المساواة للمرأة ودمجها بالحياة العامة - قاعدتان أساسيتان لبناء مجتمع دمقراطي عصري

نبيل عوده قرأها 7
 

أيضاً، بمناسبة 8 آذار

حول استراتيجية التطور الاجتماعي للعرب الفلسطينيين في اسرائيل، أشارت وثيقة " التصور المستقبلي"- التي أعدّتها مجموعة الأكاديميين العرب خلال سلسلة لقاءات نقاهة استمرت عاماً كاملاً في أحد فنادق القدس الفاخرة (على حساب ولحساب لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية في اسرائيل) الى أربع نقاط، اعتبرتها حاسمة وأساسية. تتحدث هذه النقاط عن كون المجتمع السليم هو نتاج النشاط الاجتماعي الذي يتميز بالريادة والتضامن، ودور الأفراد بإقرار أهدافهم بأنفسهم، وعدم إبقاء مصيرهم رهن السلطة الحاكمة، وأن المشاركة النشطة تمنع الشعور بالغربة عن المجتمع، أو فقدان السيطرة والشعور بأن مشاركتهم لا قيمة لها. وأن المشاركة الفعالة بقضايا المجتمع، هي الأساس، الضروري لبناء مجتمع دمقراطي.

هذه هي "الرؤية" الاستراتيجية التي ستنقذ العرب في اسرائيل من غول التمييز العنصري والطائفية السياسية والعائلية السياسية، ونحقق المساواة في المواطنة، وفي الحقوق المدنية والسياسية، وفي مساواة المرأة في مجتمعنا، وفي القضاء على التفسخ الاجتماعي والشرذمة الطائفية، التي افقدتنا كياننا كشعب متماسك متضامن، ويطرح التصور المستقبلي، موقفاً بالغ الخطورة في التغطية، على شرذمتنا وتفككنا الاجتماعي بنظرية تقول (ضمن النص الأكاديمي) أن: "الحمولة حافظت على جوهرها ولكنها غيرت مكانتها وتطلعاتها الاجتماعية التقليدية، اذ بدأت تجري انتخابات مبكرة لانتخاب مرشح الحمولة ( القصد مرشح الحمولة لانتخابات السلطات المحلية ) وأن اكثرية مرشحي الحمائل متعلمون"...

عاش شعب الحمائل - العربي الفلسطيني المتعلم !!

وماذا مع الظاهرة الطائفية المستشرية؟ مرشحو القوائم الطائفية متعلمون أيضاً، بل وأكاديميوين من المستوى الأول ؟؟ هل نستطيع الادعاء أن مرشحي الحمائل والطوائف مقبولون على أبناء الحمائل أو الطوائف الأخرى ؟! بهذا الانحدار الطائفي والحمائلي القبلي نتقهقر الى الخلف اجتماعياً وفكرياً، ويتعمق تشرذمنا وتفككنا كشعب !!

حقاً تحللون المجتمع العربي الفلسطيني في اسرائيل، اجتماعياً، بشكل صحيح .. ولكنكم تجمعون مع سبق الأصرار على تجاهل القضايا الجوهرية الحارقة والمؤلمة والمدمرة، والتي دفعنا بوحدتنا وتكاملنا الاجتماعي، وبدمنا أيضاً .. ثمناً رهيباً لها، ومع تصور أكاديمي فوقي مثل تصوركم، سندفع أثماناً مؤلمة أكثر، قد تكون ضياعنا كشعب في واقع سياسي لم يتوقف لحظة واحدة في رؤيتنا كطابور خامس يجب التخلص منه.

ما تطرحونه ليس جديداً، ولا يحتاج الى سنة كاملة من اللقاءات .. ويبدو ان متطلبات النقاهة في الفندق الفاخر، تجاوزت في أهميتها أبحاثكم الأكاديمية .. فأطلتم ومددتم ليصير حالكم مثل الثعلب الذي دخل كرم العنب. أيّ سياسي متمرس في قضايا العرب في اسرائيل، يمكن أن يصيغ تصوراً مستقبلياً أفضل وأكثر عمقاً من تصوركم، الذي يتجاهل القضايا الملتهبة في مجتمعنا، وعلى رأسها الطائفية والعائلية، ومكانة المرأة، التي لم أجد الا لمحة فوقية عنها وكأن المرأة في مجتمعنا، حققت ما تصبو اليه المرأة العربية في سائر المجتمعات العربية، ولم تعد مهمتها اعداد القهوة فقط للرجال "المناضلين"، أو الحجب القسري بشكليه الاجتماعي والشخصي !! ما هو موقف "المناضلات" اللواتي ساهمن في إقرار هذه المهزلة، من واقع المرأة العربية في اسرائيل ؟ هل كل نساء شعبنا يتمتعن بالحرية والاستقلال الذي تتمتعن به ؟ - اربعة من المشاركات في اعداد الوثيقة من وسط اجتماعي ليبرالي في تعامله مع المرأة واثنتان من عائلات ليبرالية ايضاً في احترام مكانة المرأة وتقدمها، والمشكلة أن صوت الأكثرية النسائية المسلوبة الارادة والحقوق، وهموم المراة عامة ومعاناتها الحقيقية في مجتمعنا، كان غائباً . ورغم ذلك، هل نجحتنَّ بتحقيق إنجاز نسائي ضئيل في المساواة الاجتماعية والسياسية والحقوقية، داخل مجتمعنا العربي الفلسطيني في اسرائيل ؟! حتى بالنص جرى تجاهل المشكلة النسائية، ربما لكسب ودِّ القوى المتزمتة من مسألة مساواة المرأة في مجتمعنا !!

