قصي خولي .. يعمل في التلفزيون، وعينه على السينما

بشَّار إبراهيم قرأها 6
 

سينما سورية جديدة dddddddddddddaefwerfarwefa4r4rfewfrae.JPG

مع قصي خولي، يمكنك فوراً الشعور بالألفة المحببة، وتبدو كأنك تعرفه شخصياً منذ سنوات، فهذا الفنان الشاب الأنيق، يتسرَّب إلى الروح كما نسمة رقيقة، بكل ما فيه من لطافة الحضور، وكلمة (يا غالي)، التي يكاد لا يكفّ عن تكرارها.

يستطيع قصي أن يدهشك بلياقته، بثقافته، بأحلامه، ومشاريعه، وطموحاته.. بصراحته، واعترافاته.. وبنبرة الحزن العالية، وهو يتحدث عن تجربة والده (عميد خولي)، أحد أعمدة الصحافة السورية الرسمية، طوال أكثر من ربع قرن مضى.

حقق قصي خولي فيلمه الأول، تأليفاً وإخراجاً وإنتاجاً، عام 2005، بعنوان (سيناريو)، وهو فيلم روائي قصير (مدته 30 دقيقة). والفيلم ينتمي إلى ما نسميه السينما السورية الجديدة، أو (السينما المستقلة في سورية)، شكلاً ومضموناً، وكانت له، على الأقل، مشاركة في بينالي السينما العربية في باريس 2006.

يقدم الفيلم صورة مؤسية لحالة العزلة والاغتراب التي يعيشها الشباب، من خلال الرحلة الأخيرة لكاتب سيناريو ناجح، يعيش القطيعة مع العالم، على الرغم من كل النجاح الذي يبدو أنه حققه!.. ربما تبدو الطفولة ببراءتها الباهية، والفتاة الجميلة بعذريتها الطافحة، آخر الخيوط التي كان يمكن أن تشدَّه إلى الحياة، ولكن الموت العبثي، إثر حادث غبي، يأتيه في لحظة فاجعة.

رحلة إلى الموت، يقطعها بطل الفيلم، الذي لن نعرف اسمه، على الرغم من أن فيروز ستغني في بداية الفيلم ونهايته، أغنيتها الشهيرة (أسامينا).. إنه من طراز (خرج ولم يعد)، دون أن نعرف الأسباب أو المبررات، ليصبح الفيلم نموذج حالة، لا تكلف نفسها عناء تقديم منطقها السردي، إلا عبر القليل جداً من الكلام، ومن خلال النظرات والتعبيرات والإيماءات.
الكلّ في الفيلم ينادون بطلنا الصامت، أو يخاطبونه، بلقب (الأستاذ)، باستثناء الطفلين اللذين يناديانه (عمو)، و(خالو).. وطبعاً فإنه بحضور الصفات، وغياب الاسم، ثمة ما يضمره الفيلم في خطابه، على الرغم من الإشارات التي كان من الممكن أن تحمل دلالات محددة، كأن يكون بطل الفيلم كاتب سيناريو، أو لا يكون، ففي الحالتين لن يغيِّر هذا من الأمر شيئاً. إنها مأساة مثقف، كما هي مأساة شاب يبدو أنه يدخل الأربعين، وحيداً أعزل.

***


يقول الفنان قصي خولي: على الرغم من أن فيلم (سيناريو) يحمل توقيعي، إلا أنه في النهاية جاء نتيجة تعاون مجموعة من الأصدقاء والعاملين الفنيين، ممن شاركوني همّ إيجاد سينما خاصة، أو سينما سورية مستقلة، بعيداً عن المؤسسات الحكومية.. أعتقد أن إمكانية خلق سينما سورية خاصة، أو مستقلة، ممكنة، ومتوفرة، وسيكون هذا على عاتق الشباب.. وفي هذا السياق، علينا الانتباه إلى أن الدراما السورية في نجاحها، إنما قامت على جهود الشباب، فقد كان الأساس فيها الدم الجديد وروح الشباب. ونحن الشباب لدينا أفكارنا ومبادئنا التي نريد أن ندافع عنها، وأن نظهرها للعالم، ولقد رأينا عبر تجربة فيلم (سيناريو) أننا يمكن أن نفعل ذلك من خلال تحقيق أفلام سينمائية تحمل هذه الأفكار، وهذه الهموم.

وقصي بهذه الكلمات يكشف عن عدة أمور دفعة واحدة، ربما يكون أبرزها أنه على الرغم من النجاحات التي حققها في الأعمال الدرامية التلفزيونية، إلا أن عينيه تنظران بلهفة إلى العمل في السينما، ليس ممثلاً فقط، وهذا ما تحقَّق له حتى الآن عبر فيلم (العشاق) مع المخرج حاتم علي، وفيلم (سبع دقائق إلى منتصف الليل) مع المخرج وليد حريب، بل كذلك مخرجاً، الأمر الذي حققه في (سيناريو)، وهو يطمح إلى تحقيق المزيد من الأفلام.

