتارية المناضلة، من المحيط إلى الخليج، بوصفه شيئاً مملوكاً لها ولعناصر مفارزها الأمنية، تماماً مثلما تمتلك حياةَ مرسلي البريد، وحياة أفراد أسرهم، ومستقبلهم، وأسرارهم، تتصرف بهم تصرف المالك بملكه والسيد بعبده، و(منذا يطالب سيداً بعبده؟).

ولأن البريد ملكٌ للذين خلفوا عناصرَ المفارز الأمنية فقد كانوا أحراراً بمكاتيبنا: يأخذونها إلى أولادهم ويطلبون منهم أن يعبثوا بها، أو إلى زوجاتهم ويطلبون منهن أن يضعنها في الأثفية لتعجل في إنضاج الطبيخ، أو يلقونها في الحاويات،.. أو يفتحونها ويقرؤونها ويأخذون نسخاً (فوتوكوبي) عنها، ويلصقونها كيفما اتفق، ثم يسلموننا إياها، مشوهة، مشرومة، لا تمت إلى هيئة المكاتيب الحضارية بصلة.

من هنا، وأنا أتسلم رسالة الصديق مفيد الثانية، التمعت في ذهني فكرة أعتقدُ أنها خطيرة، هي التي جعلتني أقدم على الكتابة عن الرحابنة العظماء. هي الفكرة التالية: إن الرحابنة قد ولدوا ووجدوا قبل زمانهم بكثير!

ففي حين تجد البلاد في هذه المنطقة مقسمة إلى دويلات صغيرة، يستبد بكل واحدة منها إله صغير، يسلطُ على شعبه الشرطة والجباة والمخبرين والمفسدين والمتعجرفين، ويفتتح لضيافتهم السجون والزنازين، والمجاهيل، وفي حين يعمل هو وشرطتُه وجباتُه ومخبروه ومفسدوه ومتعجرفوه، مثل ماكينة مزينة، على نهب ثروات البلاد وإيداعها في بنوك الغرب،.. وفي حين يضرب التخلف أطنابه، وتسربل المرأة بالسواد والخوف والعار الذي لم تجلبه لأهلها، ولا تعليم مثل البشر، والدوائر الحكومية تحكمها الفوضى والرشاوى.. نرى الرحابنة يغنون: للحب، والقمر، والعدالة، والشمس، والمطر، والسماء، والغَزَل، والحضارة، والبحر، والضيعة العاشقة النجمات، وطريق النحل، وطريق كفرحالا، وهدير البوسطة، والنخل العتيق، والمساء، وزهرة المدائن، والناي، والأبواب، وسوارة العروس، وظريف الطول، وكرم العلالي، ولبنان الأخضر، والشام في الصيف، وسورية التي نسمت من صوبها الجنوبُ.

لو كان في هذه البلاد آليات، أو قابليات للتطور يمكن احتساب سرعتها، وتوقع نتائجها المستقبلية، لقلنا إن المفروض أن يظهر الرحابنة في بداية الألفية الرابعة أو الخامسة، ولكن قوة المكابح التي نراها ونلمسها وهي تمنعنا من التطور (بالثلاثة)، تجعلنا نقول:

جميل أن الرحابنة ظهروا على أيامنا، فقد وجدنا فيهم ملاذاً مما نعانيه من قهر وتخلف، خيمة على الجبل البعيد، نذهب إليها لننفض فيها وعثاءنا، ولنصبح قادرين على البقاء أحياء، رغم كل البلاوي.

تحية للرحابنة.. هل تكفي التحية؟!

______________

قاص وصحفي وسيناريست سوري