بالرغم من انه تزداد الجمعيات الأهلية النسائية، وترتفع الأصوات على مدار السنة بضرورة التمثيل السياسي للنساء في انتخابات الكنيست والسلطات المحلية، الا ان مجتمعنا يزداد تخلفا ورجعية و "رجالية" في هذا المجال، ويبدو ان بعض النساء يناضلن على مدار السنة للتمثيل النسائي، فقط لأخذ الأموال من "الاتحاد الاوروبي". وعند لحظة الامتحان، تصبح المشاركة في تصفية الحسابات الشخصية بين الرجال (الصراع بين الديوك السياسيين) أهم من مكانة المرأة وتقدمها ومساواتها. اليس كذلك ايتها القائدة النسائية الجبهوية، رئيسة جمعية "نساء ضد العنف"؟! أليس من العار أن أول عضوة كنيست عربية،وهي الأخت حسنية جبارة، وصلت عن طريق حزب "ميرتس" اليساري – الصهيوني ؟! أليس من العار أضعافاً مضاعفة، أن عضوة الكنيست العربية الثانية، وهي الأخت ناديا حلو ، وصلت كذلك عن طريق حزب "العمل" الصهيوني ؟! أليس من العار أنه حتى الحزب الشيوعي، وجبهته، ومن يلتصقون كذباً بالماركسية والقومية العربية المتنورة، يثرثرون في كل تصريحاتهم وخطاباتهم وأجندتهم الحزبية عن مكانة المرأة ومساواتها، بل وأقروا تخصيص الثلث للنساء في كل قوائمهم الانتخابية .. وعند الامتحان يصبح نعل الرجل، حتى الجاهل والمنتفع.. فوق جبين النساء ؟!

لماذا يتلاشى صوت "المناضلات الباسلات" عند الامتحان الحقيقي، ويقبلن بأول مكان غير مضمون في القائمة الانتخابية ؟! واذا تجرأت شابة واعية، مناضلة وتعتز بنسويتها .. للتمرد والمنافسة على مكان محترم، تُسَنُّ الحراب من محتكرات القيادة النسائية لهزمها وإسقاطها .. أليس كذلك يا سيدتي من جمعية "نساء ضد العنف"؟!

حضرتُ عدة مؤتمرات نسائية للبحث في مكانة المرأة، والمعوقات الاجتماعية التي تعترضها وتقدمها ومساواتها مع الرجل، وتوهمتُ انه حقاً نشأ جيل نسائي قيادي لا يتردد في الأصرار على حقوق المرأة المساوية داخل التنظيمات التي طرحت في أجندتها المساواة الاجتماعية والسياسية للمرأة .. بل وطرح شعار "ولا صوت لقائمة لا ترشح امرأ ة في مكان مضمون".. فاذا المرأة ( القائدة ) هي أول من يتنازل عن الشعار، وفي أول فرصة تتنافس فيها على مكان مضمون، بل وتستقيل من المنافسة على ترشيح نفسها لضمان إسقاط مرشح وفوز مرشح آخر.. واذا تجرأت شابة مناضلة وغير ملوثة بالمؤامرات الشخصية، على دعم مكانة المراة والإصرار على مرشحة نسائية بمكان محترم .. تُشَنُّ ضدها حملة تشوية وتجند النساء لإسقاطها !!

من هنا غاب عن "التصور المستقبلي" طرح حقيقي لقضية المرأة العربية الفلسطينية في اسرائيل، وجرى تجاهل مساواة المرأة، كقاعدة اساسية وهامة في التطور الاجتماعي والثقافي.

" لقد كرمنا بني آدم ... " فلماذا يتواصل الانكار الاجتماعي للمرأة وآدميتها، بهذا الشكل المهين، حتى في وثيقة تدعي انها "تصور مستقبلي" للمراة العربية الفلسطينية في اسرائيل أيضا ؟!

أية أخلاق نربّي عليها الأجيال الجديدة، يا معدِّي الوثيقة .. حتى الإمام العظيم علي بن أبي طالب قال قبل أربعة عشر قرناً: "لا تربوا أولادكم على ما أنتم عليه، لأنهم خلقوا لزمان غير زمانكم" !! فكيف تنفعنا وثيقة جبانة ومتخاذلة فكرياً ومتهرّبة من الحقائق الاجتماعية الحادة والملحة، خاصة حول واقع المراة، في تربية أنفسنا وأجيال أبناء شعبنا الصاعدة، وفي وضع استراتيجية المستقبل ؟!

ان المساواة للمرأة ودمجها الكامل في الحياة العامة، بكل أبعادها، يشكلان قاعدتين أساسيتين من قواعد بناء مجتمع دمقراطي عصري. وبدل ان يساهم أصحاب التصور المستقبلي في تحديث الوعي العام وتنويره بالتحليل الموضوعي للواقع الذي يبقي نصف المجتمع مشلولاً، الا من الثرثرة الشعاراتية .. يتسترون بإصرار مريب عن إيقاظ الوعي بهز مجتمعنا داخلياً هزة عميقة لإسقاط الأوراق والفروع اليابسة ... ولفتح الطريق حقاً لمستقبل جديد من التجدد الاجتماعي والوطني والثقافي، وتنشيط الحيوية الفكرية والسياسية عند شعبنا. ويؤسفني أن أشير الى أن القسم الخاص في التصور المستقبلي، عن الثقافة العربية الفلسطينية في اسرائيل، لم يتجاوز طرح العناوين الفوقية، ويكاد يكون تصوراً لا ثقافياً .. وهو موضوعي القادم.

نبيل عودة – كاتب وناقد واعلامي فلسطيني – الناصرة

mostkbel@netvision.net.il