تصور ثقافي بلا جذور ثقافية

نبيل عوده قرأها 8
  

قرأت "التصور الثقافي" الذي أقره الأكاديميون العرب في ما يسمى وثيقة "التصور المستقبلي" للعرب الفلسطينيين في اسرائيل، وأصبت بكآبة مريرة بما يكشفه التصور الثقافي من "لا ثقافية" الأكاديميين معدِّي التصور المستقبلي ... وأكاد أقول أميّتهم الثقافية بكل ما يتعلق بالأدب العربي الفلسطيني الذي تطور في اسرائيل، ليس فقط جهلهم لأهمية الثقافة ودورها الاجتماعي والفكري والسياسي في كينونة الأقلية العربية الباقية في وطنها، هذا الدور المميز بخصوصيته التي نكاد لا نلمسها بمثل هذا العمق في مجتمعات أخرى، ربما بسبب خصوصية الواقع الذي واجهه العرب الصامدوين ضد رياح التهجير والطرد من الوطن، والتحدي الكبير لشق طريقهم في الحياة، في ظروف بدت وقتها شبه مستحيلة، وكان الضياع الانساني، وفقدان الهوية الوطنية والثقافية، هو الأمر المطروح للتنفيذ، لجعل الأقلية العربية مجموعة بشرية مقطوعة الأوصال، بلا جذور، بلا كرامة وطنية .. "مجرد حطابين وسُقاة ماء" كما أعلن وقتها مستشار رئيس حكومة اسرائيل لوبراني (في فترة حكم بن غوريون). وقام جهاز الحكم العسكري شبه الفاشي، الذي فرض على الجماهير العربية المقطعة الأوصال الباقية في وطنها، "بتنظيف" جهاز التعليم العربي من عشرات المعلمين الوطنيين وحرمانهم من حق العمل في التعليم أو الحصول على وظائف مناسبة، وفرض جو من الإرهاب على جهاز التعليم، استمرت آثاره المدمرة حتى يومنا هذا في بعض المدارس، ومنع طلابنا من دراسة تاريخ شعبهم وحضارته، ومن التعرف على أدبهم الفلسطيني او العربي المتنوّر، وفرضت نصوص أدبية فارغة من المضمون الانساني. كان برنامجاً للتجهيل التعليمي والثقافي. وفرضت الرقابة على المطبوعات، ولم يسمح بادخال الكتب الأدبية من العالم العربي. كان حصاراً ثقافياً مرعباً.

لا .. ياسادتي الأكاديميين المحترمين، المتمتعين اليوم بما حرمت منه أجيال عديدة من أبناء شعبنا. لا ياسادتي المتعلمين، ليست مجرد مراحل كما حددها تصوركم المستقبلي، متجاهلين ما أفنينا نصف عمرنا في مقارعته وملاطمته ملاطمة الكف العزلاء للمخرز !!

 خُطِّط  لنا أن نكون حثالات في سوق العبيد الإسرائيلي،  واذا كنا اليوم نتحدث عن أدب وثقافة عربية فلسطينية في اسرائيل، وهوية وطنية ونضالات برلمانية وشعبية من أجل المساواة، وأكثر من (35) الف أكاديمي، عدا آلاف طلاب الجامعات، ونسبة تعليم جامعي عالية تتجاوز لدى بعض الأوساط الأجتماعية نسبة التعليم في الوسط اليهودي نفسه، فهذا ببساطة لم يحدث في فراغ. الحياة سادتي لا تحافظ على الفراغ. الفراغ يتناقض والمنطق السليم. وكان هناك رعيل أسطوري في بطولته، فهم خطورة الفراغ على مستقبل شعبنا، فهم خطورة الفجوة الثقافية التي يفرضها زبانية الحكم العسكري على شعبنا المشتّت في وطنه، والمصدوم بنكبته .، فانطلق من اللحظات الاولى لملء الفراغ السياسي والثقافي، وربما لهذا السبب تميزت بداياتنا الثقافية بتزمتها السياسي، ولكنه، أحبائي، كان تزمُّتاً مطلوباً ومفيداً ويعبئ الفراغ الناشئ  في الواقع المشوه الذي واجهناه في العقد الأول من تاريخ دولة اسرائيل،  وأنجز ما يبدو اليوم مستحيلاً وغير قابل للتحقيق، لولا انها الحقيقة التي لا يمكن لأي عاقل، أو ناكر أن ينفيها .

