سيرة أنطون قازان وآثاره
في البدء كانت الكلمة... والكلمة صارت جسداً وحل فينا... والدخول الى محراب الكلمة وولوج هيكلها المقدس مغامرة دونها التحرّق وذوب العيون. وانطون قازان، أديب عبقري من لبنان، حمل مشعل الكلمة عالياً، فراحت تخضوضر على يديه وتنمو، لتجعل منه رائد النثر الجمالي المجنّح، ترفل الكلمة على شفتيه بتشاوف وكبر، كأنها صلاة على شفتي إله...!
من هو?
انه أنطون بن نخله قازان، من عائلة لبنانية عميقة الجذور بالتاريخ اللبناني، تفتحت عيناه على الحياة في الخامس من آب سنة 1927، في بلدة زوق مكايل، إحدى آيات الخالق في منطقة كسروان الساحلية، حيث اللون لوحة، والخيط معجزة، والنتاج بقاء.
وهناك في بلدة الزوق الحبيبة، أم القباب السبع والتقاليد العريقة، عاش انطون قازان في كنف عائلة محافظة، وقد كان صغير اخوته الخمسة جميعاً.
دخل مدرسة عينطوره منذ نعومة أظفاره، ترافقه نباهة متوقدة وذكاء متوهّج، يشعّان من عينيه الملتهبتين. ومنذ ذلك الحين راح النجم يلمع وبريقه يشعّ في كل المجالات العلمية، مما أكسبه العديد من الجوائز المدرسية والرسمية، وجعل منه، بحق، نجماً ساطعاً يبهر بريقه العيون ويسحر ذكاؤه الألباب. ومن عينطوره. معهد انطون قازان ومسرح أحلامه، الى جامعة القديس يوسف في بيروت، حيث عكف على دراسة الحقوق بالاشراقة نفسها والتوهّج عينه، مما جعله ينال اجازته وهو بعد في الحادية والعشرين من عمره. وقد كان نجاحه معجزة في ذلك الوقت، قلّما توصّل اليها بهذا العمر سواه. وهل من كان برجاحة انطون يقاس عمره بالسنين?!
حب انطون قازان للمطالعة وصداقته للكتاب جعلاه مرهف الاحساس بالكلمة وشديد الولع بالادب. وقد قامت بينه وبين شاعر بلدته الكبير الياس ابي شبكة صداقة حميمة ومحبة صادقة. فقد جمعتهما الزوق ووحدت بينهما الكلمة. وهل الذهب الخالص يدركه غير ربيب المناجم?
تعبّد انطون للجمال وتعشّقه للحق جعل منه محامياً أاديباً بكل ما للكلمة من معنى. و(يوم تتلاقى المحاماة وموهبة البيان يعلو بناء فكريّ معافى... ان مبدأ النسبية، في مسائل الحق) يستتبع الاقرار بأثر الأداء في المفاضلة، فالحقيقة نفسها بحاجة الى النور. ومن هنا كانت مرافعات انطون قازان القانونية مهرجانات ادبية يؤمها الناس كلما علموا بخبر استوائه في قاعة المحكمة للمرافعة.
حكاية انطون قازان والثقافة حكاية طويلة. وحدود يومه فيها تخطّت كل حدود: بدايته مع انبلاج الخيوط الاولى للفجر. اما نهايته فرهْنٌ بمخزون الضوء في العينين. يبدأ مع ضجة الأنوال عند الصباح ولا يعرف انتهائه بانتهائها. وغالباً ما كان يشهد صراع النجم وتفتّق الضوء في تنازع على بقاء، بينما نسمات القباب السبع تلفح خدّيه مداعبة بين يديه صفحات كتاب، فتغطّ عيناه ويغفو في هجعة الليل على ترنيمة سماوية، فيترنّح الكتاب على الارض بدون ان يكون له حول ولا باع.
كان انطون قازان لولب الحركة الثقافية في كسروان وعصبها الفعّال. مما جعل الأنظار تشخص اليه يوم بدأت المساعي لانشاء مجلس ثقافي في كسروان، يكون أنطون رئيسه وعميده. اذ كان من الطبيعي ان يكون اسم انطون قازان مرادفاً لاسم هذا المجلس، وكان اختياره بالاجماع سنة 1971 . ومنذ ذلك الحين راحت الحياة الثقافية تضجّ في كسروان بحيث لم تعد وقفاً على المترفين وحسب، بل أصبحت ديمقراطية شاملة. ذلك (ان مولد مجلس ثقافي في منطقة حدث يفرح له. انه اتخاذ موقف من الحقيقة). وأية حقيقة أسمى من تأمين المعرفة للجميع في عصر غدا العلم فيه خبزاً وماء. وتوزيع هذا الخبز بالتساوي يجعله كالعدل يتساوى في محرابه الجميع.
