ولادة تجمُّع "ممنوع لبنان يْموت"
حالة العطالة التي وصل إليها لبنان بعد الأزمة المفتعلة التي أعقبت حرب الصيف الماضي لم يكن من الممكن الاستمرار بالتغاضي عنها أو التساهل حيال نتائجها التي دمَّرت أو كادت اقتصاديات وسط بيروت وما يرتبط بها .. فقد أثقل كاهل عشرات الآلاف من أصحاب المحلات التجارية والخدمية ومن الحرفيين وصغار الكسبة الذين سُدَّت المنافذ والسبل أمام حركتهم كما قطِعت الطرقات أمام المستهلكين والمنتجين من أبناء بيروت وضواحيها، لأسباب ليس لهم فيها، كمواطنين عاديين، ناقة ولا جمل.
الناس العاديون ضحايا التشنُّج السياسي الذي يضع لاعبوه في مقدمة أولوياتهم مصالحهم وأرقامهم بينما يُغيب أبناء الوطن أو يُساقون كالخراف تجرفهم تيارات العواصف السياسية مجرِّدة إياهم من أي حولٍ أو قوة يستطيعون بها النهوض بأنفسهم وبمن يعيلون من المستنقعات المرميين بها. الأشهر تمر والعطالة تترسَّخ والخوف يتزايد والآمال تضمحل ولا يبقى منها إلا خيوطٌ يمسك أطرافها أباطرة السياسة في الداخل وفي الخارج ويلعبون (شدَّ الخيط) كالأطفال دون اكتراث بما يحصل وبما يتهدَّد الوطن والبسطاء من أبنائه.
كثيرون رأوا وقالوا علانية محتجّين على ما يحصل "هناك من يريد الموت للبنان" .. آخرون رأوا الفتنة الطائفية على الأبواب ونتيجة حتمية للعبة شد الحبل السياسية. ولم يكن الخوف من سيطرة الشعور باليأس والتشاؤم أقلَّ من الخوف من نتائج التعنُّت والتمترس.
كان لا بدَّ من أصواتٍ وطنية صادقة تخترق (العطالة المقصودة) فتحطم حواجزها وتخرج الأهالي من حالة الحصار فترتفع معنوياتهم ويتكاتفوا في وجه المستهترين صارخين "ممنوع لبنان يموت".
إلى وسط بيروت، وبين ساحة النجمة والشوارع القريبة تقاطر أمس آلاف المواطنين من كافة الأعمار ومن الجنسين، من مختلف المناطق اللبنانية من كافة الانتماءات الطائفية تلبية لنداء وجَّهه تجمع "11 آذار" تحت شعار "نتغدّى ونصرخ: ممنوع لبنان يموت". كانت الدعوة إلى غداء ميدانيّ ذات مغزى عميق. فعلى أنغام أناشيد وطنية وأغانٍ تحث عباراتها الناس على المحبة والتصافي ورفع شأن الوطن تناول المحتفلون سندويشات من "الشاورما" المحضَّرة في زوايا الساحة وهم يرددون بأعلى صوتهم: "كفى.. كفى.. نعم للحوار.. ممنوع لبنان يموت" وهم يلوّحون بالأعلام اللبنانية وبأعلام تجمُّع "11 آذار" التي كتب عليها "سوا إيد بإيد..".
وفتحت المطاعم والمحال التجارية في الوسط والتي كانت مغلقة واستقبلت الجموع تحت حماية أمنية وفرتها وحدات من الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي.
وخاطب المحتشدين رئيس التجمع مرعي أبو مرعي قائلاً: "بعدما كنا نتجمع في وسط العاصمة ونفرح، أصبحنا نتجمع لنصرخ: صرخة كل مستثمر وصاحب مؤسسة أقفل مؤسسته، وكل مواطن فقد فرصة عمل، وكل مغترب يريد أن يعود إلى وطنه، وكل لبنان رافض انه يهاجر أو يُهجر من بلده.. صرختنا، هي صرخة تُعبر عن رفض حالة التشنج السياسي الموجودة في البلد".
وأضاف: "لقد أطلقنا (تجمع 11 آذار)، وهو تجمع غير سياسي، بل هو وطني بامتياز، وأكيد صنع في لبنان. ونحن لسنا هواة معارضة، ولا هواة سياسة، بل نحن طلاب حوار وتلاقي، هدفنا تفادي الفتنة، لأنها أخطر بكثير من مفاعيل القنبلة الذرية.. فحالة التشنج السياسي الموجودة تُساهم بإيصالنا إلى فتنة طائفية ومذهبية، تطال بمفاعيلها كل لبناني في الداخل والخارج، وللأسف بعض السياسيين، من حيث يدرون أو لا يدرون، يُساهمون بإشعال نار الفتنة، ونحن مهمتنا انقاذية، لإلغاء مفعول الفتنة الطائفية والمذهبية، لأن الأمن الاجتماعي يهدد كل المقيمين في لبنان".
وتوجه أبو مرعي بالشكر إلى الجيش الوطني اللبناني، صمام الأمان وإلى قوى الأمن الداخلي، العين الساهرة لحماية الوطن. وعبَّر باسم المحتشدين الصارخين عن رفض اللبنانيين الصادقين للتعصب والتمترس ولسلوكية التحدي وللتعنت والتشنج ودعا السياسيين إلى التحاور الصادق وإلى الاتفاق اعتدالاً لحل الأزمات قبل فوات الأوان مذكراً بدروس الماضي ومنبهاً إلى مغبّة الاستهتار بمصالح الوطن والتمسك بالمصالح الضيقة.