تصوركم يطرح الموضوع الثقافي وكأنه أمر عادي، مثل أي ثقافة أخرى.  ومع ذلك يقع بمغالطات عدة، لا تليق بأن تمر عليكم بهذه السهولة. ترى هل قدَّم التقرير قبل وجبة الغذاء الدسمة في الفندق الفاخر الذي لمَّكم لكتابة تصوركم؟ آسف لحِدَّتي، ولكنكم فشلتم تماماً في فهم طبيعة تطورنا الثقافي، والعوامل المؤثرة والدافعة في كينونتنا الثقافية .. وما عدا الحديث التقليدي عن واقعنا الثقافي اليوم .. والاقتراح المثير للتأويلات حول إنشاء مجلس أعلى للثقافة  (ويبدو أن أحدهم يبحث عن وظيفة) رؤيتكم الثقافية مصابة بالجهل الكامل، والأمية الشاملة بكل ما يتعلق بثقافتنا.

ونبدأ من الآخر ..

قبل سنوات عديدة، تحمّسنا وأردنا أن نثبّت أقدام ثقافتنا العربية في اسرائيل، التي بدأت تلفت أنظار العالم العربي بعمقها، وقدرتها على التعامل مع الواقع الانساني ذو الأبعاد الخصوصية لأنساننا ومجتمعنا، فأنشأنا أول اتحاد للكتاب .. سرعان ما دبَّ الخلاف فاذا نحن أمام اتحادين متنافسين بلا عقل وبلا ثقافة .. كان التزعم ضمن الخلاف .. بدأ كل اتحاد يضم الى عضويته كل من كتب حرفين في جريدة – سباق مارتون لتسجيل أكبر قدر من الأسماء - لدرجة أصبح الاتحادَين مكتظَّين بكتَّاب التمارين الأدبية، وليس بالكتاب الأدباء .. ثم شُكِّل اتحادٌ أعلى بحجة ضرورة إيجاد مناصب .. ومنذ أنشئ الاتحادين تدهورت ثقافتنا، وتسطَّحت بحكم استيعاب كل من يتوهم أنه أديب لأنه نشر ما يشبه الشعر في صحيفة أو أصدر ديواناً هزيلاً .. ولم يتوقف تدهور ثقافتنا وأزمتها حتى هذا اليوم.

المضحك أن اتحادات الكتاب قائمة حتي يومنا، واليوم  يتلخص كل نشاطها انه لها رئيس بلا أعضاء، وتنشر التعازي والتهاني بمناسبة وغير مناسبة، وواضح انه توجد منفعة من وراء بقاء الاتحادات .. ربما دعمٌ نحن لا نعرف مصادره .. وفي الفترة الأخيرة صار رئيس أحد الاتحادات نشيطاً في برامج الصلح العشائري، وبات بعض الكتاب يعرفونه بلقب: "رئيس اتحاد الكتاب لشؤون الصلح العشائري!!" والغريب انه لم يشارك في إعداد التقرير الثقافي "الهام" في فندق القدس الفاخر. فهل سيكون المجلس الأعلى للثقافة دافعاً لاقامة مجالس عليا ثقافية منافسة أيضاً؟! لماذا لم يطرح التصور الثقافي أي ملاحظة عن القصور الذاتي لأحزابنا ومؤسساتنا الرسمية والأهلية (بما فيها لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية في اسرائيل) في دعم الثقافة والتجهيزات المناسبة لإدارة نشاطات ثقافية حضارية في مدننا وقرانا العربية؟.. لماذا تضطر فرق عربية (فرقة سلمى للرقص الشعبي مثلاً) الى تقديم عروضها في قاعات يهودية في كيبوتس المزرعة ومدينة الناصرة العليا، لعدم وجود قاعات مناسبة في المدن والقرى العربية؟!

قلتُ إن رعيلاً أسطورياً في بطولته قام بدور أساسي في رعاية ثقافتنا وتطويرها.

صحيح اني ذكرتُ هذا الموضوع بمناسبات مختلفة .. ولكنه موضوع يستحق حقاً دراسة أكاديمية مناسبة، ويستحق التكرار لأهميته، ولكونه يشكل الجذور التي انطلقت منها ثقافتنا وصلب عودها، والأهم، شكلت قاعدة فكرية سياسية هامة في صمودنا السياسي، وارتباطنا بتراثنا العربي والفلسطيني وحفاظنا على هويتنا الوطنية وكرامتنا.