موته
(مات في الحرف المعنّف والريشة المدلّلة، في تماثيل الرخام والمرمر ... في طموح قدموس وشاطئ الابجدية ... مات في انفجار العبقرية). هذا الذي كتب بمداد قلبه تفجّرت فيه العبقرية وحطّمت منه الكبد المقرّحة فسقط وكان سقوطه عظيماً. سقط فخيّم على الجبل سكون رهيب وذُهلت الكلمة المونقة في محرابها، فيا لهول الفاجعة ويا لسقطان النجوم.
كان ذلك في العاشر من آذار سنة 1973، ولم يكن له من العمر سوى خمسة وأربعين عاماً. سكت القلب المعطاء فتوقف المهرجان وسقط الصولجان. واذا بالنجم الذي كان ينير عتمات الدروب يلفّه الضباب وراء السحب في الافق البعيد ليترك الجميع في دهشة وذهول تنادوا اثرها لتكريمه عبر مهرجانات ادبية متتالية وأوسمة تكريمية رفيعة...
جمع صديق انطون قازان، الاب يوسف عون، آثار انطون النثرية والشعرية التي كانت مندثرة مبعثرة، في كتب ثلاثة وفقاً للترتيب التالي:
أولاً - الآثار النثرية
أ) (أدب وأدباء) - الجزء الاول (333 صفحة عن دار الأهلية للنشر والتوزيع):
وهو عبارة عن خمس وتسعين قطعة أدبية يتفاوت طول كل منها بحسب موضوعها. وهي تدور حول الشعر والشاعر والنقد والادب ومقوّمات كل منها، بالاضافة الى وقفات منبرية في حفلات خطابية او مهرجانات ادبية لتكريم أهل القلم وإحياء ذكراهم، بالاضافة ايضاً الى ما كتبه انطون من مقدمات ادبية زيّنت صدر عدد كبير من الكتب وكانت تاجاً لكل كتاب، بل (كنزاً ضمّته الدفتان).
ب) (أدب وأدباء) - الجزء الثاني (269 صفحة عن دار الاهلية للنشر والتوزيع):
يضم هذا الكتاب سبع وثلاثين قطعة هي اضافة الى المواضيع التي حفل بها الجزء الاول، مجموعة من المحاضرات العلمية والادبية، مع مجموعة من الابحاث والدراسات القانونية التي عُني بها المحامي الاديب.
ثانياً - الآثار الشعرية
(شعر) (83 صفحة عن دار الاهلية للنشر والتوزيع).
وهو الديوان الشعري الوحيد لانطون قازان، ضمّنه انطون خلاصة تجاربه في الحياة، وهو يدور حول الغزل والوطنية والرثاء والثناء. ويلتزم جميعها الخط الكلاسيكي المعروف لبُنية القصيدة العربية مع ميل الى الرومنسية التي تعتمد الرمز احياناً، مع ما ينطوي عليه من خيال رحب وإيحاء مميّز.
هذه آثار انطون قازان تتحدث عنه. واذا اخذنا في الاعتبار عمره القصير، بالاضافة الى دقّته المتناهية وحرصه الدائم على الجودة والنوعية في العطاء، ندرك عندئذ ان ما اعطاه انطون قازان في خلال حياته القصيرة لم يكن بقليل. فأطباق الذهب التي قدم عليها الحجارة الكريمة كانت وليدة الضنى والوضع الممضّ. ونتاجه الادبي ليس كتباً ثلاثة وحسب، انما هو معرض تحف وفتون يؤمه اصحاب الازاميل ليروا كيف يكون نحت الجمال.
والجدير بالذكر ان آثار انطون النثرية كانت في غيره ولم تكن ابداً في ذاته. فالأنا القازانية لم تكن لتشغل حيّزاً من همومه بقدر ما كانت اهتماماته منصبّة على الآخرين. الا ان اصالة انطون الادبية تجعلك ترى ذاته مزروعة في كل ما كتب. ومن هنا يمكن القول ان انطون قازان كتب عن كثيرين، الا انه ما قرأ في الحقيقة الا لذاته. ذلك ان الاسلوب القازانيّ المميّز انما هو وليد عبقرية اصيلة ومميزة.
اسلوبه
ليس لنا الآن ان نتناول بالشرح والتحليل آراء انطون قازان النقدية في الادب والقانون... ذلك ان هذا الامر يتطلّب دراسة وافية، تعطي الموضوع حقه من البحث والتحليل، وإلا جاءت الدراسة مبتورة لا تفي بالغرض المقصود.
من هنا كانت محاولتنا التركيز على الاسلوب القازاني المميّز، الذي جعل من انطون رائد النثر الجمالي المجنّح، تتهادى الكلمة المترفة في أدبه بغنج ودلال، نظراً للدقة المتناهية في اختيار الألفاظ، وكونه متعبداً للجمال يرفض العيش خارج ملكوته، حق غدا له على الحرف سطوة وجلال.
واذا كان الفنان ابن بيئته، يعكسها في فنه لتغدو جزءاً لا يتجزأ منه، فان أدب انطون قازان هو ابن الحياة، بكل ما في الكلمة من معنى.
* مأخوذة من مقال "أنطون قازان ... الوجه الآخر لكل حب" المنشور بتاريخ 8 آذار 2007 في