وإذ أسأل قصي خولي، قائلاً: يلفت نظري، أنك شاب في مقتبل العمر (مواليد 1976)؛ ناجح، ومتحقق كحالة فنية، فلماذا فكرت بهذه الطريقة القاسية التي ظهرت في فيلم (سيناريو)؟.. فإنه يجيب: أردت أن أقول إننا كشعب عربي عموماً، نعاني القهر، والتعب، والمشاكل المستعصية.. نحن ممنوعون من الحرية اللائقة، ومن القدرة على التعبير بجرأة.. أتألم عندما أرى جيلاً من الشباب لا يستطيع تحقيق أحلامه.. وأتألم عندما أرى هدر الإمكانات المتوفرة.. عندما أنظر إلى والدي (عميد خولي)، الذي ساهم في بناء الصحافة السورية، والذي رهن حياته لخدمة البلد، من خلال العمل الصحفي، وحال النكران الذي يلاقيها الآن.

أسأله: ولكنك اخترت فناناً تشكيلياً لبطولة فيلمك السينمائي الأول، ولم تعتمد على ممثل محترف؟.. فيقول: (عيسى ديب) فنان نحات، ولقد اخترته لمجموعة عوامل، جعلته مناسباً لبطولة الفيلم، وأداء حالة الوحدة؛ حالة الكاتب الذي يعيش الاغتراب عن مجتمعه.. بصراحة ربما كان من المهم أن يكون معي في تجربتي الأولى، أحد أساتذتي، لكننا نعود مرة أخرى إلى موضوع الشاب الذي يريد أن يعمل مع أستاذ، فالأستاذ أكثر قدرة على إعطاء الملاحظة، من تلقيها.. وأنا خشيت أن لا أستطيع الحصول على ما أريده، نتيجة ملاحظات هنا، أو اعتراض هناك. لكن على الأقل، في التجربة الأولى، وكي تعطي وجهة نظرك في شيء تحب أن تعمله، ينبغي أن يكون معك أشخاص متعاونون، إضافة إلى أن الفنان عيسى ديب يتمتع بإحساس عالٍ جداً، أي أنه لم يكن يمثِّل، كما أنه كان يتقبَّل الملاحظة، بطريقة رائعة.

وفي السؤال عن إدارة الممثلين، واختياره الاعتماد على لغة العين، والاستغناء ما أمكن عن الكلام أو الحوار، يوضح: أنا كنت أطالب وأصرُّ على هذا النوع من الأداء، الذي أراه يُغْني الفكرة كبيراً. لقد اعتمدت، بالتعاون مع الجميع، على مبدأ (تبسيط البساطة)، بمعنى أننا كلما كنا بسيطين أكثر، كنا حقيقيين أكثر.. وفي الحياة تستطيع أن تكتشف الكثير من خلال العين، وإذا ما كنت تتكلم بشيء، والعين تتكلم بشيء آخر، فسوف ينفضح فورا..ً هذه المسألة لها علاقة بإحساسي كممثل، لا كمخرج. أنا أعطي الملاحظة، وأفترض نفسي كما لو أنني أمام الكاميرا، لا خلفها.

***


في المشاهدة، وباكتمال الدائرة، وانغلاقها فيما بين مشهدَيْ البداية والختام، نكون قد وقعنا على فيلم روائي قصير، (كان يمكن أن يكون طويلاً)، مشغول بعناية، على الرغم من بعض الهفوات المونتاجية، التي كان من الممكن ببساطة تلافيها وتجازوها، خاصة بالنسبة لمونتير وغرافيكي محترف، مثل إياد شهاب أحمد، أو أمام عين المخرج النابهة.

ويبدو أن المخرج قصي خولي أراد استثمار أكثر ما يمكنه من قدرات الكاميرا الديجيتال، وخياراتها التقنية والبصرية، وحاول جعل بعض تلك الإمكانات أسلوبية فنية في فيلمه، كتثبيت الكادر، وسحب اللون، والتأثير الغرافيكي، على الرغم من أن عشوائية ما، أو أن شيئاً من عدم الانتظام الداخلي، بدا في اختيار بعض هذه اللقطات، وتثبيتها، لتدخل مخيلة البطل، وتنتمي إلى مخزونه البصري ..!

لا يقلل هذا من جمالية الفيلم، و(طزاجته)، خاصة أن التمثيل بدا في حالات جيدة، أبرزها ما استطاعت الفنانة الشابة تاج حيدر تحقيقه من انفعالات وتعبيرات عبر العينين، وملامح الوجه البالغة البراءة، وشيطنة معن عبد الحق، ولؤم مصطفى الخاني، ممزوجاً بصوت الرائعة فيروز، وموسيقا عصام الحبال، النابعة من قلب الحالة وعمقها، دون شذوذ، ومن خلال الصورة الجميلة، المتقنة، بتصوير يزن شربتجي، ومدير التصوير والإضاءة سامر الزيات.

فيلم (سيناريو)، بمقدار مرارته وفجيعته، ينتصر للطفولة والبراءة.. للحب والإنسانية.. ويبشِّر بسينمائي شاب، لا يحتفظ لنفسه بأسرار أن في جعبته القادمة المزيد من الأفلام.

النور