هذا الرعيل الأسطوري هو الجيل المؤسس للتيار الماركسي السياسي والثقافي في مجتمعنا، الذي بدأ في فترة الأنتداب البريطاني تحت اسم "حركة التحرر الوطني الفلسطيني"، ثم اتحد مع الحزب الشيوعي الإسرائيلي، ولكن قادته العرب كانوا أصحاب رؤية نهضوية تنويرية، قادتهم الى الفكر الماركسي ثم الى الشيوعية في مرحلة صعودها وانتتشارها وتحولها الى حلم بشري بالعدالة الاجتماعية والتحرر والانعتاق من الاستغلال. الماركسية عزَّزت توجُّههم التنويري النهضوي، لذا ليس بالصدفة انهم كانوا على وعي كبير بأهمية تطوير ثقافة عربية فلسطينية في اسرائيل، وضرورة التواصل الثقافي بين الأقلية العربية والعالم العربي، وعدم الانقطاع عن التراث والإنجازات الثقافية الحديثة، كشرط لاستعادة التوازن الاجتماعي والسياسي، والانطلاق في معركة التحدي المصيرية بقوة ووعي، فشهد مجتمعنا في سنواته الأولى بعد اقامة دولة اسرائيل انطلاق مجلة "الجديد" الثقافية الفكرية التنويرية، وتحولت صحيفة "الإتحاد" (أنشئت كصحيفة نقابية لمؤتمر العمال العرب، ثم تحولت الى لسان حال الحزب الشيوعي باللغة العربية) الى السلاح الإعلامي والتثقيفي السياسي للجماهير العربية، ورافقت هذه العملية الإعلامية مهرجانات شعرية سياسية، مدت الجماهير العربية بالحماس الثوري، والتعبئة للنضال، الى جانب الدورات المتتالية السياسية والنظرية والثقافية لكل الأجيال، وخاصة للشباب، واقول بوضوح أنه بدون هذه النهضة الثقافية الفكرية السياسية، كنا تحولنا فعلا الى "حطابين وسقاة ماء" للمجتمع الإسرائيلي. كانت الجديد والاتحاد مصدران وحيدان  تقريباً للتعرف على الإبداعات الأدبية العربية البارزة، ثم أقيمت دار الكتب المختارة للنشر، التي نشرت عيون الإبداعات الأدبية العربية .. وكسرت الحصار الثقافي، وأنجزت في نفس الفترة تقريبا أحد الأهداف النضالية الهامة، بالانتصار في معركة إلغاء الحكم العسكري. وهذا ما كان من الممكن تحقيقه لو لم تكسر الجماهير العربية إرهاب الحكم العسكري.

للأسف تهاوى هذا البنيان بعد غياب فرسانه، وتحول الى مهزلة.

ان قصور التصور الثقافي في وثيقة التصور المستقبلي ناتج عن قصور رؤية طريق تشكل ثقافتنا وانطلاقتها.

لسنا بحاجة الى مجالس ثقافية عليا .. نحن بحاجة الى التزام القيادات العربية والمؤسسات الرسمية والأهلية بأجندتها الثقافية المعلنة. ان الدمج بين الثقافي والسياسي يشكل معادلة صحيحة في واقعنا الثقافي، قد لا تكون صحيحة في واقع آخر. القيادات شبه الأمية ثقافياً، لم تجلب لنا الا الوهن والضحالة الثقافية، وبالتالي الوهن والضحالة السياسية.

للأسف بعض الجمعيات الأهلية وأصحابها من السياسيين، يجمعون مبالغ طائلة بحجة الثقافة والفنون .. لا أعرف الى أين تذهب ... من يستفيد منها؟  ولكنها بالتأكيد لا تذهب للفعل الثقافي. ويا ليت هذه الأموال تذهب الى هيئة مستقلة تتشكل من مجموعة من المثقفين ورجال الفكر العرب (من العالم العربي – ربما عن طريق الجامعة العربية) وأن تتعامل مباشرة مع الفرق الفنية ومع الأدباء والفنانين .. وإطلاقا ليس مع ممثلي الأحزاب.

شعبنا يحتاج حقاً الى دعم ثقافي وفني كشرط من شروط تطورة وتشبُّثه بتراب وطنه!!